بعد أن تم طرد حركة الشباب المجاهدين من الصومال، كان أول تقرير تذيعه وكالات الأخبار الأجنبية هو عن طعامة الموز الصومالي والقوة الغذائية الموجودة فيه! فجأة بات الموز الصومالي على مائدة أشهر محطات الإذاعة والتلفزيون الغربية رغم أنهم طيلة السنوات الماضية لم يذكروا حسنة واحدة للصومال وموزه الذهبي!

كنتُ لفترة قريبة مبهورًا بالقدرة التسويقية التي تمتلكها شركات التدخين وكيف تمكنت من جعل نصف سكان الكرة الأرضية يدخنون تلك الأوراق اليابسة رغم رائحتها الكريهة ومنظرها العفن وآثارها الصحية والبيئية!

ولم يكف انبهاري بشركات التدخين إلا حين ظهرت (صرعة) شرب القهوة، حيث تسابقت شركات الدعاية والتسويق في جعل القهوة وشربها أحد مظاهر التحضر والثقافة والإتيكيت الفاخر، رغم أنهم كانوا لسنوات قليلة يعيروننا نحن العرب بشرب ذلك الشراب المرّ الفاحم!

هل تمتلك شركات التسويق فعلًا تلك القدرة على أن تجعلنا نأكل ما لا نحب ونشرب ما لا نطيق ونلبس ما لا يكسو ونحن بكامل قوانا العقلية؟ هل تملك شركات التسويق تلك القوة الخارقة التي تجعل نصف سكان الأرض أو أكثر ألعوبة بيدها، تريهم جميلًا ما تراه جميلًا وقبيحًا ما تراه قبيحًا؟ وإن كان لتلك الشركات كل تلك الهيمنة والقوة والسلطة على الشعوب أفلا يحق إذًا أن تكون هي من يحكم العالم، وليس أمريكا ولا روسيا ولا حتى الجن الأزرق!

ورب قائل يقول: أيها الطيب، ومن قال لك إن من يحكم االعالم هي أمريكا أو روسيا وليس تلك الشركات؟

وبعيدًا عن دهاليز السياسة ومن يحكم من، فإن السؤال الجوهري الذي يبحث عن كل شغوف هو: كيف امتلكت هذه الشركات كل تلك السلطة على عقول البشر؟! ولماذا يخضع لها البشر طواعية؟! أتلك هي القوة الناعمة التي يدغدغنا بها البعض بين الفينة والأخرى؟!

قال العرب منذ القدم: إن (سادات العادات عادات السادات)، فنحن البشر نرى ان أفضل العادات البشرية هي تلك السلوكيات التي يتبعها نخبة المجتمع وسادته، ولذلك كانت أحد معايير التقييم الجمالي هو معيار (رأي النخبة)، حيث يقرر النخبة مدى جمال عمل ما من عدمه، وهذه النخبة تكون مرة عبارة عن لجنة تحكيم في احدى الجوائز والمسابقات، وتكون تارة عبارة عن الطبقة الحاكمة وحاشيتها، وتارة تظهر بطبقة من التجار ورؤوس الأموال، ومرة تكون على شكل جوقة من الإعلاميين وشركات الإعلام الذين يروجون لمن يدفع أكثر، وتلك أخطر واقبح الطبقات، وتارة تكون النخبة عبارة عن طبقة من المثقفين والحكماء، وتلك هي الطبقة الأكثر رصانة وقيمة.

لابن خلدون مقولة مشهورة يقول فيها: (المغلوب مولع بتقليد الغالب)، وبتعبير أكثر عمومية (الضعفاء مولعون بتقليد الأقوياء)، وخير مثال على صحة هذه المقولة هي ما حدث بين الشعب الياباني والأمريكان، حيث قيل إن اليابانيين كانوا أكثر الناس إعجابًا وتقليدًا للأمريكان بعد خسارتهم الحرب العالمية الثانية، حتى بات الأمريكي بالنسبة لليابانيين نموذجًا في كل شيء متقدم!

ولذلك أيضًا كانت متلازمة ستوكهولم حيث تتعاطف الضحية مع جلادها، والمُختطف مع خاطفه والشعوب مع من يحتلها، وهي المتلازمة التي عرّفها أجدادنا بمثل شعبي قديم يقول: (القط يحب من يخنقه)!

ومن هنا ظهرت قوة شركات التسويق، فقد ظهرت تلك الشركات من صلب القوة الأمريكية المتفشية، صانعة لنفسها هالة قدسية يُحرم على المثقف البصير أن ينتقدها، محتلة لمفهوم النخبة كاحتلالها لأراضينا، وسارقة حق تقرير الجميل من القبيح كما سرقت حق تقرير مصيرنا منا، ومثلما سرقت نفطنا وخيراتنا وحتى أرواحنا!

الآن هل عرفتم الشفرة التي نبحث عنها؟!

إن لم تعرفوها بعد فتعالوا لنكمل المسير!

كان العطش يفتك بي حينما دخلت أحد المحلات الصغيرة لأشتري قنينة ماء، فإذا بي أجد سعر قنينة المياه مساويًا لسعر علبة بيبسي، وهو 250 دينار عراقي!

تخيلوا معي أن قنينة ماء في بلاد الرافدين معلبة بعبوة بلاستيكية رخيصة يساوي سعرها علبة بيبسي معلبة بعبوة معدنية!! هل يعقل هذا؟ على الأقل كان سعر علبة البيبسي الفارغة أكثر من سعر عشر قنينات بلاستيكية من حيث المادة والتصنيع! كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ كيف بتنا نبيع الماء بسعر البيبسي؟ هل لأننا نبيع برميل النفط بسعر برميل البيبسي كما قرر لنا الأمريكان منذ سنوات؟!!

قبل سنوات قليلة لم يكن أحد يشتري قنينات المياه المعلبة إلا ترفا، أو لأن الطبيب كان قد نصحه بأن لا يشرب إلا المياه المعلبة بحجة النقاوة، لكن فجأة بدأت (موضة) شرب المياه المعلبة تنتشر رغم وجود المياه في الحنفيات (الصنابير) بدون انقطاع!

ثم أمام صرعة انتشار عبوات المياه ظهرت صرعة استخدام مرشحات المياه مختلفة الإحجام والأشكال والأسعار (طبعًا!) فلم يعد هنالك بيت لا يضع مرشحًا للمياه رغم سعر تلك المرشحات المرتفع نسبيًا! كيف ومتى وأين ولماذا بتنا فجأة نخشى أو نستحيي من شرب الماء من الصنبور مباشرة؟

هل باتت أجسادنا أضعف ونحن الذين كنا لوقت قريب نشرب الماء من الساقية مباشرة بعد أن نقول له بيدنا (هكذا وهكذا) دون أن يصيبنا شيء؟ أم لأن الخوف من تلوث المياه وإشاعات تسممه هي التي قادتنا إلى هذه الكارثة البيئة والاقتصادية والجمالية؟ أم أننا في الحقيقة وقعنا مرة أخرى ضحية شركات التسويق التي أدوت بنا هذه المرة إلى هذه الحفرة البلاستيكية العميقة؟

ألا تعلمون بأن نسبة التلوث بسبب مخلفات المياه المعلبة باتت أكثر من التلوث الذي تسببه أكياس البلاستك التي نتسوق بها؟! ألا تعلمون أن ثمن علب المياه المعلبة ومرشحات المياه المنزلية وعمليات نقل وتمويل وإنتاج تلك المياه كانت تكفي لبناء أفضل وأكبر وأصفى محطات تنقية المياه وأكثرها جودة وعذوبة؟ ألا تعلمون أن إنفاق الدولة على إنتاج محطات تنقية المياه الرصينة أرخص وأكثر جدوى وأقل كلفة بيئية وجمالية وصحية من إنفاق تلك الأموال على إنتاج وتسويق المياه المعلبة؟ ألا تعلمون أننا نكاد نموت اختناقًا بسبب كثرة علب المياه المنتشرة في الشوارع والأزقة مثلما نموت من كثرة الطائرات وصواريخها التي تمخر سيادتنا صبح مساء؟!

الآن أعتقد جازمًا أنكم قد عرفتم سر تلك العلاقة الخفية بين لوحة الموناليزا القبيحة بين علبة المياه التي اشتريتها بسعر برميل نفط أنفقنا براميل من الدم والدمع لاستخراجه من تحت أقدامنا العارية! ولمن لم يعرف تلك الشفرة بعد، فليتابع أخبار مؤخرة كارديشان التي باتت فجأة أجمل خلفية في العصر الحديث والقديم والمستقبل؛ لأن شركات التسويق قررت أن تروج لهذا المنتج الجديد بنفس الطريقة التي روجت لابتسامة الموناليزا كأجمل ابتسامة في التاريخ دون أن يفتح أحدنا فمه قائلًا:

يا سادة.. إن بين مؤخرة كارديشان وابتسامة موناليزا الشيء الكثير، وإن بين موناليزا وبين الموز الصومالي أشياء أكثر من مجرد تشابه حروف!

وشكرًا لكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد