تحدّثنا في التدوينة السابقة عن أخلاقية الوجود الإلهي، وأخلاقية الإنسان وفقًا لحالته الطبيعية وارتباطها بالتوحيد الإلهي، وذكرنا أن الأخلاق لا توجد إلاّ مع حرية الاختيار وهي الإرادة الحرّة، فلا بد أن تكون هناك إرادة حرة حتى يكون الإنسان أخلاقيًّا، كما أشار الأستاذ عمر بسيوني.
نحاول في هذه الورقة تأصيل الأخلاق والنظر فيها في ظلال السردية التوحيدية الإيمانيّة وخارجها.

ونقِف أولًا على تعريف مفهوم السردية وفقًا للدكتور بسيوني، يقول: السردية؛ رؤية كونية، لها تاريخ، وتقدم محتوى تاريخيًا، وتقدم إجابات على أسئلة وجودية، ويكون لها نظام قيمي يجيب عن أسئلة الغائية والمعنى، ثم ينزل في الأفراد من خلال السلوك الذي هو الأخلاق والقانون سواء بصورة جماعية أو بصورة مؤسسية.

في ظلال السرديّة التوحيدية

تنقسم مصادر العلم عند المؤمنين إلى نوعين: نوعٌ قائم على الإيمان العقائدي اليقيني وأساسه العلم الإلهي، وآخرٌ قائمٌ على الإدراك العلمي التجريبي وأساسه التجربة والمشاهدة والحس.
فالأخلاق والقيم وغيرهم الكثير من الأمور غير المادية لا يدخلان في جانب الإدراك العلمي التجريبي لانتفاء صفة المادة عنهم. فيكون مصدرهم ومرجعيتهم الوحيُ الإلهي.

والعقل والوحي متكاملان، يُكّمِّل أحدهما الآخر، ويجمع بينهما رباط وثيق وصِلةٌ أبدية. فما قَصَرَ عنه العقل وعجِز عن فهمهِ تولَّى الوحي إكماله وتفسيره. في هذا الصدد يقول الدكتور لؤي الصافي مؤلف كتاب «إعمال العقل»: «إن العقل يحتاج إلى رؤية كلّية، وتزويد الإنسان بالرؤية الكلّية للوجود وبتوجيهات قيمية للفعل هي المهمة الرئيسية التي يضطلع الوحي بها».
وبما أن العقل عاجزٌ يستحيل عليه إدراك الوجود الإلهي بالحس والمشاهدة، سيعجز عليه أيضًا تقديم تفسيرٍ عقلي وتبريرٍ منطقي للأخلاق، «لذلك هو محتاج للوحي الإلهي الذي يقدم قاعدة فلسفية لترير الأخلاق، «وهذه القاعدة منبثقة من وجود الله تعالى» كما يعبر الأستاذ عبدالله العجيري.

والوحي يوفر مرجعية ثابتة ومبادئ رئيسية للمنظومة الأخلاقيّة، لا تتبدل ولا تتغيّر باختلاف أحوال المكان وجري الأزمان، فما أمر الله به خير، وما نهى عنه وأمر باجتنابه شر.
والإنسان في ظلِّ سردية التوحيد الإلهي يسعى إلى الأخذِ والعمل بالأخلاق كونهُ مأمورٌ بها، مسؤولٌ عنها يوم الحساب، ولإنها تقربه من الله وترفعه درجات، ولأن الرسالات السماوية ودين الإسلام يحضّان على التخلق بالأخلاق الحميدة الحسنة، والتحلَّي بالقيم النبيلة. يقول الرئيس الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش: «أن الأخلاق، كظاهرة واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًا، ولعل في هذا الحجة الأولى والعملية للدين. فالسلوك الأخلاقي، إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى في وجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نُسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن ندخل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالمًا آخر غير هذا العالم، وأن الله موجود، بذلك يكون سلوك الإنسان الأخلاقي له معنىً وله مبرر».

 خارج السردية التوحيدية

أتباع هذه السردية يقعون في ظلال حركتي الحداثة، وما بعد الحداثة. وبإيجاز مبسَّط يمكننا تعريف الحداثة كما عرّفها الأستاذ عمر بسيوني على أنها: «اِتجاه فكري يبدأ بالتنوير، تعتمد على العقل وتبدأ به، والتنوير يعتمد على العقل فقط، ويبتعد عن أي شيء متعال ومقدس كالوحي والدين».

ما بعد الحداثة أيضًا بتعريف الأستاذ بسيوني لها: «تقوم على النسبية وعدم القطع في أي شيء، وترفض السرديتان الدينية والعقلية (الحداثة) وتنتقدهما».
وحيث كانت مرجعية السردية التوحيدية الله تعالى، ومرجعية الحداثة العقل، فإن ما بعد الحداثة تخلو من المرجعيّة وتفتقدها.

إن إحدى الثغرات الركيزة والمغالطات الضلاليّة والنقاط المستعصية على الشرح والتفسير والبرهان عند هاتين المدرستين تدور حول قضية الأخلاق. يقول عالم الأحياء الموسوم اليوم بقائد المسيرة الإلحادية شارلز دوكنز: «في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة.» وفي موضعٍ آخر في كتابه «وهم الإله» يقول: «أنه لأمر صعب تأسيس قيم على أرضية غير دينية». ونورِدُ عِبارةً في سياق الموضوع ذاته للأستاذ الملحد جان بول سارتر، يقول: «يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألّا يكون الله موجودًا، لأنه بعدم وجوده تنعدم كل إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح».

لم تفت هذه المعضلة على الرئيس الفيلسوف بيجوفيتش فطرح تساؤلاً في كتابه الخالد «الإسلام بين الشرق والغرب» عن إمكانية توليد منظومات أخلاقية بواسطة العقل المادي؛ وكان جوابه: «إن العقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكمًا قيميًا عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي».
«الطبيعة والعقل على السّواء لا يمكنهما التمييز بين الصحيح والخطأ، بين الخير والشر. فهذه الصفات ليست موجودة في الطبيعة». وبصيغة أخرى هذا ما قرّره الأستاذ اللاأدري برتراند راسل عن استحالة العقل وعجزه في حسم موضوع القيم.

اختلف روّاد المدرسة الحداثية فيما بينهم حول مرجعية الأخلاق؛ ذهب بعضهم إلى اعتماد القانون والقول به مرجعًا، وآخرون قرّروا المصلحة العامة مرجعًا ومصدرًا للأخلاق كجان روسو وتلامذته.

وذهبت تيارات ما بعد الحداثة للقول بالفردانية الأخلاقية والاختلاف، وبتعبير آخر مذهب ذاتية القيم كما يشير إليها راسل، إذ يقول: «يتلخص هذا المذهب في القول أنه إذا اختلف شخصان حول القيم فإن الخلاف بينهما لا يتعلق بأي نوع من أنواع الحقيقة ولكنه اختلاف في الذوق». ويكمل في موضعٍ لاحق: «إن النتائج المترتبة على هذا المذهب هائلة، ففي المقام الأول ليس هناك شيء اسمه الخطيئة بأي معنى مطلق، فالذي يسميه شخص رذيلة يسميه شخص آخر فضيلة».

  الإلزام الأخلافي في السرديات الثلاث

إن قلنا إن الخير والشر والأخلاق يمكن تحديدها بقانون الدولة ودستورها، والمواثيق الدولية المتفق عليها، كميثاق حقوق الإنسان أو بين الدولة والشعب كالقانون. التساؤل الذي طرحه الأستاذ بسيوني أنهُ بغض النظر عن الإله، كيف سنضمن أن الناس ستلتزم بقيم المنظومة الأخلاقية؟

وكان جوابه: «سنقول أن هذا الأمر موجود في فلسفة القانون، فالقانون ملزم للجميع. لكن هل القانون مستغرق لجميع مناحي الحياة الخاصة والعامة، القانون، المجتمع، السلطة، أياً كان، بالطبع لا! وحتى سلطة المجتمع المدني تبقى محدودة. فإذا أمكن للإنسان أن يتفلّت من سلطة المجتمع والقانون فأنت لا تضمن أنه أخلاقي، بخلاف الإنسان الذي يرجع إلى كتاب مقدس أو إلى الله أو إلى أي معنى هو يعتقد أنه متعالٍ وثابت في نفس الأمر، فضلاً عن أن يكون له سلطة حاكمة على الكون وأنه يثيب ويعاقب كما في المنظومة التوحيدية».
ويُعقّب قائلاً: «هذه هي القضية: لا يمكن أن تفرض أخلاقًا عامة؛ مضادة للنسبية، وملزمة بدون الدين؛ التوحيد».

الرؤية الكانطية للأخلاق

كانط الفيلسوف الألماني الذي زعم أنه دحض الأدلة والبراهين العقلية على وجود الله، عاد ليقول بضرورة وجود الإله ولو كمظم معرفي للأخلاق، فالإنسان عند كانط لا يكون أخلاقياً إلا بثلاثة أمور: حرية الإرادة، الخلود، والاعتقاد في الله ولو كمنظم أخلاقي. لأنه لا يكون لحرية الإرادة والخلود معنى من غير إثبات الوجود الإلهي، فأثبت الوجود الإلهي على نحو براغماتي وتوسلي وعملي في كتابه كما يذكر الأستاذ عمر بسيوني.

الرؤية النفعيّة للأخلاق

جيرمي بنثام؛ صاحب المذهب النفعي في علم الأخلاق يقول: «لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيديْن، هما: اللذة والألم. فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا». وكانط كان من الرافضين المنتقدين للمذهب النفعي إذ يرى أن الحرية المُمارسة في إطار تحقيق اللذة ودفع الألم حرية شهوانية من جنس حرية الحيوان. وربما كانت الحرية الشهوانية ذاتها المُبرر لكلام أستاذ الفلسفة الأخلاقية الملحد بيتر سنجر في وصفهِ للعلاقة الجنسية بين الإنسان والحيوان بالأمر المحمود ما دامت العلاقة تحقق اللذة والاستمتاع للطرفين!

يُعلّق الفيلسوف بيجوفيتش عن هذه النظرة للأخلاق بقوله: «هذه النظرة تجعل من الأخلاق مجرد أنانيـة مهـذبة. مصلحـة فرد مفهـومة ومقدّرة. إنما يتدخل العقل ليحول هذه الرغبة في اللذة إلى مطلب أخلاقي، ويفسح الذكاء والذاكرة والرؤيـة أمام الإنسان ليرى الماضي والمستقبل، بالإضافة إلى الحاضر. وهكذا، لا يحفز سلوك الإنسان فقط مصلحته الحاضرة الآنيّة، وإنما النهاية السعيدة في كلّيتها. وفي ضوء هذه الحِسْبة، يحوِّل الإنسان مشاعر الألم، واللذة ـ وهي حقائق بيولوجية حيوانية داروينية ـ إلى مفهومي الخير والشر. فالخير والشر ليسا سوى اللذة والألم تضاعفا بالفطنة والتفكير والحساب.

وهكذا، تنحصر أخلاقيات المنفعة في حدود الطبيعة، وينحسر بصرها عند أسوار هذا العالم الدنيوي. فهي لا يمكن أن تتقدم وراء حدود المصلحة لكي تصبح أخلاقية بالمعنى الأصيل لهذه الكلمة.

إن الخبرة الإنسانية كلها في مجال الأخلاق تناقض هذه الفكرة المادية، والأخلاق ليست مربحة بالمعنى العام لهذه الكلمة، إن حماية العجزة والمُقعدين، أو العناية بالمعوّقين والمرضى الذين لا أمل في شفائهم، كل ذلك ليس من قبيل السعي وراء الفائدة. فالأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير المنفعة».

مؤمنون بدون أخلاق وملاحدة بأخلاق

في إطار حديثه عن الإلحاد والأخلاق يقول الأستاذ المسيحي فرنك توريك: «لا أقول بأن الملاحدة لا يعرفون الأخلاق وإنما أقول إنهم لا يمكنهم تبرير الأخلاق. نعم يمكنهم التصرّف بخُلق ويمكنهم الحكم على بعض الأفعال بأنها أخلاقية أو لاأخلاقية، لكنهم لا يستطيعون توفير قاعدة موضوعية لأحكامهم الأخلاقية». وبقولٍ آخر يفتتح الرئيس بيجوفيتش فصل «الأخلاق» في كتابه بعبارة: «يوجد ملحدون على أخلاق ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي»

وكلاهما خاسر، وإن تفاوتت خسارتهما ولم تتساو؛ المؤمن مفتقدٌ للأخلاق، والملحد مفتقدٌ للإيمان بالله، الأول ترك فعل الصالحات والثاني ترك الإيمان بالله.

قال الله تعالى: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد