لا شيء يشعل نار التساؤلات، كالواقع العملي، بل إن هذا الواقع قد يثير غبارًا كثيفًا يمنع قدرتنا على رؤية الأشياء كما هي.

كذلك فإن للواقع العملي قوة لا يستهان بها في مجال علم القانون، فهو «محك صواب القاعدة النظرية والدليل على إنضباطها وتلاؤمها مع نور العقل وحاسة العدالة» (1)

وعلى أرض ذلك الواقع، آثار انتشار أخبار «غسيل المشاهير» واتهامات «الغسيل الماليزي» الكثير من التساؤلات حول قانون غسل الأموال.

بل انتشرت مطالبات بتعديل القانون على أساس أن هذا القانون لا يعين النيابة العامة والقضاء على تطبيقه ومكافحة غسل الأموال.

بل إن القانون صعب التطبيق، وهو يسهل إفلات المجرمين من العقاب لصعوبة إثبات تهمة الغسل.

وذلك على اعتبار أن الإدانة في جريمة الغسل تتطلب ثلاثة أمور، أولها الحصول على أموال ناتجة عن ارتكاب جريمة أو مجموعة من الجرائم، وثانيها القيام بشكل متعمد بحيازة الأموال واستخدامها وإخفاء وتمويه حقيقة الأموال ومحاولة تنظيفها وإظهار أنها من مصدر مشروع.

وأما الأمر الثالث، وهو الأمر الأهم، والذي ثارت حوله النقاشات ودارت عليه الأفكار.

ألا وهو مسألة إثبات العلم، أي وجوب أن تقوم النيابة العامة بإثبات أن المتهم كان يعلم أن الأموال التي دخلت في حسابه غير مشروعة، وأنه كان يعلم بأنها متحصلة من جريمة، وقام على الرغم من علمه بذلك بغسلها.

بمعنى أنه لو زعم شخص انبهاره، وأظهر دهشته من وجود مليارات في حسابه وادعى أنه لم يكن يعلم عنها شيئًا، ولو أنكر متهم ما علمه بأن الأموال التي دخلت في حسابه وقام بمحاولة غسلها، هي أموال غير مشروعه، فإن الجريمة لا تكون متوفرة في حقه حينذٍ، ويتحصل بالتالي على حكم بالبراءة.

وبناء على ذلك، انتشر التساؤل حول كيفية إثبات النيابة العامة والقضاء أن المتهم كان يعلم بأن ما دخل في حسابه من أموال، هي أموال غير مشروعة.

إذ يبدو أن إثبات هذا العلم شبه مستحيل، وخاصة إذا كان المتهم ينكر هذا العلم، ويتمسك بهذا الإنكار للإفلات من العقاب.

وفي واقع الأمر، يجب أن يكون معلومًا أن التفسير الخاطئ لنصوص القانون هو ما يؤدي للاعتقاد باستحالة تطبيقه.

لذا، فإن العلم المطلوب في جريمة غسل الأموال، ليس علماً بالغيب، كما أنه ليس علمًا يقينيًّا بما حاك في نفس المتهم لا يأتيه الباطل ولا يتسرب إليه الخطأ.

ذلك أن العلم الكامل الشامل خاص بالله تعالى، وليس للبشر طاقة ولا قدرة عليه.

ولأجل ذلك، لا يوجد قانون على وجه البسيطة يستلزم الكشف الحقيقي عما في نفس المتهم، لأن هذا تكليف بمستحيل، والقانون كله منطق، والمنطق يقتضي أن لا يكلف أحدٌ بمستحيل.

كذلك، فإن أقوال المتهم ليس حاسمة وفاصلة في مسألة العلم، فلا يكفي لإفلات المتهم من العقاب، أن ينكر ويقول إنه لا يعلم بأن الأموال كانت من مصدر غير مشروع وأنه أدخلها في حسابه لاعتقاده بأنها أموال مشروعة.

بل يجب أن يشهد واقع حال المتهم، وواقع القضية وملابستها على أقواله.

وبناء على ذلك، نجد أن المحكمة في إحدى قضايا غسل الأموال الناتجة عن الاتجار في المخدرات، في الطعن رقم 671/2007 جزائي.

أدانت المتهم الذي كان يقوم بتحويل الأموال إلى شخصين خارج الكويت، وحكمت عليه بعقوبة الحبس سبع سنوات، وذلك على الرغم من إنكار المتهم علمه بأن المبالغ التي كان يقوم بتحويلها، متحصلة من بيع المخدرات في الكويت.

وكان المتهم قد ذكر دفاعًا عن نفسه، أنه بصفته وكيلًا عن أحد الأشخاص في القضية بموجب وكالة، كان يحصل أموالًا من شركات في البورصة وإيجارات وأرباح شركة خاصة تعمل في مجال بيع العقارات واستئجارها، بالإضافة إلى أموال المخدرات التي لم يكن يعلم بحقيقتها، وأنها ناتجة عن بيع المخدرات.

وبالتالي فإن دوره فقط، هو تحويل هذه الأموال إلى أصحابها خارج الكويت ظنًّا منه أنها أموال نظيفة ومشروعة.

وقد التفت المحكمة عن أقوال المتهم، وأصدرت حكمًا بإدانته وحبسه سبع سنوات.

لأن إنكار المتهم وأقواله لم يساندها واقع القضية، إذ تبين للمحكمة أن الوكالة الصادرة للمتهم، لا تبيح له تحصيل إيجارات العقارات أو تحصيل شيكات من البورصة، والتي زعم أنه يحصلها، وبالتالي فهذا دليل على كذبه وزيف ادعائه، واستندت المحكمة على ما جاء في التحريات وأقوال ضابط الواقعة، بالإضافة إلى اعتراف باقي المتهمين عليه بأنه كان يعلم بأن الأموال ناتجة من بيع المخدرات.

وبناء على هذه الوقائع، أثبتت المحكمة في حقه تهمة غسل الأموال.

إذن، فالكذب والإنكار ليس طريقًا للإفلات من مقصلة القانون، بل الأدلة المقبولة في العقل والمنطق، فهي طريق البراءة أو الإدانة في أي جريمة، وليس هنالك من طريق آخر.

فهذه إذن، الكيفية التي يتم من خلالها إثبات علم المتهم بأن الأموال متحصلة من جريمة، وهي كيفية موضوعية، أي تتعلق بواقع وموضوع كل قضية وملابستها، يهيمن عليها القاضي ليصدر حكمًا بالإدانة أو البراءة.

وهذا فيما يتعلق بإثبات ركن «العلم» في جريمة غسل الأموال.

وأما فيما يتعلق بالمطالبة بتعديل قانون غسل الأموال لتسهيل عمل النيابة العامة.

وذلك عن طريق تعديل النص، بنقل عبء إثبات تهمة الغسل من النيابة العامة، وإلقاءها على ظهر المتهم بالجريمة، أي بمعنى تكليف المتهم بإثبات براءته بدلًا من تكليف النيابة العامة بإثبات التهمة.

فالقانون الحالي، يفترض بأن المتهم بريء، لذا، فهو غير مكلف بإثبات هذه البراءة.

وعبء الإثبات كله يقع على عاتق النيابة العامة، والتي يجب أن تثبت توفر كل ركن من أركان جريمة غسل الأموال.

ولذا، ووفق هذه المطالبة، يجب تعديل القانون الحالي، واتباع نهج كنهج القانون العماني رقم 34/2002 الخاص بغسل الأموال.

فقد افترض القانون العماني في جريمة غسل الأموال، بأن المتهم يعلم بالمصدر غير المشروع للأموال، وأقام بذلك قرينة قانونية تريح النيابة العامة والقضاء من عبء إثبات جريمة غسل الأموال.

ومع كامل التقدير والاحترام لجميع من يحمل لواء هذه المطالبة، ويعتنق مثل هذا الرأي.

إلا أن هذه المطالبة، وهذا الرأي، لا يقوم على أساس علمي ومنطقي في مجال القانون.

بل إن هذه المطالبة في حقيقتها، أشبه بالمطالبة بتجريد إنسان «المتهم» من مسدسه الصغير الذي لا يملك غيره للدفاع عن نفسه، وتركه يواجه جهاز «النيابة العامة» الذي يتحصن داخل دبابة قاذفة للصواريخ.

ذلك أن النيابة العامة، تملك كل شيء، ولا يملك المتهم سوى أصل البراءة يعتصم به ويلوذ تحت حماه حين يوضع في قفص الاتهام.

فالنيابة العامة لديها من الوسائل الفنية والقانونية ما يشد من عضدها، بل تساندها أجهزة الدولة مثل الشرطة وأمن الدولة، والتي تملك وسائل متطورة لا حصر لها لجمع الأدلة ومنع الجريمة والقبض على المجرمين.

كما يسند النيابة العامة أيضًا، وحدة التحريات المالية، والبنوك بما تملكه من معلومات، بالإضافة إلى المعلومات التي ترد من الأجهزة الأمنية الدولية طبقًا للاتفاقيات والقانون الدولي.

فإن لم تستطع النيابة في ظل ما تملكه من إمكانات هائلة ووسائل لا حصر لها، إثبات تهمة غسل الأموال، فهذا دليل على براءة المتهم وعدم صحة الاتهام.

إذن، ولما كانت الأسلحة التي تملكها النيابة العامة لا حصر لها، وكان المتهم لا يملك سوى سلاح أصل البراءة، فلا يجوز عقلًا المطالبة بتجريد المتهم من سلاحه الوحيد، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن افتراض براءة المتهم، وهو ما يسمى في علم القانون«بأصل البراءة»، قد أصبح ركنًا من أركان المحاكمة العادلة على المستوى الدولي.

لذا فقد ورد أصل البراءة في كتاب دليل المحاكمات العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية بوصفه أحد المرتكزات التي تقوم عليها المحاكمة العادلة. (2)

كذلك، فإن نصوص الشريعة الإسلامية تعضد بشكل غير مباشر «مبدأ أصل البراءة».

فمثلًا، وفي مجال إثبات تهمة الزنا، تتطلب الشريعة شهادة أربعة شهود، يأتون للشهادة في يوم واحد.

فإن أتى ثلاثة شهود، وتخلف الرابع عن الحضور، وجب تطبيق حد القذف على الشهود الثلاث. (3)

فهذه دلالة غير مباشرة، على أن الشريعة تأخذ بأصل البراءة، وتجعل عبء الإثبات على المدعي وحده، ويبقى الإنسان بريئًا حتى يثبت العكس.

وأخيرًا، فإن مبدأ أصل البراءة يستمد قوته من المنطق الطبيعي للأشياء، لذلك نجده سهل الإدراك، فالجميع يفهمه ويدركه لتوافقه مع فطرة الإنسان العادي.

لذا فقد فرض نفسه فرضًا، حتى أصبح حقيقة لا يزحزحها الرأي، ولا يوهنها النقد.

بل أصبح مبدأ قانونيًّا ودستوريًّا متجذرًا في أعماق الدولة الديمقراطية الحديثة.

فأصل البراءة مُفترض في كل متهم «فقد ولد الإنسان حرًّا مطهرًا من الخطيئة ودنس المعصية، لم تنزلق قدماه إلى شرٍّ، ولم تتصل يده بجورٍ أو ببهتان.

ويفترض وقد كان سويًّا حين ولدَ حيًّا، أنه ظل كذلك متجنبًا الآثام على تَبايُنها، نائيًا عن الرذائل على اختلافها، ملتزمًا طريقًا مستقيمًا لا يتبدل اعوجاجًا.

وهو افتراض لا يجوز أن يُهدم توهمًا، بل يتعين أن ينقض بدليل مستنبط من عيون الأوراق، وبموازين الحق، وعن بصر وبصيرة.

ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا أدين بحكم انقطع الطريق إلى الطعن فيه، فصار باتًّا». (4)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد