الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

دخل الحراك الثوري في الشارع السوداني شهره الثاني، وما بين ثورة قامت من أجل التغيير تقف أمامها الكثير من التحديات الداخلية والخارجية وبين نظام لا يبدو أنه يفقه أي شيء عن أصول الكذب وحفظ ماء الوجه، لا بد لنا من وقفات للمراجعة وتقييم ما فات، عسى أن نخرج بتصور لكيفية التعامل مع ما هو آت.

ننظر إلى الحراك الثوري الذي كانت بدايته الحقيقية كما أشار نشطاء يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) في مدينة الدمازين، ولكن الظهور الإعلامي كان من نصيب ثوار مدينة عطبرة الذين استجابت لهم أغلب مدن السودان خلال أيام معدودة تبعتهم بعدها العاصمة الخرطوم، إنخفضت قوة الحراك في أوائل شهر يناير (كانون الثاني) إلى يوم موكب مدينة القضارف الذي شهد انتفاضة ألفية وصل الثوار فيها إلى مبنى المجلس التشريعي، وتلوا مذكرة الرحيل هناك.

بعدها كان موكب أمدرمان الكبير الذي لم يكن أقل من موكب القضارف والذي شهد أعمال عنف من قبل ميليشيات النظام أدت إلى مقتل ثلاثة متظاهرين وإصابات عديدة، بعدها كان موكب بحري والكلاكلة والموكب الكبير الذي شمل 17 مدينة في أنحاء السودان يوم 17 يناير، فترة انخفاض حدة الحراك الثوري، كانت هي فترة انتقال الثورة من طور الحراك العفوي إلى طور الحراك المنظم، والذي يتصدر تنظيمه تجمع المهنيين السودانيين الذي مع تقدم الوقت تزداد قوة الاستجابة لدعواته للخروج للتظاهر، وفي رأيي فإن الاستجابة لهذا التجمع ترجع لسببين، الأول هو أن التجمع ليس تجمعًا حزبيًا أو سياسيًا أو حتى لديه توجه أيديولوجي بعينه، ولكن هو تجمع نقابي يتكون من مهنيين من مجالات متعددة جمعتهم قضية عامة تهم الشعب كله بمختلف أطيافه وجماعاته، ثانيًا وهو الأهم الممارسة القمعية لميليشيات النظام التي تصيب الجميع بلا تمييز بين متظاهر وبين غيرهم، كانت الميليشيات تشن حملات في جنح الليل تقتحم فيها البيوت بلا احترام للحرمات وأفرادها يمشون في شوارع الأحياء يطلقون الرصاص في الهواء لترويع السكان، جرى اقتحام مقر صحيفة (السوداني) والاعتداء على أحد الصحافيين، كذلك تم اقتحام مستشفى أمدرمان التعليمي في يوم موكب التاسع من يناير وقذف قنابل الغاز المسيل للدموع، وأنوه هنا إلى أن الميليشيات لجأت في الأيام التالية إلى إقامة حراسة على بوابات المستشفيات القريبة من موقع التظاهرات حتى يتم منع دخول المصابين لتلقي العلاج اللازم.

أما قاصمة الظهر والتي أثارت غضب الجميع كانت أحداث منطقة بري التي وقعت في موكب 17 يناير والتي سقط فيها ثلاثة قتلى وإصابة آخرين، ولم يقف الأمر على هذا فقط، ولكن الميليشيات استباحت المنطقة تمامًا حيث نقل النشطاء شهادات مروعة تم توثيق بعضها بالفيديو أبرزها اقتحام البيوت واعتقال الفتيات وجرّهن إلى الشوارع والميادين وحلاقة شعورهن وضربهن، هذا غير ما تم فعله بالشباب واعتقال أكبر قدر ممكن من الجميع واقتيادهم إلى أماكن مجهولة.

مع استمرار هذه الممارسات يتزايد سخط الناس على النظام ويتفاعل الناس أكثر مع تجمع المهنيين ودعواتهم للتظاهر والإضراب عن العمل مثلما فعلت نقابة الصيادلة والمعلمين والمحامين وغيرهم.

على الناحية الأخرى نجد النظام الذي لا يبدو أنه مهتم بأن يتعامل مع الأزمة بالحكمة المطلوبة، فالمشير البشير ألقى خطابًا جماهيري في ولاية الجزيرة بعد أيام من بدء الحراك الثوري أظهر فيه تحديًا صريحًا للمحتجين، واتهمهم بالخيانة والعمالة ووصفهم بأنهم مرتزقة وغير ذلك، والذي ينظر إلى تاريخ تعامل البشير مع الأزمات يجد أن البلاد قد دخلت في حرب أهلية دامت لسنوات تبعتها معارك أهلية أخرى في عدة مناطق بسبب أسلوب التحدي والعناد مع انعدام القدر الأدنى المطلوب من الدبلوماسية، ولكن على ما يبدو أن هناك نوع من التنازل بدا في خطابات البشير الأخيرة، إذ كان يتكلم مؤخرًا عن احترامه للشباب وحق الشباب في التعبير، وأنه هو الجيل الذي سيتولى إدارة هذه البلاد في يوم ما، هذا مع تمسكه بنظرية المندسين والمتآمرين.

رئيس الوزراء معتز موسى ظل متمسكًا بالخطاب الهاديء الذي يدعو فيه لضبط النفس مع الإقرار بالتقصير والعمل على معالجة الأزمات وسار على سلوكه الوزراء ومن في الحكومة الحالية فيما عدا بعضهم، نائب رئيس الجمهورية بكري حسن صالح ظل صامتًا وما زال حتى اللحظة ولم يكن له ظهور سوى تمثيل السودان في المؤتمر الاقتصادي في لبنان؛ مما جعل الكثيرين يرجحون عدم رضاه بما يحدث.

الذي تصدروا المشهد كانوا هم قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم ومعهم مدير جهاز الأمن والمخابرات صلاح عبد الله أو صلاح قوش على اعتبار أنه أحد أبناء الإسلاميين، ومن المؤسسين للنظام الحالي كلهم أجمعوا على أن هذه التظاهرات فشلت، وأنها لم ولن تحقق أي شيء يُذكر، كان أبرز أقوالهم هو ما جاء على لسان القيادي علي عثمان محمد طه الذي تحدث عما أسماه بكتائب الظل، وأن هذه الكتائب سوف تحمي هذا النظام وتحافظ على بقائه على رأس السلطة ولو ضحى بحياته، هدد القيادي الفاتح عز الدين بأن من سيخرج للتظاهرات سوف يتم قطع رأسه، حاول قيادات الحزب الحاكم بشكل أو بآخر التبرؤ من تصريحات علي عثمان والفاتح عز الدين بشتى الطرق، على الرغم من أن سياق حديث الفاتح كان عما أسماه الشيوعيين والبعثيين وأنهم قتلوا أحد أفراد الشرطة (بالساطور) ومثل هذه الكوميديا ألقاها علينا القيادي بالحزب محمد مصطفى الضو عندما قال إن من أسماهم الخلايا المندسة تقتل المتظاهرين بالسواطير.

أما مدير جهاز الأمن صلاح قوش فقد كان له رأي مباين نوعًا ما، إذ قال عن الطبيب أحد ضحايا أحداث بري بابكر عبد الحميد أن السلاح الذي قُتل به غير موجود في أسلحة الجيش أو الشرطة أو أي قوة نظامية، فهو بندقية خرطوش من نوع موريس كانت تحمله فتاة في حقيبتها أخرجته لتطلق النار على رأس الطبيب من الخلف.

حصيلة هذه الروايات وغيرها أن هناك جماعة تتخابر مع الموساد عن طريق عبد الواحد محمد نور المعارض المعروف، تسعى الموساد بالتعاون مع عبد الواحد لنشر الفوضى في البلاد عن طريق زرع خلايا مندسة وسط المتظاهرين لتقوم بعمليات تخريب، فكان أول ما قامت به هو قتل المتظاهرين الذين من المفترض أن يكونوا ساترًا لهم حتى لا يتم كشفهم بطبيعة الحال، تستخدم هذه الخلايا السواطير وبنادق خرطوش يتم حملها في حقائب، أخرجت فتاة غير معروفة البندقية وأطلقت النار على الطبيب الذي كان يسعف أحد المصابين، ثم اختفت دون أن يراها أو يعترض طريقها أحد إلا صلاح قوش الذي كان يراقب كل هذا بالأقمار الصناعية، وبالتزامن مع هذا كان المندسون يضربون أفراد الشرطة بالسواطير وقتلوا منهم، وبذلك تتم مهاجمة الشرطة المسلحة بطبيعة الحال بسلاح بدائي كالساطور، وتتم مهاجمة المواطنين العزل ببنادق خرطوش.

الحقيقة أن تنصل أبناء المؤتمر الوطني من حديث الفاتح عز الدين هو نفسه دليل على تهاوي فكرة العدو الشيوعي والبعثي والتي يعلمون أن أحدًا لن يصدقها بحال، هذا فضلًا عن الغضب العام من حديث الفاتح وما قيل عن وصول بعض الثوار إلى منزله وإطلاق هتافات الإستهجان، فنظام البشير لم يبذل أي جهد لتجديد خطابه لمواكبة العصر الذي يعيش فيه، بل هو يستحضر نفس الخطاب التعبوي منذ التسعينات كلما أراد خلق عدو له، فكان يستخدم نفس الخطاب ضد أمريكا وكان يستخدمه ضد العقيد جون قرنق زعيم الحركة الشعبية حينها، وكان يستخدمه ضد قادة الفصائل المسلحة في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق.

النظام لم يعد لديه سوى المكابرة على الواقع، وهذا مفهوم بالنظر إلى طول أمد البقاء في السلطة الذي وصل إلى 30 عامًا لا يملك سوى شرعية السلاح والقوة التي لا يتورع عن استخدامها ضد كل من يعارضه، قال علي عثمان في زيارة له إلى ولاية البحر الأحمر قبيل تصريح كتائب الظل: السلطة ليست للمدنيين، ولكنها للمدنيين والعسكريين.. وقال أيضًا: (الإنقاذ) تجاوزت القطيعة بين المدني والعسكري وجعلتهم شركاء في البلاد.. هذا ليس كلام رجل عسكري، ولكنه كلام شخص قدمه الناس يومًا على أنه سياسي محنك.

ولأن الإعلام يمكنه كشف وجهه الحقيقي هذا بسهولة لجأ النظام إلى سحب تراخيص الصحافيين والمصورين من شتى القنوات الإعلامية، ومنعهم من العمل الصحافي في السودان، كما تم توثيق عدة اعتداءات على مراسلين ميدانيين من قبل ميليشيات النظام لكي لا يكون هناك صوت آخر سوى صوته وخطابه المتخبط، فأحدهم يقول إنه يتفهم، وآخر يقول إن التظاهرات لن تغير شيء، وآخر يهدد بالقتل، وآخر يعد بالإصلاحات، والحقيقة البسيطة التي تعلو على كل ما يقولون هي أن النظام هو من وفر كل أسباب الانفجار في الشارع، فالوصفة التي تفجر الشارع دون وجود أي وصفة مضادة لها هي الاستبداد وممارسة الفساد بكل أشكاله مع حماية هذا الفساد بقوة السلاح، ولذلك فكلام البشير عن أن التغيير لا يكون إلا عبر صندوق الانتخابات، فهو يقول هذا، وهو على ثقة بأن الصناديق والقائمين عليها سيسلمونه السلطة على طبق من ذهب (بالذوق أو بالعافية).

بالنسبة للثورة فالكل اجتمع حول مطلب واحد، وهو سقوط النظام ووجب هنا التنبيه على ضرورة زيادة التركيز الإعلامي على الحراك الثوري في المدن والأقاليم الأخرى، والتي كان لها النصيب الأكبر من الضرر من وجود هذا النظام من خلال الإهمال الشديد لتنمية هذه المدن وإصلاح البنية التحتية والظلم الذي وقع عليهم في توزيع الموارد والثروات وغير ذلك، لابد أيضًا الإقرار بأن الطريق أمام الثوار ليس ممهدًا بالورود، بل هو طريق شاق جدًا مليء بالتحديات الداخلية والخارجية، صحيح أن الثوار يعملون حاليًا على مساري تسيير المظاهرات والإضرابات الذين أتوقع أن تكون لهم من خلالهما اليد العليا أمام النظام، ولكن يظل هناك تحدي مرحلة ما بعد الثورة وضرورة الاستفادة مما حدث بعد ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985، مبادرة إعلان الحرية والتغيير التي وقعت عليها القوى الثورية هي خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن لابد من تدبير وتخطيط أكثر مع الحرص على وجود روح التنازل والتفاهم وإعلاء المصلحة العامة فوق أهواء النفوس، الأمر الآخر هو موقف القوى الإقليمية المحيطة بنا والمجمعة على تأييد بقاء البشير على هرم السلطة منها: قطر، وتركيا، ومصر، والسعودية، والإمارات مع صمت مطبق من أمريكا وسائر دول الغرب سوى بعض التصريحات الخجولة، ويبدو أن الذين يطلقون مسميات على النظام السوداني من قبيل (الإخوان السودانيين) وغيرها ظنًا منهم أن التسمية ستستفز مشاعر الأنظمة المحيطة لتحارب النظام معهم نسوا أن القطب الذي يقود حملة إقصاء الإسلاميين من حكم أية دولة عربية، أو أية دولة يمكنهم الوصول إليها هي الإمارات والسعودية، اللتان تعملان جنبًا إلى جنب مع البشير الذي نال القرب منهما بدفع شباب دارفور إلى ساحات القتال في اليمن خدمة لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد