يبدو أنني استطعتُ أن أعقدَ صفقةً مهمة هذا المساء، لقد أقنعت مِزاجي بهدنة مؤقتة يسمحُ بموجبها لصوت «سحر مُحمدي» بالعبور إلي دون التوقف على حواجز الضغوطات والظروف التي أمر بها، إن التسارع المجنونَ للأحداث العشوائية بمثابة موت سريري للإنسان، أعترفُ بحاجتي الملحة إلى فترة سلام أستطيع فيها تنظيم قوات أفكاري، وتجهيز همتي لخوض معركة قادمة من معارك الحياة التي لا تنتهي.

سألت نفسي كثيرًا عن سبب تغير المزاج وتعكره، ما الذي يجعل أحدنا حاد العصبية وسريع الغضب أو حتى هادئ البال؟ في الحقيقة توصلت إلى سببين أساسيين أولهما التأثير المباشر للأحداث اليومية التي نعيشها، عندما يفرض القدر علينا ضيوفَه ثقيلي الظل بلا موعد أو سابق إنذار، نجد أنفسنا أمام مشاكل أكبر من طاقتنا وقدرتنا على الاحتمال أو الحل، كمائن لم نعد العدة مسبقًا للنجاة منها واتقاء الوقوع فيها، ما أصعب أن يشعر الإنسان أنه غير متحكم بمجرى حياته، يحيا ليقوم الدهر بإجراء التجارب عليه، يتلقى الصفعات من كل جانب ولا يملك أن يحمي نفسه من بطشها، إن نتيجة هذا الشعور القاتل قد تتعدى بمراحل تعكرَ المزاج وتكدره لكنه بشكل مباشر سبب مقنع وواضح.

والسبب الثاني الأساسي لتعكر المزاج والذي هو برأيي كالسرطان الذي ينهش خلايا الروح نهشًا بطيئًا وهو السبب الأسوأ، فإنه تراكمات المشاعر السلبية المكبوتة والجراحات التي فتحها خنجر الزمان ولما تندمل بعد، قد يكون أحدنا طبيعيًا للغاية بل وتبدو عليه ملامح المزاج الجيد، لكنه وبدون مقدمات يتبدل ويتحول، لذلك علينا أن نلتمس العذر وألا نظلم بعضنا بعضًا ونسيء الظن في أحبابنا وأصدقائنا، فتراكمات الهموم حمل ثقيل يقصم الظهر، ثقيل خاصة على أولئك الذين ينسون أنفسهم وهم يحاربون بشراسة، فينفقون كل قوتهم في قتال واحد ولا يتركون في القلب طاقة لقتال آخر، قد ينتصرون مرة لكن بخسائر فادحة، في الحياة قد ننتصر نعم لكن سنة الحرب لا تمنح المنتصر نصرًا خاليًا من الوجع والخسارة.

إنّ حربًا خفية ضروسًا يخوضها كل واحد منا ضد مزاجه، حربٌ باردة لا إراقة للدماء فيها ولا اشتباكات مباشرة، حرب ينتصر فيها الحكيم المتأني الصبور، الذي يكبح انفعالاته ويؤجل قدرته على الضرب إلى اللحظة المناسبة التي تمكنه من هزيمة الخصم بضربة قاضية، المزاج، هذا الخصم اللئيم الذي إن استهنت به هزمك وأوقف عجلة حياتك عن الدوران وجمّد قدراتك وخفف سرعة مسيرك هذا إن لم يوقفك تمامًا.

تعكر المزاج المستمر يعني أن تقف تحت الشمس المشتعلة ولا يكون لديك الهمة الكافية للجوء إلى ظل شجرة قريبة منك، يعني أن تخسر مشاريع القصائد الواعدة، وأن تتطاير من بين يديك الأفكار وتتبخر دون أن تعود مرة أخرى وتمطر عليك! التعكر المستمر للمزاج يعني أن تتأقلم مع فكرة الموت حيًا وأن تتقبل نهايةً بطيئة مؤسفة لمواهبك ومقدراتك الشخصية، يعني السير على طريق العمر دون أن تشعر بعذوبة المناظر الخلابة التي تترامى على جانبي الطريق، ودون أن تحاول معرفة السر الذي خلقت لكشفه وتسير من أجل إدراكه، وقد يكون مستوعبًا أن مشاعرك السلبية تعكر صفو حياتك وتمنعك من السرور والراحة لكن هذا لا يمنحك حق تكدير صفو حياة الآخرين بأنانيتك في أي حال من الأحوال.

إنني أكن الكثير من الاحترام لمن يستطيع التحايل على مزاجه، لا بد أنه يمتلك من المهارة ما يسمح له بترويض ذلك الثور الهائج وإغرائه وكبح جماحه، والتحايل حتى لو كان إنجازًا مهمًا فإنه ملجأ غير القادر على الحسم، لكنه وبلا شك أفضل من الاستسلام لإرادة ربان سفينة مجنون يقودنا إلى الغرق المحقق، لذلك فإنني لا أكتم اعجابي بمن يستطيع التغلب على مزاجه وأخذ دفة القيادة بالقوة، وأعتقد أن هذه الموهبة نادرة وتتطلب قدرة نفسية هائلة وصبرًا أيوبيًا على الشدائد وأناةَ القط الذي لا يستعجل رزقه وبعدَ نظرٍ وهمةً عالية وبصيرةً تتسامى على التفاصيل من أجل نتائج حقيقية بعيدة المدى، يا لهناء من يستطيع أن يستغل موهبته دون أن يتلصص عليه مزاجُه ويكدر عليه أمنَه الداخلي، ويا لتعس من يستسلم لحكم مزاجه فيعينه بنفسه على كتابة نهاية مؤسفة مستعجلة لرواية كان ينقصها الكثير لتصبح متكاملة صالحة للقراءة.

وفي النهاية أتمنى ألا نستهين أبدًا بتراكمات الضغوط والآلام، علينا تفريغ هذه الطاقة السلبية باجتراح الفرحة من أبسط الأشياء، وعلينا أن نتخلص من قيود الكآبة بإيجاد مفاتيح الرضا والقناعة، أعلم أن نيران الحياة حامية لذلك علينا العمل الجاد للوصول بسلامة رفقة موكب المقربين إلى رحيقٍ مختوم مزاجه من تسنيم، نُسقى منه لنُخمدَ نيران الحياة الدنيا إلى الأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد