الأخلاق بوصفها متعلقة بالقواعد الناظمة لعلاقة الإنسان بنفسه ومن حوله، كانت محورًا رئيسًا لمعظم، إن لم يكن جميع، الفلاسفة والمفكرين، رغم عدم اتفاقهم على تعريف موحد لها، وأعجبني منظور أرسطو للأخلاق بصفتها كينونة السعادة الإنسانية. فالأخلاق كما ذهب أفلاطون وجاك روسو مرتبطة برقي الإنسان فوق شهواته الدنيا؛ ليصل عبر عقله السليم إلى قمة السعادة الإنسانية لنفسه وللآخرين من حوله، وهي كما عرفها ابن رشد «مركز الحضارة»، وذكر ابن خلدون في مقدمته أن بقاء الأمم مرتبط بأخلاقها.

ما هو الرقي الأخلاقي؟

الواقع أن القواعد الأخلاقية منها ما هو مرتبط بالإدراك المجرد، أي إنها من المفروضات العقلية التي لا يمكن لأي عاقل إلا القبول بها، مثل الصدق والأمانة. ومنها ما هو مرتبط بتجارب الإنسان المعرفية عبر ثقافة المجتمع وعاداته، وتعاليم الدين، والنظم القانونية لمحيطه، ومن ثم فكره وثقافته الخاصة، مثل فكرة المساواة أو مفهوم الحريات.

وبالتالي فالأخلاق منها ما هو ضروري المعرفة؛ أي متفق عليه بين كل إنسان عاقل؛ ومنها ما هو مكتسب المعرفة؛ أي أنها مرتبطة بالعادات الدينية والأسرية والعرفيّة الخاصة بكل مجموعة. والرقي الأخلاقي للإنسان، سواء ما تعلق بالفرد أو المجتمع، ومرتبط ارتباطًا أصيلًا بالوعي أو المعرفة التي يكونها الشخص أو مجموع الأفراد حول مفاهيم الخير والشر. وبالتالي اعتبر ابن خلدون أن الأخلاق تعد مركز الحضارة؛ لأن الأخلاق مرتبطة بالحضارة الفردية للأشخاص، بقدر ارتباطها بالحضارة المجتمعية للأمم والدول.

والحضارة المقصودة هنا هي المظاهر العامة المتعلقة بالوجود، أي المظاهر الفكرية، والعلمية، والثقافية، والأدبية، والسياسية والقانونية والفنية… إلخ. وهذا يعني أن الرقي الأخلاقي مرتبط بالرقي الحضاري، ولا ينفك عنه. فالأخلاق ترتقي بارتقاء ما سبق من مظاهر، أو بعبارة أخرى يمكن القول إن الرقي الأخلاقي غير مرتبط بمدى الالتزام الديني أو العرفي أو الأسري المجرد، بل بمقدار الرقي الحضاري للشعوب. فالرقي الحضاري يتبعه ارتقاء في كل المظاهر (خصوصًا العلم، العدالة، الثقافة، والإنسانية)، بينما التخلف يلازمه انحدار بكل ما تعلق بتلك المظاهر.

هل يرتقي الالتزام الديني بالأخلاق؟

عاشت البشرية صورًا مختلفة للتاريخ والفكر الانتقالي التطوري، ومن بين تلك الصور التي مرت على البشرية وجود ثلاث ديانات إبراهيمية. وقد ساهمت الأديان في تعزيز مبادئ أخلاقية سامية، أصبحت لاحقًا، بفرض العرف أو بسبب التطور التاريخي للوعي، من ركائز الإنسانية ومميزاتها البشرية. وتدرَّج المفهوم الديني للأخلاق عبر العصور ليتناغم مع مستوى تطور الوعي الفكري والارتقاء الحضاري للأمم. في المقابل انغلق كثير من أتباع الديانات على حرفية النص أو تأويلات محددة، فرضتها سلطات دينية أو سياسية حاكمة استمدت قوتها من نصوص تلك الأديان، مما جعلها تقف في مؤخرة العربة الحديثة التي نقلت البشرية لتعاليم ومبادئ أخلاقية أكثر رقيًّا وأعمق إنسانية من تلك الموروثات التي تمسك بها رجال الأديان المختلفة.

ما حدث على أرض الواقع، أن الإنسان عبر تطور وعيه، وارتقائه الحضاري، وبالتالي رقيه الأخلاقي، قد توصل في النهاية لمفاهيم أخلاقية جامعة، ترتقي بمعنى الكرامة الإنسانية، والمساواة، والحرية والعدالة وغيرها. ولتوضيح الصورة نضرب مثالًا على مفهوم الرق. فالرق أو العبودية أو السبي (بما يشمله من اغتصاب لإرادة وجسد النساء والأطفال والرجال، وبما يحيطه من قهر وظلم وإذلال) لم تكن يومًا محل جدل أو جدال ديني، ولم تكن محطة تأمل يسعى رجال أي دين للدعوة لتغييرها كليًّا، أو التوافق على وثيقة تحرير الإنسان وإنهاء جميع مظاهر العبودية، بل توقف الامر في أحسن احواله على تعديلات خاصة بطبيعة التعامل وتحسين الظروف الخاصة بالعبودية. ثم خاضت البشرية تدافعات وإرهاصات وثورات طويلة – خارج أسوار الموروثات الدينية – حتى استقرت أخيرًا في أفهام معظم الناس وضمائرهم، أن العبودية شيء سقيم يجب محاربته. عندها فقط تلقف معظم رجال الدين تلك الفكرة، وأمست تقول إن إزالة الرق وإلغاءه كليًّا من ناموس البشرية قد نادى به الدين وسعى له، مع أن جلَّ تفسيراتهم الموروثة لم تشهد بما يدعون.

ورغم تطور الإنسانية، فإن مجموعة ممن انسلخ عن أصوله الإنسانية، ما زالت تعد الرق مطلبًا دينيًّا وترفًا اقتصاديًّا يجب عودته، مستترة بنصوص وموروثات تاريخية تبرر لها مستنقع الانحدار الأخلاقي الذي تعيش عليه. فمن يستهويه زواج الأطفال، أو من يرى أن المخالف لفكره يجب قتله، أو من يريد أن يستأثر الرجال على النساء ويبيح ضربهم، أو من يريد أن يستعبد الناس عبر أسر كرامتهم وحرياتهم، سيستتر برداءة أقوال السلف والرهبان، ويختبئ خلف نصوص دينية أو تعاليم عرفية، ليعلل انحدار فكره وانحدار خلقه وحضارته. في المقابل سيرفض صاحب الخلق الرفيع، والحضارة الراقية، تلك المبررات وسيرتقي بفهم النص الديني ليتوافق مع التطور الحضاري لمفهوم الإنسانية والأخلاق. فكلا الطرفين السابقين ستنعكس أخلاقه على طريقة قراءة النص الديني وفهمه، وليس العكس.

وفي هذا السياق ذكر الفيلسوف الاجتماعي الكبير د. علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البشري، الفصل التاسع» عن الفرق بين الفلسفة المنطقية والفلسفة الاجتماعية، حيث ذكر أن الحقائق الرياضية قد تكون خالدة تكاد تصلح لكل زمان ومكان، أما الحقائق الاجتماعية فهي متغيرة، وما يصلح منها اليوم قد لا يصلح غدًا، وشتان بين منطق الأرقام ومنطق البشر. ما ذكره الوردي ذكرني بما جاء في النص القرآني من إشارات واضحة إلى حتمية التطور الأخلاقي للإنسانية ووجوب انعكاس ذلك التطور الأخلاقي على التعاليم والتشريعات الإلهية، وذلك ما يمكن أن نستدل عليه في الآيتين التاليتين: ﴿فَخُذها بِقُوَّةٍ وَأمُر قَومَكَ يَأخُذوا بِأَحسَنِها﴾ [الأعراف: ١٤٥] ، وأيضًا: {وَٱتَّبِعُـواْ أَحسَنِ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ} [الزمر: 55] ، حيث طلبت الآيات بأخذ أحسن ما جاء من تنزيل رباني واتباع أحسن تشريع سماوي.

وقد عمد جل المفسرين في تفسير الآيات السابقة إلى قياس الشريعة الربانية بمقياس الأرقام، والمنطق الأفلاطوني في ثبات الحق، لكنهم نسوا أو تناسوا أن المجتمع البشري عالم متغير يتنازع فيه شتى الأفكار والميول، ولا يمكن إخضاعه لمنطق الأرقام الثابت. وبالتالي يستلزم منا لفهم المجتمع دراسة خاصة، تتسامح مع طبيعة الإنسان، وتتفهم تغيرات المجتمع، وتكون تلك الدراسة متفاعلة مع الفلسفة الاجتماعية المتحركة، أي خارج منطق الأرقام الثابتة. فالمجتمع يحتاج إلى شرائع أو تعاليم ربانية، تتوافق مع مختلف أطروحاته الفكرية وميوله النفسية وتطوراته المادية والحضارية، حتى تكون فعلًا، لا قولًا، صالحة لكل زمان ومكان. بل يجب أن تكون قادرة على تطوير الأخلاق وتطوير تشريعاتها بما يتوافق مع تطور الأخلاق الإنسانية. ومن هنا نحن لسنا بحاجة إلى مفسرين للآيات – ممن يحصرون الحقيقة المطلقة فيما يتصورون من جمود النص وتعاليم السماء، وثباتها في كل حال وعصر – بل نحتاج إلى مفكرين ليبراليين في منطلقاتهم الإيمانية، وفلاسفة اجتماع متطورين في أخلاقهم الإنسانية، أدركوا أن لا حقيقة مطلقة في هذا الكون، بل مجرد سعي إنساني مستمر لاكتشاف الحق والتقرب من الوصول إلى الحقيقة، وبالتالي يتعاملون مع النصوص الدينية بوصفها نصوصًا سماوية تتفاعل مع الإنسان بوصفه مصدر المعرفة وليس مجرد متلقٍ لها.

الأمثلة على تطور الوعي الإنساني، العابر للتفاسير والأقوال الموروثة، كثيرة ولا مجال لحصرها هنا، لكن لا يجوز أن يفهم من طرحي هذا أن الدين لا يسهم في الارتقاء الأخلاقي والسلوكي للأفراد، بل له دور واضح في ذلك. ما أردت إيصاله هو أن الدين قد وضع بذور صلاح الإنسان، لكنه ترك سمادها لتطور فكره وارتقاء أخلاقه، معتمدًا على مدى الوعي الحضاري والسمو الإنساني في فهم النص الديني وتأويله.

أين النموذج، العرف الشرقي أم الغربي؟

في فترة تاريخية معينة، كان الشرق متقدمًا على الغرب في القيم والسلوك والحضارة، وفق معايير ذاك الزمن ومعطياته، ولكن الشرق توقف عند محطة معينة فالتقط الغرب ذلك التقدم، ومن ثم بنى للبشرية مفاهيم أخلاقية أكثر نضوجًا وإنسانية.

فالكرامة الإنسانية للفرد، حرية التعبير، العدالة، حق المحاسبة، الصدق، النظام، النظافة، الكفالة الاجتماعية، المساواة، محاربة الفساد، فصل السلطات، العلوم، الصحة، الحفاظ على البيئة والرفق بالحيوان،….إلخ، كلها نماذج لما تقدم به المجتمع الغربي عن غيره. لكن هل هذا يفيد أن تلك المجتمعات تخلو من سلوكيات معاكسة، أو تخلو من مشكلات أخلاقية وسلوكية تحط وتهدم الفضيلة العليا؟ بالطبع لا، فالمجتمع الغربي لا يمثل الرقي المطلق، بل إن فيه، ما فيه من انتكاسات وترهلات وانحدارات.

في المحصلة، الرقي الاخلاقي أو الحضاري للغرب إنما جاء عبر مراحل التطور التاريخي الطبيعي للإنسانية، خاض الإنسان خلالها الكثير من التجارب، وخسر الكثير من الأموال والأنفس، واستخدم خلاصة فكر السابقين وعلوم اللاحقين، ثم بنى عليها حتى وصل إلى مفاهيم جديدة، أكثر عمقًا وأعظم إنسانية، للرقي الأخلاقي. لكن، تلك المفاهيم ليست المحطة النهائية في رحلة الإنسان الحضارية، بل هناك الكثير مما يمكن إضافته وتطويره.

فللأمم الأخرى، وخصوصًا العربية، أن تخرج عن فكرة الهروب نحو التاريخ – إذا شاء أهلها بتغيير البوصلة – وتصعد إلى الأعلى، عبر تقديم مفاهيم إضافية جديدة، ليست مبنية على كتب التراث، أو العودة إلى الوراء. بل من خلال مفاهيم تراكمية، تمكنت من هضم أفضل ما وصلت إليه البشرية ثم تبني على إيجابياته ومعالجة مشكلاته أو إشكالاته، وبالتالي تقدم صورًا جديدة، أجمل حضاريًّا وأرقى أخلاقيًّا وأعمق إنسانيًّا، لمعنى الحضارة والأخلاق، أجمل حضاريًّا وأرقى أخلاقيًّا وأعمق إنسانيًّا، مما وصلت له الحضارة الغربية الحديثة، بحيث يسعد بها كل عقل سليم. عندها يحق لنا أن نفتخر ونتفاخر بما لدينا من بضاعة، وعندها فقط نتملك حق انتقاد الغير وحضارته.

الملخص

الشرائع الدينية والاجتماعية والعرفية، قد ينظر إليها البعض على أنها تعليمات وقواعد محدودة وضعت داخل مربع صغير، لا نملك سوى اللعب أو التحرك داخله، دون الخروج عن محددات أضلاعه الأربعة.

أو قد ينظر البعض الآخر إلى تلك الشرائع على أنها بذرة وضعها الله لنا في التربة، فسقاها الرسل بأنوار الإنسانية حتى أنبتت جذور فكرة، ثم تركوا لنا بناء جذوعها وأغصانها عبر نظم الحضارة ومظاهرها المتنوعة. فكلما سقت الأمم تلك الجذور فكرًا وعلمًا وخلقًا، نمت أفرع الشجرة وتزينت غصونها. وكلما ازداد وعي البشرية لعظمة الإله ورفعة الإنسانية، استمرت الشجرة صعودًا في أغصانها وارتقاء في جذوعها.

وهكذا تبقى تنمو الأخلاق وترتقي مع استمرار الجذر ممسكًا لتلك الفروع. فمن آمن بالمربع سينتهي مفهومه للرقي الأخلاقي عند حدود الأضلاع الأربعة، ومن استوعب الجذور صعد عبر أغصان شجرتها إلى فضاء الرقي الأخلاقي، والتقدم الحضاري، والبعد الإنساني غير المتناهي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد