يؤكد علماء الاجتماع علی التأثير الكبير للبيئة علی أفعال وسلوكيات الإنسان، بمعنی أن

الإنسان ابن بيئته؛ إذ يتأثر المرء بعدد من العوامل المحيطة به منذ ولادته إلی وفاته، تشمل هذه العوامل: الوالدين ووسائل الإعلام والشارع والتعليم بمختلف مراحله ، ولكل فترة زمنيه ما يؤثر فيها، فمثلًا في مرحلة الطفولة يكون للوالدين التأثير الأكبر، ومع تقدم سن الطفل تتغير الوسيلة إذا التحق بالتعليم في سن السادسة، ومع تقدم سن الطفل واحتكاكه بالأطفال من بيئات مختلفة، ونزوله إلى الشارع، يبدأ فی تطبيق ما نشأ عليه، واكتساب صفات جديدة، ومع التقدم التكنولوجي فی عصرنا الحالي، صارت وسائل الإعلام ووسائل التواصل ذات تأثير كبير، ربما يفوق أهمية المدرسة، ولنأخذ مثالًا لأحد هذه الوسائل، وهو التلفاز.

عند إمعان النظر فيما يعرض علی معظم قنوات التلفاز من مشاهد هابطة، لم نعهدها من قبل علی المجتمعات الشرقية، وبالأخص المجتمعات الإسلامية، يجد المرء هدمًا ومحوًا لأخلقيات وأدبيات المجتمع.

إن ما يصدر عن الأفلام أو المسلسلات أوالبرامج التي تعرض في التلفاز، والتي تصل كل بيت ويراها الكبير والصغير، لهو خير دليل علی انحطاط، وتردي مايعرض في هذه الأفلام، نظرًا لما تحتويه من عری ومشاهد جنسية فاضحة أقل ما يقال عنها «أنها تخدش

الحياء»، حتی إن منتجی هذه الأفلام يصفونها بأنها للكبار فقط، ولن تخرج من الفيلم بأية إفادة، إلا بإضاعة الوقت، والفيلم الذي يخلو من هذه المشاهد مهدد بالفشل والخسارة.

ولهذه الأفلام تأثير يقع علی كل الأجيال، كبارًًا كانوا أم صغارًا، فمن يمر بالشوارع، مثلًا،  يجد واقعًا لا يمكن السكوت عليه؛ لأنه سيجد أطفالًا لم يبلغوا من العمر عشر سنوات يلعبون ويلهون بالأسلحة البيضاء، ويتبادلون السباب بأبشع الألفاظ النابية والبذیئة، حتی إذا سألت أحدهم كيف، وأين تعلمت هذا؟ يرد عليك بجواب هو عين الواقع والحقيقة، تعلمت من الفنان كذا وكذا في فيلم كذا، وبالتالى صار هؤلاء الممثلون قدوة لهؤلاء الأطفال، حتی إنهم يقلدوهم في مشيتهم، وفي حلق  شعورهم، وفي طريقة كلامهم.

وعند الانتقال إلی المدرسة المنوط بها التربية قبل التعليم، نجدها أسوأ حالًا ومكانة مما كانت عليه قبل ذلك، فمثلًا شاهدنا فى إحدى المدارس الحكومية، التابعة لوزارة التربية والتعليم،  تنظيم

مسابقة! من يسمع أو يقرأ كلمة مسابقة يتبادر إلى ذهنه أنها مسابقة علمية أو أدبية  أو دينية، ولكن للأسف الشديد، ليست كذلك؛ إنها وصلة للرقص الشرقي الجماعي لطالبات في المرحلة

الإعدادية! وما يزيد الوضع سوءً، هو رعاية هذه المسابقة من معلم، والمنوط به تربية نشأ يخدم المجتمع، وقد كان هذا احتفالًا بعيد الأم، في حين أنه من المنتظر من هؤلاء أن يصبحن أمهات في المستقبل، ووصل بهم الحال من الشناعة والفجاجة أن نرى معلمين، شابت رؤوسهم، يتراقصون بين الطالبات، وقد شاهد ذلك كل المسئولين في الوزارة، ولم نر أية عقوبة على هؤلاء الموصوفين بهتانًا بالمعلمين.

وفوق كل ذلك من التردى والانحطاط، نجد دعوات من أناس بلغوا من العمر عتيًا، حتى ابيضت رؤوسهم، يدعون إلى خلع الحجاب، ومنع النقاب؛ حفاظًا على الأمن القومي، وتوجه إليهم الشاشات؛والقنوات؛ لعرض هرائهم، وليست آراءهم. أليس الأحرى بهؤلاء أن يوفروا جهودهم لخدمة المرأة،  ودفاعًا عن قضاياها مثلًا من التحرش أو الاستغلال الجسدي. الحقيقة أنهم يريدون أن ينسفوا كل ما تبقى من القيم والأخلاق في المجتمع، والمؤلم بعد هذا الانحطاط الأخلاقى الشديد الذي لم يسبق له مثل من قبل على مجتمعنا المصري: هو دور المؤسسة  الدينية المنوط بها الحفاظ على أخلاق وسلوكيات الناس، امتثالا لما أمرهم به الدين الإسلامي، ولكنها تغط في النوم غطًا، حتى صارت كالميت، لا يحرك ساكنًا.

لقد كانت مصر ملجأ الراغبين في العلم والتعلم، وللأسف الشديد تحولت هذه الأيام لكل من يريد شهرة أو سطوع نجمه مع اختلاف جنسيته، عربية أو غير عربية، في مجالات لا تخلو، إلا أن تكون في مجال الرقص أو الغناء ليس أكثر، سواء كان ذلك علی حساب أخلاق وأدبيات المجتمع. لقد أجمع الحكماء على أن أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمم للتقدم والرقي الذين يوصفون بالأخلاق الحميدة أن يسعوا إلى رفع الضغط عن عقول الناس، من فساد الأخلاق، وانحطاط السلوك المنتشر في المجتمع، حتى ينهض الناس إلى كل ما هو صالح للفرد والمجتمع؛ لأن الأخلاق هي عماد المجتمع، وكما يقول الشاعر:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ….  فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه .… فقوّم النفس بالأخلاق تستقم

إذا أصيب القوم في أخلاقهم  ….  فأقم عليهم مأتمًا وعويلًا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد