تنبع أغلب المشاكل الفكرية حول العالم من مشكلات مرتبطة بالدين، وما يجعل التدين عاملًا أساسيًا في هذه المشاكل، هو عندما يتم استخدامه في إقناع الأشخاص بخوض نزاعات للموت ضد اللادنيين ”الكفار” من أجل نصرة دين الحق كما يزعمون . بحيث إن أصحاب التعصب الديني ”يرون في الفئة الثانية أشخاصًا غير أخلاقيين، ويجب تطهير الأرض منهم، ولهذا فإشكالية الدين والأخلاق هي سبب رئيس في النزاع الدائم بين أصحاب الدين واللادنيين، فالفريق الأول يرى أن البعد عن الدين هو سبب تدهور الأخلاق، أما الفريق الثاني يرى أن التدين ليس ضرورة للتمتع بالأخلاق الحميدة.

ما الذي يحفز الإنسان على فعل الخير وترك الشر؟ ومن أين جاءت الأخلاق؟ وهل حقًا أن الإنسان المتدين ذو خلق رفيع أكثر من الإنسان اللاديني أو الملحد؟

لكي تجيب عن هذه التساؤلات ينبغي عليك أن تقوم بنظرة بسيطة حول العالم. وستجد أن المجتمع اليابانى أكثر تهذيبًا من مجتمعات الشرق الأوسط التي يدين معظم شعوبها بالإسلام. وسترى كذلك حجم التدهور الاجتماعي والأخلاقي التي تعاني منه المجتمعات التي تعرف ظاهرة التدين، وقارن بين هذه المجتمعات مع حجم التطور الإنساني والأخلاقي التي تعرفه المجتمعات العلمانية واللادينية. ومع هذه المقارنة ستدرك تمامًا أن التدين أو عدم التدين لا علاقة له بالأخلاق التي يتحلى بها الإنسان، بل العكس تمامًا، لأن في بعض الأحيان يؤدي التدين لانهيار مفهوم الأخلاق، خصوصًا عندما يتم ربطه بفترات زمنية محددة. والأديان في الأصل لا تعطي أية ثقة إطلاقًا للجنس البشري، وأكثر من ذلك فهي تؤكد عدم قدرته على صياغة فلسفة أخلاقية مناسبة، لذلك تجدها تستعمل سـياسة التـرهيب في ظل عدم وجود تلك الثقة. ووجود نصائح أخلاقية وإنسانية في الدين لا يعني بتاتًا أن الدين هو مصدر الاخلاق ولا يعني كذلك أن البشرية، عاشت في فوضى كبيرة حتى ظهرت الأديان.

والمضحك في الأمر هو أن الكوميديا تغلب على هذا الموضوع؛ مما يجعل مناقشته أمر ممتع، بحيث إن الأسئلة التي يواجهها اللاديني هي ”لماذا لا تنكح أمك” و”لماذا لا تغتصب أختك” و”مالذي يمنعك من قتل الناس”… إلى باقي الأسئلة. فالشخص الذي يوجه، مثل هذه الأسئلة يرى الملحد بدون أخلاق؛ لأنه يعتقد أن الأخلاق مرتبطة بالدين، لكنه لا يعرف أن الأخلاق والقيم هي نتاج تطور وعي الإنسان وتناغمه مع الطبيعة، ولا علاقة للأديان بهذا الأمر، والأخلاق في الأصل تدور حول الإنسان، بينما الدين يدور حول مركز غيبي متعال أعلى من الإنسان. واذا كنا سنتكلم عن القيم الأخلاقية التي قد يعمل بها الشخص المتدين، فنحن سنتكلم عن رجم الزانية وقطع يد السارق وقتل من ارتد عن دينه وقتل المثليين. هذه كلها قيم أخلاقية مطلقة مبنية على الدين ويعتقد الشخص المتدين أنها جاءت لإصلاح المجتمعات. لذلك فمفهوم الأخلاق عند بعض المتدينين مختل تمامًا، لأن نكاح الصغيرة وقتل المرتد وملك اليمين يصبح أخلاقًا عندهم، حتى سبي النساء والهجوم على الدول تحت راية الدين يصبح أخلاق عندهم، لذالك أجد أن من الغرابة الشديدة أن تقول إن مصدر الأخلاق هي هذه التشريعات الوحشية وغير الإنسانية.

إذا كنا سنتكلم عن المفهوم الحقيقي للأخلاق، فأنت لا تحتاج لكتاب من العصور الوسطى، لكي تعرف ما هو أخلاقي، وما هو غير أخلاقي، ولا تحتاج لشخص لكي يشرح لك أن قتل الناس شيء خاطئ، واذا كان الدين هو المانع الوحيد الذي يمنعك من ممارسة هذه الأفعال، فهذه مصيبة كبرى بدون أدنى شك، وإذا كنت تستمد أخلاقك من خوفك من الله، ومن العذاب الأبدي، فبصراحة عليك أن تشك في إنسانيتك وفي أخلاقك. ما تقوم به أنت كشخص متدين هو تنفيذ لتعاليم دينية سواء كانت أخلاقية أو غير أخلاقية، أما الأخلاق فهي القيام بأفعال أنت ترى بداخلك أنها من قيم الإنسانية، سواء كان دينك يطلبك بها أو لا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد