هل أصبحنا فعلًا فئران تجارب لهذه التجربة أو بمعنى أدق قرود التجربة؟

وضع مجموعة من العلماء خمسة قرود في قفص واحد، وكان في وسط القفص سلم وفي أعلى السلم بعض الموز، وفي كل مرة يصعد أحد القرود لأخذ الموز يرش العلماء باقي القرود بالماء المغلي، وبعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يصعد لأخذ الموز، يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يتم رشهم بالماء. وبعد مدة لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز، على الرغم من كل الإغراءات، خوفًا من الماء، بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قردًا جديدًا، فأول شيء يقوم به القرد الجديد أن يصعد السلم ليأخذ الموز، ولكن فورًا يضربه الأربعة الباقون ويجبرونه على النزول.

بعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب، قام العلماء أيضًا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد، وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدري لماذا يُضرب؟

وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة، حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء مغلي أبدًا، ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب؟ ولوكانوا ينطقون وسألناهم لماذا تضربون القرد الذي يصعد السلم؟ سيكون الجواب بالتأكيد: لا ندري!

وبنظرة فاحصة لحالنا لوجدنا أنه لا يختلف في شيء عن حال تلك القرود، فربما كان س من الناس شخصًا غريب الأطوار أراد أن يتذوق الموز أو ينال الحرية فمد يده مطالبًا بحقه في الحياة فسجن وأعدم بتهمه الاتجار بالمخدرات كيف؟ لماذا؟ لا أحد يدري.

فأصبحت الثقافة السائدة عند عائلة س وعائلات الجيران وأقربائهم ثقافة أن الموز من الخبائث والحرية من المحرمات. هكذا صرنا وتربينا، أن الحكومة والجيش هما ظل الله في الأرض والسياسة والتحدث بها هو الكفر بعينه.

لقد مارس الانقلاب على الشعب سياسة الصدمة بمذابح واعتقالات جعلت الجميع يخاف الصعود للمطالبة بالموزة (الحرية) خشية ما شاهدوه من مذابح، ثم انتقل الانقلاب بشكل صوري للتهدئة، فرأينا يوم 20 سبتمبر وما تلاها من دعوات الشوارع بدون تواجد الجيش بدباباته، وكانت أيضًا خالية من المتظاهرين، ولكن الشوارع لم تخلُ من الشرطة.

لقد نجح العسكر في جعل الحاجز عن المشاركة الثورية ليست الحكومة ولا القمع السياسي، بل هي رقابة ذاتية من المواطن نفسه ومن «القرود التي تحيط به»، فإذا حاولت اليوم كما نرى المطالبة بالحرية تضربك القرود المجاورة وتنعتك بالإرهابي والخائن.

لذلك كان لا بد لنا من مرحلة لنشر الوعي بين الناس لتعديل ما جرى زراعته في عقولنا على مر عقود، فكانت سنوات الانقلاب السبعة كافية لنشر ذاك الوعي وأي حديث عن أننا ما زلنا بمرحلة نشر الوعي هي مجرد سفسطة وإهدار للوقت والجهد، فقد قامت «السوشيال ميديا» و«إعلام الشرعية» في النصف الأول من الانقلاب بذاك الدور بصورة جيدة، أما في النصف الثاني، فللأسف انحرف بعضهم عن هدفه وأصبح إعلام سبوبة، وهذا ليس مجال الحديث عنهم، أما الباقين، وخاصة «السوشيال الميديا» فقد وقف نموها في تلك المرحلة على إطعام المتلقي للوعي حتى أصيب الناس بالتخمة التي أقعدتهم عن الحركة وتخطي تلك المرحلة لما يليها.

فإن كان السادة متصدرو المشهد يعتقدون أن أعظم عملٍ هو نشر الوعي فقط، فليخبرهم أحدهم أن ذاك الوعي قد جف لطول نشره في شمس الرتابة المملة، وغياب الاحترافية والرؤية والاستراتيجية لأي حركة جادة، تملك أدوات للتغير ووضع ما تم تلقينه محل التنفيذ.

لكن التصميم على استمرار تلقين الوعي فقط كان له أثر عكسي، فقد حول الجموع المتلقية لجموع متراخية تخدّر ذاتها بنفس الأفعال التي تقوم بها منذ سنوات، دعوات تبدأ وتنتهي على مواقع التواصل، تقاس مدى جديتها لديهم بناء على ما حصلت عليه من «لايك» أو «شير» أو «كومنت» أو «منشن»، وهاشتاج #معركة_الوعي.

وكأن الثورة يصنعها الوعي فقط، وليس هو أولى خطواتها، والذي عن طريقه تهيأ العقول وتحدد لها الأهداف المنشودة من ذاك الوعي، وهو عمل ثورة على الأرض وإلا سيصبح مصيرنا كمصير البوعزيزي، ساعين بشكل جماعي لإحراق أنفسنا بدون تبين الهدف الحقيقي والجدوى لمسعانا.

لقد انتهت مرحلة الوعي وحان الوقت لمرحلة الإبداع الثوري، الذي يصل بنا لوضع استراتيجية لتمهيد الأرض كما تم تمهيد العقول، وذلك وفقًا لطبيعة الأرض وطبيعه النظام الذي يحكمها.

فأكثر الأنظمة صعوبة هي تلك الأنظمة القمعية المدججة بالسلاح، وهذه لا يجب التعامل معها بأسلوب العنف، لأن ذلك يعطيها الفرصة بأن تكون أكثر شراسة، ولكن يجب أن تكون خطة هدمها باستخدام استراتيجية اللاعنف.

نعم، فحتى اللاعنف لا بد أن يكون له استراتيجية، كما قال جين شارب صاحب كتاب «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»، عن حالة اللاعنف التلقائية التي كانت بالصين سنة 1980، وكانت بدون استراتيجية متكاملة، فقال إنها: «وصفةٌ تامة للهزيمة أمام الأنظمة المدججة بالسلاح». وهذا أيضًا ما حدث مع ثورة بناير التي كانت دون استراتيجية واضحة.

ورغم أن الثورات لا تستنسخ، ورغم أن طبيعة الشعوب تختلف، ولكن هناك تجارب بدأت بدوافع تتشابه فيها كل مخلوقات الله، فقوتها واحدة ودوافعها واحدة وهي: الأمومة. فهل يمكن أن تكون «أمهات ساحة مايو» هي الحل؟

فمن رحم قسوة النظام العسكري، الذي أخفى أكثر من 30 ألف معارض، نشأت أغرب حركة نسائية عرفت باسم «أمهات ساحة مايو».

ففي سنة 1977، شاركت 14 امرأة في تظاهرة هي الأولى من نوعها؛ إذ اجتمعن في «بلازا دي مايو» أو ساحة مايو، بالعاصمة الأرجنتينية أمام القصر الرئاسي والكاتدرائية الوطنية، وكان دافعهن الأول هو غريزة الأمومة وليس السياسة، مطالبات بمعرفة الحقيقة حول «مصير» أبنائهن.

في البداية أطلقت عليهن السلطة لقب «مجنونات ساحة مايو»، ولم يعرهن أحد اهتمامه؛ إلا أنهن لم يتزحزحن عن موقفهن، وفي كل خميس كانت الأعداد تتزايد، إلى أن انطلقت في البلاد ثورة كاملة.

تختلف البدايات ربما، تختلف استجابات الشعوب للمؤثرات والصغوط ربما، لكن تظل الحرية مطلب كل من كانت فطرتهم سليمة. هكذا هي الحياة فمن لا يهوى صعود السلالم يعيش أبد الدهر بين «القرود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد