«معلش استحمليه بكرة ربنا يهديه» سمعت تلك الجملة كثيرًا وفي مواقف مختلفة دفاعًا عن ذاك الذي تقدم لخطبة فتاة في محاولة لتبرير كونه زير نساء، أو عصبيًا إلى حد لا يمكن تحمله قد يصل للضرب، حتى إنني سمعت بأذني من يبررون تعاطي شخص للمخدرات بأن هذا «طيش شباب» وسينتهي بعد الزواج و«معلش استحملي».

والحقيقة لا أعلم مصدر تلك الثقة في سحر الزواج وأن بعده يتغير الإنسان إلى الأفضل فيصبح المدمن متعافيًا فجأة، ويفقد هذا طبع الخيانة، ويصيب الهدوء المفاجئ من كان بالأمس يكسر كل ما يراه، لا أعلم من أين يستمد من يزعمون أن الزواج تصحبه دائمًا هداية مفاجئة بدون أي جهد رغم أن هذا عكس الواقع تمامًا؛ فأنا لم أر أيًا من تلك الشخصيات قد اهتدت بعد الزواج بل بالعكس قد ازداد تسلطهم وتحكمهم، فالله يهدي من أراد الهداية لنفسه وسعى لها وعمل لينعم الله بها عليه، أما أولئك الذين عاثوا في الأرض فسادًا واستعظموا أنفسهم فيكفيهم أن الله شاهد ويرى.

على الجانب الآخر وعن تجربة رأيتها أمامي مع أحد المقربين عندما تقدم شخص لخطبة ابنتهم رفضوه فورًا، ليس لأنه عصبي أو أنهم لن يأتمنوه على ابنتهم، لم يرفضوه لقلة تدينه أو لأن به عيبًا لا يحتمل كالبخل مثلًا، رفضوه لأنه كان ما زال في بداية مشواره مع الدنيا أو كما يطلق عليه «لسه بيبدأ حياته»، رفضوه لأجل المال والمنصب على الرغم من رغبته الشديدة بالزواج وتحمله الكثير من الإهانات، رفضوه وارتضوا غيره الذي كان صاحب منصب ومال ليجدوا ابنتهم مطلقة بعدها بعدة أشهر لأنها وجدت فيه ما لا تتحمله، وجدت فيه ما لا يستطيع المال إسكاتها عنه ولا المنصب يهون حياتها معه.

لا أعلم لمَ دائمًا نرفض المبادئ لأنها ثابتة ونؤثر أن نكون متغيري الأفكار فمثلًا إذا أردنا الكتمان لجأنا لـ«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، وإن آثرنا الحديث بررناه بأن «وأما بنعمة ربك فحدث»، دائمًا ما نتخير ما يتماشى مع ما نريد وليس الصواب، نتجاهل الحقائق والأصح في سبيل أن نخضع الموقف لأهوائنا الشخصية، فنتخير بعض صفات الله ونهمل البعض الآخر عمدًا حسب المزاج، فنستشهد بأنه الهادي وننسى أنه أيضًا الرازق وكأننا نتحدث عن إلهين مختلفين، أليس الذي يهدي هو نفسه الذي يرزق؟! أليست أرزاقنا مقسمة عدلًا بيننا لا تنقص أو تزيد عما حدده الله؟ ألسنا مؤمنين بعدله، كيف لمن لم ينس دودة عمياء في جوف صخرة صماء أن ينسى الإنسان؟! فإذا آمنت بأن الله يهدي وجب عليك أن تؤمن بأنه يرزق أيضًا وإلا تحقق فيك قوله تعالى «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ».

تناقشت سابقًا مع شخص يرى أن كل المشاكل يمكن أن تحل بالمال، فذاك الفقير الذي قتله المرض كان يمكن أن يعيش قليلًا إذا توافر لديه المال الكافي ليجلب الدواء، وهذا الذي أسره اكتئابه كان من الممكن أن يسعد إن كانت لديه أموال، كل المشاكل كانت لتحل لو أن صاحبها كان معه مال، والحقيقة أن المال يجلب الدواء ولكنه يعجز عن جلب الصحة، فليس بالضرورة أنك إذا حصلت على الدواء أن يكون الشفاء أمرًا حتميًا وإلا ما كنا رأينا أغنياء يقنصهم المرض، المال يجلب لك سيارة وقصرًا وخدمًا ولكن هل السعادة حتمية هنا لأنك تملك الأموال؟! هل يجلب لك المال نعمة الإنجاب؟ هل يحميك من أن تمرض أو يمنع عنك مصيبة؟

المال ما هو إلا مجرد سبب قد يسخره الله لك وقد يسلطه عليك، قد ينعمك به وقد يبتليك به، قد يقودك إلى نعيم الآخرة وقد يزج بك في عذاب لا ينتهي، ثقوا بأن الله لا ينسى، هو يهدي إذا شاء ويرزق بما نحتاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد