خمسة أشياء تحفظ بهما قدْرك وقدْر غيرك عند الانفصال

نهاية العلاقات أمر وارد، إن لم يكن محتومًا -على تعدد أشكاله-، يشهد بذلك الواقع -رُغم سَكْرة البعض عنه-، فالقريب قد يبعُد، والصديق يكون عدوًّا أحيانًا، وصاحب السر يَفشيه، وأمين المجلس قد يكون نمَّامًا، وكما تظهر المشاعر في البدايات، تظهر الأخلاق في النهايات.

ومن التوفيقات البشرية جعل النقطة (.) نهاية الكلام ونهاية العلاقة بين الجُمل، فيقال: نقطة النهاية، والنقطة هي أقل أجزاء الحرف، حتى أنهم في علم الخط جعلوا النقطة مقياس الحرف وميزانه، ولأن النقطة أقل ما يكتب فإن جعلها علامة النهاية فيه إشارة إلى أن سبب النهاية قد يكون بأبسط سبب، ولهذا يقال: (القطرة التي أفاضت الكأس) و(القشة التي قصمت ظهر البعير)، والنهاية ميزان جوهر العلاقة، فلا يُحكم عليها حقيقة إلا عند تبدِّي نهايتها، فما محمدٌ صلي الله عليه وسلم إلا نور هذه الأمة، فكيف حفظ وِداد خديجة وقد أتتها المنية، فكان يصل أصدقائها ويُكثر من ذكر معروفها، وهذه علاقة انتهت قدرًا لا اختيارًا، لا يؤلف بذلك قلب أُمِّنا -رضوان ربي عليها-، بل يُعلمنا ذاك الأدب لنقتدي ونهتدي.

وفيما يلي عُدَّةٌ علي طريق الفِراق، نستمسك بها؛ لنكون بذلك أرقي وأهدي، فكلٌّ يختار مكانته ويُحدد قدْره.

1- الصدق سبيل التوفيق

الصدق مَنهل أهل السلوك ومَعين أهل الوفاء وعُدَّة أهل الصفاء، يرتوي منه البادئ والمنتهِي علي السواء، في طلب العلم والعلاقات، والعبادات، وعلي قدْر صدقك في ما أردت؛ يكن التوفيق والوِفاق فيما طلبت.

إن الصدق لا يعني دوام الاتصال وبقاء الوِفاق، ولكنه حُسن الخلق عند حدوث الانفصال، ووقوع الشقاق.

2- الوفاء وكتمان السر

كان اليَشكُرِي من أصدقاء الحجاج بن يوسف وصاحب سرِّه وأمين مجلسِه، شاعرًا من شعراء الخوارج، وقد حصل خلاف واختلاف بينهما لا رجعة فيه، خلافٌ صار علي أثره متقاتلين، بعد أن كانوا رُوحًا واحدة بين جسدين، فانضم اليشكري إلي ابن الأشعث بعد أن ثار علي الخليفة عبدالملك بن مروان والحجاج بن يوسف، وكان اليشكري من أشد الناس تحريضًا عليهما، وطال سِجال الحرب حتي قُتل اليشكري وأُحضرت رأسه مقطوعة بين يدي الحجاج، فلما نظر إليه -رُغم ما كان بينهما- قال لجلسائه متأثرًا: كم من سرٍّ أودعته هذا الرأس، فلم يخرج منه حتي أتيت به مقطوعًا.

ورُغم ما في المشهد من ألمٍ ووجعٍ، وتبدُّل الأحوال من صداقةٍ ووِفاقٍ إلي شقاقٍ وقتالٍ، وما قد يُحدثه تباين الآراء واختلاف الأفكار بين الرفاق، وما يكون من النمامين من الرجال والنساء علي السواء، من إفساد القلوب وشحنها بالبغضاء، إلا أن ثمّة وفاء لا يمكن القفز عنه، فذلك وفاء الرجال وأخلاق الأوفياء، فرُغم تباين الطرق واختلاف السُّبُل، فقد بقيت أسرار الحجاج أسرارًا في رأس اليشكري، وبقي الحجاج رغم قتاله اليشكري معترفا له بنُبل أخلاقه.

وما أقذر من يفجُر في الخصومة، ويُغالي في البُعد بعد القُرب، ويمتلئُ بالكُره بعد الحب، فلا غرو أن أولئك تلبَّسوا بالنفاق ولا بدّ (وإذا خاصم فجر).

ففي بداية العلاقات تظهر الأخلاق وفي نهايتها تجلو معادن الأخلاق!

3- الدعاء للصديق سِراج الطريق

دعوةُ الصديق سبيل القَبول والتوفيق (وُكِّل إليه ملَكٌ يقول: ولك بمثله)، فهذا السبيل المضمون نورٌ يُضيء الطريق، فتركُه رُغم البُعد والانفصال أو الخلاف والشقاق؛ تركٌ لخيرٍ موفورٍ وطريقٍ موثوقِ القَبول والتوفيق.

وينقل الخطيب البغدادي رحمه الله في تاريخه أن أبا حمدون كان له صحيفة فيها ثلاثمائة نفس من أصحابه، وكان يدعو لهم كل ليلة ويُسمِّيهم، فنام عنهم ليلة فقيل له في النوم: يا أبا حمدون، لمْ تُسرِج مصابيحك، قال: فقعد ودعا لهم.

4- عدم المنّ بالمعروف وتذكر معروف الغير

فالمعروف لا يتم إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره في عين معطيه، وإخفاؤه عن الناس. وليس بالمنّ علي الأصدقاء والرفقاء وقت الخلاف والشقاق، فهذا ينُمُّ عن ضعف نفسٍ، وخوارم مروءة.

أما معروف الغير، فتذكُّره -فحسب- محض معروف، والدعاء له مكافأة، فعن عبدالله بن عمر قال – رضي الله عنهما -، قال صلى الله عليه وسلم: (…، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكَافِئُونَهُ بِهِ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَد كَافَأْتُمُوهُ). رواه أبو داود والنسائي.

ولا تكن ممن يستقلُّ معروفًا؛ فيكتمه وربما ينساه، ولو كان محض كلمة، فعن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ). رواه أَبُو دَاوُدَ، وعن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما – أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المنبر: (مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ). رواه الإمام أحمد

5- تحليلها التسليم (أن يَسلَم مِن أذاك إن لم يرتشف من خيرك)

غالب الناس يتقن أدب العلاقات، وندُر منهم من يتقن أدب إنهاء العلاقات.

وفي تشهُّد الصلاة، ثمَّة معنيً راقٍ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (وتحليلها التسليم)، ففي نهاية تلك الركعات، لابد أن تتأدب مع الله مسلِّمًا على من أحاط بك (السلام عليكم ورحمة الله «وبركاته»)، وتتأدب بخُلقِ السلام مع العباد (السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين)، فمن لم يُنهِ صلاته وقد تشرَّب هذا الأدب في سلوكه وأخضعه في حياته؛ لم يتأدب باسم الله «السلام» حقًّا.

والحال أن فلسفة الصلوات تأدبٌ مع الرب -تعاظمت محامده- وتأدب مع العبد، ثم إعمال تلك الآداب الربانية في حركة الحياة، فمن أَنْهَ صلاته وقد آذي الناس ولم يسلم منه الآخرون؛ لم يتأدب بالصلاة حقًّا، ومن لم يُنهِ علاقاته وقد سلِمَ منه الناس ودعا لهم بالرحمة والبركة، لم يتأدب بالصلاة حقًا.

فتلك خمسةٌ كاملةٌ، تخلَّق بهنَّ إن أردت والزم أبوابهم، يمنُن عليك بعطاءٍ غير مجذوذ، (إِنْ يَعلَمِ اللَّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيرًا، يُؤتِكُم خَيرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ويَغفِرْ لَكُم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد