في حديث صاحب الظلال – طيب الله ثراه – عن غزوة أحد ودروسها كما سجلتها سورة آل عمران نلمح زغاريد السماء تجلجل من قلب دماء الشهداء، ونرصد الدروس الباقية الضامنة للعزة والحامية للأمة من المعاطب في مقابل ما أصاب المؤمنين من جراح وقَرْح، ونرى أن الحدث الصغير المحدود الذي جرى في أُحُد – مهما يكن – قد تحول في القرآن العظيم إلى حدث ضخم يتولد منه المنهج الرباني للحياة التي يريدها الله تعالى من عباده ولعباده.

لقد اختلطت في الغزوة المباركة ابتسامات الشهداء وضحكاتهم من خلف حجب الغيب بدموع أهليهم وذويهم، واجتمعت في المشهد الواحد حينها رحمة القلب الحزين في الأرض والاحتفال بالشهيد في السماء، فهذا حمزة سيد الشهداء يُزَفّ إلى الجنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكيه – عمًا حبيبا وأسدا مغوارا – في الأرض.

وهذا حنظلة الغسيل يغادر عش الزوجية بعد ساعات من بنائه بعروسه، وبدلا من أن يرجع إليها يتركها للدموع، ويطير هو شهيدا إلى أعشاش أُخر في ظل رحمة الرحمن، وإلى زوجات أخر في جنات النعيم.

وهذا سعد بن الربيع الأنصاري يترك أمواله العريضة وتجارته الواسعة وأبياته الفارهة وزوجتيه وأولاده لليتم والترمل، وحين يتفقده الناس في الشهداء يجدونه في الرمق الأخير، فلا يوصي بشيء إلا بالحبيب محمد ودينه ورسالته: أبلغ قومك (الأنصار) مني السلام، وقل لهم: إن سعدا يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِص إلى نبيكم ومنكم عين تَطْرَف!

وهذا مصعب بن عمير – الداعية الفذ الغني ابن الأغنياء المعطار القرشي الأنيق – تتعفر جبهته في رمال أحد شهيدا مباركا، ويسقي دمه الطهور صحراءها العطشى، ويأتي إلى الله بغير مال أمه ومال أبيه، بل لم يجد له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دفنه ثوبا يستر به جسمه الطاهر كله، لقد مات مصعب ويده خالية من الدنيا، لكن الدماء التي سالت من بدنه في سبيل الله غالية، فلتبكه البواكي في الأرض متى شئن، فعرسه ليس هنا، بل هناك في عليين.
بل إن ما حدث في حمراء الأَسَد – في بقية غزوة أحد – كان يحمل هذا العبق وهذا المسك الفواح في صفحات التاريخ، حين تفتح الأحزان العميقة أبواب المجد أمام المؤمنين الصابرين الثابتين، وتحوِّل هزيمتهم نصرا لليوم والغد والمستقبل كله ما دام الإسلام رائدهم وقائدهم وهدفهم ومبتغاهم.

فقد أصاب المسلمين ما أصابهم من هزيمة في نهاية غزوة أحد، وحتى لا يفكر المشركون في مواصلة القتال وغزو المدينة وتدميرها وقتل من فيها، فقد جيَّش النبي صلى الله عليه وسلم من بقي من أصحابه في أحد، وأمرهم أن يسيروا بجراحاتهم نحو قريش، وألا يشاركهم أحد لم يكن معهم في غزوة أحد، فساروا يحمل المصاب إصابة خفيفة صاحبَ الإصابة الكبيرة، قد ضمدوا جراحاتهم، وغالبوا آلامهم، واستسلموا لله تعالى، وأطاعوا في ذات الله أمر نبيهم.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في وصف هذا المشهد الجليل يقارنه بما وقع يوم أحد: “وينظر الإنسان في هذه الصورة وفي هذا الموقف، فيحس كأن كيان الجماعة كله قد تبدل ما بين يوم وليلة؛ نضجت، وتناسقت، واطمأنت إلى الأرض التي تقف عليها. وانجلى الغبش عن تصورها، وأخذت الأمر جدًا كله، وخلصت من تلك الأرجحة والقلقلة التي حدثت بالأمس فقط في التصورات والصفوف. فما كانت سوى ليلة واحدة هي التي تفرق بين موقف الجماعة اليوم وموقفها بالأمس، والفارق هائل والمسافة بعيدة، لقد فعلت التجربة المريرة فعلها في النفوس، وقد هزتها الحادثة هزًا عنيفًا أطار الغبش، وأيقظ القلوب، وثبت الأقدام، وملأ النفوس بالعزم والتصميم. نعم، وكان فضل الله عظيمًا في الابتلاء المرير”، (في ظلال القرآن 1/ 521).

وللمؤمنين من كل جيل وعهد أسوة وقدوة في رسولهم وصحبه الكرام، فما تصيبهم الجراح إلا كانت تكفيرا لذنوبهم، ولا تسيل منهم الدماء والدموع إلا جاءت اصطفاء للشهداء منهم ورحمة في قلوب الأحياء، ولا يقعون في المعاطب والقَرْح إلا راجعوا أنفسهم، ونظروا في برامجهم، وأصلحوا ما بينهم وبين ربهم الجليل سبحانه.

والمؤمنون – كذلك – هم في كل هذا بشر من البشر، وناس من الناس؛ يألمون لجراحاتهم، ويبكون شهداءهم، ويحزنون للضر يصيبهم، غير أن متكأهم ومعتمدهم الذي يأنسون به، ويرتاحون إليه هو معاودة الطريق السوي، والإصرار عليه مهما عصفت العواصف، ومعايشة طريق الله المؤنس الذي تستطيبه القلوب، وترسو على شواطئه الأرواح.

إن من لا يفرق بين بكاء الصحابة لشهدائهم في أُحد ووقوفهم أسودا في وجه قريش المزمجرة المكشرة عن أنيابها في حمراء الأسد وغيرها لا يُعَد عاقلا، أو على الأقل ليس له من فقه النفوس البشرية شيء!

وهذا ما سقط فيه بعض من ذموا الإخوان المسلمين بدون وجه حق – وفيهم مشايخ وافرة لحاهم يدّعون العلم ولا فطنة لهم – حين زعموا أن الإخوان يتعرضون للوحوش الكاسرة (يعني العسكر) ثم يملؤون الدنيا بكاء وعويلا إذا عضتهم بنابها وكأنهم لا يدرون أن الوحوش تفعل هذا!

مثل هذه الآراء الممسوخة لا أدري هل فكر أصحابها قبل أن يعلنوها على الناس، أو أنهم أطلقوها هكذا عفو الخاطر وبدون وعي منهم في أناس يتعرضون لمحنة لا يملك من يخالفهم الرأي فيها بشرف إلا أن يدفع عنهم، ويشجب جرائم الانقلاب في حقهم وحق غيرهم من المصريين؟!

إن ثوار مصر الصابرين في وجه الانقلاب الأثيم – ومنهم الإخوان – قاموا في هذا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبة على المؤمنين، وإلا فلندع الآثمين إذن سعداء بآثامهم، ولنترك أهل الجرائم يرتعون ويعربدون ويسرقون أقوات العباد وأرزاق الناس كما شاؤوا دون أن يهيجهم شيء، أو يعكر عليهم صفو بهجتهم أحد!

قام الثوار – والإخوان المسلمون في القلب منهم – بالواجب الذي قام به الصالحون في كل زمان؛ حتى لا يستريح الظالم في كرسيه، ولا يفرح السارق بغنيمته الحرام، وحتى يسترد المظلوم مظلمته، وينال صاحب الحق حقه، ولولا هذا لفسدت الأرض وما فيها!

وليست المشكلة في أن يبكي المسلم آلامه ولا أن يحكي أوجاعه؛ لأنها طبيعة بشر، فقط ابحث عن قلبه أين هو حينها؟! قال الله تعالى يحكي حال النبي الصالح الكريم ابن الكريم ابن الكريم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بعد أن فقد ولده الثاني: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، (سورة يوسف: 84 – 86).

إن قوما ظنوا أن ثمة تناقضا بين أن تبكي آلامك وبين أن تكون رجلا، وهل يبكي بصدق إلا الرجل الشجاع؟ وهل يأبى القلب أن يجمع بين الدمعة الحانية وفزعة الحرب المدوية؟ هل يتناقض في حياة الناس أن نرى أشجعَهم أرفقَهم وأرحمهم؟ وهل كان خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم إلا هذا الرجل، فكان يكون أقرب أصحابه إلى العدو في ساحة الوغى، وكان مع هذا تترقرق الدموع من عينيه رحمة لنفس ضعيفة أو إنسان مسه الضر؟

وقديما قال الأستاذ حسن البنا رحمه الله: “نحن على استعداد تام لتحمل نتائج عملنا أيًا كانت، لا نلقي التبعة على غيرنا، ولا نتمسح بسوانا، ونحن نعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء في الحق هو عين البقاء، وأنه لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد، وعندئذ تدنو ساعة النصر ويحين وقت الفوز، ويحق قول الملك الحق المبين: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، (يوسف: 110).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد