ينشأ الإنسان بمعتقدات راسخة قد يشك فيها في منعطفات بحياته، قد يكون الشك متعلقـًا بطرق تعامله مع الواقع المؤلم الذي يفاجئه بقسوة، أو في الناس الذين تعلق بهم وكوّن صورًا مثالية عنهم، ثم إذا بهذه الصور تتهشم على صخرة الواقع إلى ألف قطعة فلا يصبح من الممكن إصلاحها مرة أخرى في القلوب، ولكن ماذا لو تجمعت كل هذه الأحداث في فترة زمنية قصيرة وتعاقبت بصورة متلاحقة بشكل يصعب معه التقاط الأنفاس للمراجعة والتفكير والتحليل، فضلاً عن الاستيعاب بنضج نظرًا لقلة خبرة من يتعرض لتلك المواقف الصعبة؟

لقد شاهدنا خلال الأربع سنوات الماضية تحولات لأشخاص حولنا من المعتقد لنقيضه هزت ما كنا نعرفه عنهم، أغلب تلك التحولات العنيفة لم تكن نتيجة لبحث متعمق بقدر ما كانت بسبب الصدمات القوية التي حدثت في فترة وجيزة.

موزلم2
ثورات أطاحت برؤوس أنظمة طاغوتية في وقت قياسي وبتكلفة دماء قليلة مقارنة بالثورات المذكورة بكتب التاريخ، وﻷن هذه التكلفة لا تكفي ثمنـًا للحرية الباهظة فسرعان ما عادت أجساد الأنظمة لتنبت رؤوسًا جديدة كوحش الهيدرا الأسطوري، ولتريق من الدماء محيطات وتغوص فيها باستمتاع وحشي، وسط أمطار الأشلاء والجثث المحروقة والأعين المفقأة لأطهر من فينا.

ثبت قليلون وتحول كثيرون فوجدنا رافع شعارات الثورة يتركها عند أول كرسي وزارة أو برلمان أو مصنع بسكويت! ووجدنا أهالي شهداء يفوضون من قتلوا أحباءهم ليقتلوا المزيد! ووجدنا رافع الشعارات الإسلامية يخلعها على عتبة السلطة ليرضي الغرب! حدث كل هذا في أقل من أربعة أعوام بشكل متلاحق وسريع مثل دوران ريش المروحة بسرعة فائقة تجعلك لا تميز أية ريشة منها تدور فوق رأسك الآن، فهل تمر أحداث كهذه على عقول وقلوب البشر دون ترك أثر ولو بسيط لشك يمكن أن يسبب أزمات إيمانية؟ هذا هو موضوع فيلم (Mooz-lum).


كلمة Mooz-lum (تحريف لكلمة مسلم بالإنجليزية) هي ما يطلقه الأمريكيون الجهال على المسلمين ولعل الاسم مقصود من الكاتب والمخرج قاسم بصير للفت الانتباه للفيلم المبني على أحداث حقيقية مر بها قاسم نفسه خلافـًا، ﻷعمال سابقة أظهرت المسلمين بشكل إنساني متحدية الصورة النمطية لأفلام هوليوود لا يلجأ الفيلم للتفاؤل المفرط بشكل ساذج كفيلم My Name Is Khan أو التركيز على المفارقات الكوميدية كمسلسلي Aliens In America و Little Mosque On The Prairie بل يعرض بجدية قصة طارق الذي يحاول البحث عن ذاته التائهة وسط بحر متلاطم من الأمواج العاتية، بينما يوشك على الالتحاق بمجتمع الجامعة الجديد عليه كليًّا، ما يمنعه من التفكير بصفاء ذهن هو ظلال عائلته التي تلاحقه أينما ذهب.

فيبدأ الفيلم بدعاء الأب لابنه بالهداية والثبات مع توجيه نصائح له، ثم يركب الابن السيارة ويبتعد عن منزل أبيه ملقيًا بالعمة التي يرتديها على قارعة الطريق في بداية صادمة لا تفهم إلا بمرور الأحداث.

فمن خلال كثير من مشاهد الاسترجاع يظهر أبوه التقليدي وهو يحاول جاهدًا فعل الأفضل لابنه كما يرى، فيلحق ابنه منذ الطفولة بمدرسة إسلامية تحفّظ الأطفال القرآن فهو يريد الافتخار بابنه الذي سيصير حاملاً لكتاب الله يومًا ما، الأمر الذي تعارضه الأم التي تفشل في أثناء زوجها عنه زاعمة أنه يريد أن يحول ابنه لنسخة منه، رغم عدم اهتمام الفيلم بإظهار هذا إلا أنه يبدو أن الأب والأم ينتميان للجيل الأول من المسلمين الأمريكيين؛ فالأم تتحدث عن أن التحديات التي واجهها الأب وأفكاره المعادية للثقافة الأمريكية تأتي من فترة الستينيات حيث كان أهم رموز المسلمين في هذا الوقت هو مالكولم إكس، بينما الابن ينتمي لجيل مختلف يواجه تحديات مختلفة، رغم حزم الأب ورفق الأم وكون ما يجمعهما طفلان والتزام ديني عميق إلا أن إصرار الأب على التعامل مع ابنه بتلك الطريقة يباعد بين الزوجين أكثر وأكثر.

 

موزلم3

 

وأمام التفكك الأسري بين أب يعامل ابنه بحزم زائد وأم تترفق بابنها وتعطيه مساحة أوسع من الحرية يتشتت عقل طارق حيال ما ينبغي عليه فعله بحياته فالرواسب من ماضي طفولته ومراهقته مؤلمة، لقد كان أحد معلميه في مدرسته الإسلامية يعامله بقسوة ويضربه كلما أخطأ، وترك هذا آثارًا نفسية وآثار جروح على ظهره أخفاها عن الجميع، ولعل التعارض الواضح في أساليب التربية بين الأب والأم رغم كون قيمهما واحدة يرمز لجانبي الترهيب والترغيب وهما جانبان تحدث عنهما علماء الدين والتربية في الماضي والحاضر كثيرًا محاولين توضيح المساحات المتداخلة وحدود استخدام الأسلوبين في المواقف المختلفة، يزداد طارق شكـًّا وابتعادًا عن كل ما علمه إياه أهله ومعلموه.

ولم تزد حياة الجامعة الصاخبة عقله إلا مزيدًا من التشويش، فيحاول جاهدًا الاندماج في المجتمع الجديد رغم محاولة أبيه التحكم عن بعد بطلبه لزميل سكن مسلم ليعيش معه في مساكن الجامعة، إلا أن طارقـًا يتجاهله فلم تفلح محاولات زميله ولا أستاذه المسلم في الكلية في إثنائه عن المزيد من الابتعاد عن أية مظاهر من الالتزام الديني فيبدأ تحت تأثير ضغط الأقران بشرب الخمر ومحاولة مغازلة الفتيات وحضور حفلات غنائية والمزيد من السلوكيات الصاخبة المتناقضة مع حياته السابقة.

 

ويصل به حد التنصل من هويته إلى درجة أن يطلب ممن حوله مناداته بحرف T فقط بدلاً من طارق! إذن فشل حزم أبيه، وترهيب معلمه القاسي، كما فشل أيضًا ترغيب أمه، وود أخته، ومحاولات زميله، ومحاضرات أستاذه، وعقلانية معلم مدرسته السابقة الآخر الذي كان يعامله بشكل مختلف عن المعلم القاسي ويطلب منه فهم الآيات مع حفظها، فشلت كل الطرق في إقناع طارق بعدم اعتناق الثقافة الغربية بكامل صخبها. فماذا بعد؟

موزلم4

تحدث أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتعقد حياته أكثر فرغم تنصله التام من الإسلام على مستوى السلوك إلا إن اعتداءات الأمريكيين على المسلمين من حوله كأخته وخطيبة زميله في السكن الجامعي وزميله نفسه تجبره على التصرف فيستجيب لنداء فطرته بالدفاع عنهم رغم أن قناعته الداخلية لم تتغير بل ربما ازداد نفورًا من حياته السابقة إلا أنه يشعر بأن شيئـًا ما خطأ وإن لم يحدده بعد.

وتعود حيرته لتطفو على السطح حين يحتد في النقاش مع أخته بعد أن رافقها لسكنها لتأمينها من الاعتداءات المتكررة على كل محجبة، وأمام محاولات أخته لإقناعه بعدم سهولة الحكم على الإسلام بممارسات البعض يظهر لها جروح ظهره التي سببها له معلمه القاسي ليبلغ المشهد ذروته الدرامية بدخول والديه وصراخ أمه (بعد مشاهدتها جروحه) في أبيه بسبب تجاهله المستمر لنداءاتها بشكوكها حول صحة الأساليب المستخدمة في المدرسة الإسلامية والأب مستسلم لها بأسف من كان يجهل الحقيقة.

لم ينته الفيلم بحسم طارق ﻷي من رواسب حياته السابقة، بل ترك النهاية مفتوحة مع بارقة أمل، حيث يذهب طارق لمدرسته القديمة فلا يجد سوى المعلم الطيب ليخبره بأنهم فور علمهم بقسوة أساليب المدرس الآخر قاموا بفصله.

 

ويذهب طارق ليحضر مؤتمرًا تنظمه الجالية المسلمة ويحاضر فيه أستاذ كليته الذي يبدأ بتحية الحضور بتحية الإسلام، ويرد طارق التحية بعد فترة من التردد في نهاية مفتوحة تترك كل الاحتمالات متاحة؛ ففي النهاية وحده طارق من سيحدد وجهته القادمة، وحده الحائر هو من سيحدد ما سيفعله بشأن التحديات الحالية وكيف سيحدد هويته فلا إجابة نموذجية هنا، بل رحلة بحث عن الحقيقة قد تستغرق عمرًا بأكمله ولكن الشيء الوحيد المؤكد أنه أتخذ أول خطوة صحيحة في رحلته من الشكوك إلى اليقين بقراره توسيع مداركه والاستماع ﻷصوات كان يصم آذانه عنها في السابق.

 

موزلم1

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد