تعطي الثقافة الشكل (الثوب) للظرف الاجتماعي، بقدر ما يهمني الأمر، فإنّ الظرف الثقافي عامل معطى، إنّه ناتج وحدث للتاريخ، لا أعرف لماذا لا ترتدي نساء الكاشين قبعات مع قصة شعر قصيرة قبل أن يتزوجن، ولكنّهن يضعن قبعات ضيقة بعد ذلك، بقدر أننّي لا أعرف لماذا تضع الإنجليزيات خاتمًا على إصبع معين للإشارة إلى التغيير نفسه الحاصل في المكانة الاجتماعية، كل ما أنا مهتم به أنّه في هذا السياق الكاشيني فإنّ توسم القبعة الضيقة من قبل امرأة يحمل هذا المغزى، إنه تعبير عن المكانة «الاجتماعية» للمرأة.

لذلك حاولت الذخيرة الفنية للرموز الأوروبية، أن تحيد الاختلافات القومية، مثل واضح، والذي يظهر كلًّا من إبداع وربما هشاشة «هندسة الهوية» الأوروبية المعاصرة، هو رمزية الورقة النقدية اليورو، بدلًا من تصوير البنايات الأوروبية القائمة، والمناظر الطبيعية، وما إلى ذلك «مما قد يؤدي إلى شعور بالاغتراب عن بقية الدول الأوروبية»، تصور الأوراق النقدية بنايات متخيلة، كلاسيكية وحديثة، لا يوجد أي منها في الواقع ولكنهما جميعًا قد تظهر كأنها أوروبية في الشخصية، تقريبًا مثل العديد من النماذج المثالية الأفلاطونية، وفي هذا السياق، باقتراح أن الناس يحاولون أن يحسنوا ظرفهم، لا وجود لافتراض ضمني بأن الناس يتصرفون من منطلق دوافع «اقتصادية»، وحتى إن فعلوا ذلك، كما في حالة الصيرورة التجارية، فإن الكثير على المحك من مجرد الكسب الاقتصادي، من حيث إن القيم التي يقصدها الناس محددة ثقافيًّا، ولا تبدو دائمًا عقلانية من وجهة النظر الاقتصادية.

عندما يذهب الهندي الترينيدادي ليؤدي صلاة البوجا في المعبد المحلي، أو عندما يحضر الجامايكي في لندن حفل موسيقى الريغي، فإنهم يتصرفون بتلك الطريقة؛ لأنهم يجدونها ذات معنى بصورة جوهرية، ليس لأسباب سياسية، فقط عندما يكون الواحد قادرًا على أن يستغل الرمزية المحيطة بالبوجا، أو الحفل الموسيقي لأهداف سياسية، فإنها يمكن أن تستغل في تنظيم عرقي، والتي قد ينجم عنها المواجهات مع الدولة، نظمت الجماعات الهندية بصورة مؤثرة، ونجحت في حشد الموارد السياسية، كما نجحت في تعلم الثقافة واستخدامها استراتيجيات في المفاوضات السياسية.

وهكذا، ينبغي الإشارة إلى أن المجال الذي قد يكون خصبًا على وجه التحديد «إذا ما سمح بالمجاز» من أجل التحقق من الديناميكيات بين ولاءات الجماعة والجندر، هو الرياضة، الرياضات المشاهدة في معظم المجتمعات يهيمن عليها الذكور، وتقدم لنا رمزية غنية لم تحلل بصورة مناسبة حتى الآن بالعلاقة مع القومية، العنف، والجنس.

يكاد يكون من الصعب على رجل أن يرتبط بجماعة أنثوية عسكرية، كأن عليه أن يغير عضويته العرقية بصورة مطلقة، النقطة ليست، إذن، أن كل مفهومات فروق الجندر أو الفروق الثقافية هي اختراعات خالصة، بل إن كل تمييز -ًامهما بدا «موضوعيًّا» أو «طبيعيًّا»– في حاجة إلى أن يرمز ثقافيًّا لكي يعترف به.

ولذلك يتكلم البغل الأفريقي الشمالي دائمًا عن أخي أمه، الحصان، ولكنه لا يتكلم على الإطلاق عن أبيه، الحمار، للآخرين ممن يفترض أنهم يتمتعون بسمعة أكبر.

كوني عربيًّا، لا يعنيني الشأن التركي –مثلًا- إلا في ما يخصّ الأراضي العربية. الأتراك أعتقد أنهم قادرون على تحديد ما تحتاجه بلدهم، وأتفّهم أن ألوفًا تمنّوا النصر لأردوغان، لأنّ بلدانهم طردتهم للأسف. وتبقى المسألة مسألة سياسية محضة، لا أخلاقيّة، وإن حاول «ثوار» الربيع العربيّ أن يضفوا عليها الطابع الأخلاقيّ.

وبذلك استعملت الافكار الجيوسياسية لتبرير الطموح التوسعي لبعض الدول، وكونت النحو أحيانًا كثيرة عقلية استعمارية.

إن تجربة الإدارات الذاتية في الشرق الأوسط أثبتت فشلها؛ إذ وقعت في الفساد، والنهب، والاغتناء على حساب بقية المجتمع. ونحن نرى أن الدول الشرق أوسطية هي شكل مطور من أشكال الإدارة الذاتية، التي اخترعها الغرب السلطوي كتدابير اصطناعية لاستئناف سيطرته من خلال توسله بالمبدأ الاستعماري القديم «تقرير المصير»، ما إن نظرنا من منهج النظام العالمي الاستعماري الذي بقيّ ممسكًا بتلابيبها.

على الرغم من تعثرها الذي يفتح على معاودة السقوط في متاهات البحث عن هوية كما يعلمنا الدرس المعرفي في التاريخ الإسلامي بفشل المحاولات، التي تبقى غير مكتملة، في اشتقاق نموذج تحكمي من التقاليد «ابن سينا، ابن تيمية، ابن رشد».

وأشير هنا إلى حوار مع شاب إسلاموي يقترح حلاًّ للتخلص من عنف الدولة تجاه الجماعات الأهلية، فهو يرى ضرورة أن تعطل هذه الجماعات، التي تعمل بصيغ التقاليد العرفية بالمعنى الذي قصده طلال أسد، نفسها، وتفكك أشكال شرعيتها، وتعمل على إحلال آمرية مركزية صارمة، وبالتالي توسيع الصيغ القانونية التعويضية كي تتخلص نهائيًّا من استمرار عنف الدولة تجاهها. ونحن نشير هنا، للمفارقة، إلى أن مؤسس علم الاجتماع دوركايم أشغل نفسه بكيفية ملء الفراغ الذي تركه اندثار الأصناف المهنية (Corporation) بما هي أشكال ضرورية للتوسط بين السلطة والمجتمع تقوم على الاعتراف بمرجعيات متعددة لفعالية الكلام، والذي نظر دوركايم نفسه لهذا الاندثار قد عاود في كتاباته إلى العمل على استعادتها، من خلال دفاعه عن الأصناف المهنية، وهو ما نجده أيضًا عند فيبر في استعادة المثل العليا القديمة، والذي يبلغ عند بورديو أعلى درجاته في ممانعته النفعية، وإن كانت هذه الاستعادة للحمة القديمة بأشكال مطورة في قلب الدولة والمجال العام.

وفي هذا الصدد، تكونت ملامح الفلسفة السياسية لما بات يُعرف اليوم بأزمة المهاجرين، والنازحين، واللاجئين، في أوروبا والعالم العربي، والتي هي نتاج لإرهاصات سابقة تمثلت في وجود تفاعلات سياسية، وثقافية، واجتماعية بين الدول، وبعضها بعضًا؛ إذ تزامن توسع الجماعة الأوروبية مع جملة من التحديات في منطقة الشرق الأوسط «الحرب العراقية– الإيرانية، والحرب الأهلية في لبنان، والصراع العربي– الإسرائيلي»؛ ما دفع دول الخليج التي تربطها علاقات تحالف استراتيجي بالولايات المتحدة إلى البحث عن صيغة تكاملية لضمان استقرارها.

لذلك كان تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية نقطة تحول في العلاقات العربية– الأوروبية، خاصة عند توقيع/ ترقيع الجماعة الأوروبية اتفاق التعاون عام 1988، والذي جاء نتيجة لسلسة من المفاوضات والاجتماعات.

كما تزامن انهيار الاتحاد السوفيتي، بصفته قوة دولية، مع صعود قوة اقتصادية جديدة هي الاتحاد الأوروبي مع توقيع اتفاقية ماسترخت 1992، ودخلت حيز التنفيذ عام 1993، وتسارعت عجلة التكامل الأوروبي؛ ما عزز الدور الخارجي للاتحاد، وتبني سياسة خارجية تجاه المنطقة العربية.

ومن هذا المنطلق، فقد أحدثت تلك الفلسفة السياسية تطورًا ملحوظًا فيما يتعلق بإدارة تفاعلات «المهاجرين، والنازحين، واللاجئين» في عدد من الدول الأوروبية والعربية، التي عمت فيها الفوضى وحالة من عدم الاستقرار، كما في مصر، وليبيا، وسورية، والعراق، واليمن، ومن ثم ّ باتت الحاجة ضرورية لدى الجانب الأوروبي إلى بحث ترتيبات أمنية ودفاعية مشتركة مع دول الخليج، بوصفها المنطقة الأكثر استقرارًا، والكتلة المتماسكة اقتصاديًّا وسياسيًّا.

وسيأتي أحدهم لاحقًا، متأثرًا بجان بودريارد على الأرجح، قائلًا إن «حروبنا الحالية» لم تقع، متشبهًا بعبارة الفيلسوف الفرنسيّ «حرب الخليج لم تقع». وسيكون، أغلب الظنّ، ذا صواب وحنكة في التأويل. ها هي الحروب مُمسْرحَة، ومتلبسة بطابع إعلاميّ. لعلّ ما يفتقده عالمنا ما بعد الحديث بجدّ هو الحرب، الحرب الحقيقيّة. الآن حروبنا «هادئة». وهي ليست حروبًا لأنّها ليست متكافئة دائمًا. ودائمًا الأفقر فيها هو الأكثر نسيانًا. مَن يذكر اليمن اليوم؟ من حاربوها ودمروها حتى آخر بنيان. «أتعلمُ أن جراح الشهيد تظلّ عن الثأر تستفهمُ»، قالها الجواهريّ. وكلّنا ذوو ثأر ممّن دمروا، ومولوا، وخربوا. الثأر آتٍ، ذلك وعد الله وحكمة التاريخ.

ومن هنا تجلت أبرز ملامح جدلية تلك الفلسفة السياسية، بأنّ التنظيم الاجتماعي أكثر جوهرية من الثقافة، ولكن مع إضفاء البعد الأنثروبولوجي في مجال العلاقات السياسية، فعلى ضوء ذلك الجدل يمكن تركيز البحث على الحدود التي تحدّ الجماعة وليس «المادة الخام الثقافية» التي تضمها، وفي مثل هذا السياق، نجد أن التعريفات للجماعات العرقية «تدعنا نفترض أن إدامة الحدود غير إشكالية، وتُستتبع من الاختلاف العنصري، الاختلاف الثقافي، الفصل الاجتماعي، وحواجز اللغة، العداوة العفوية والمنظمة».

ويأتي هذا الافتراض لسببين رئيسيين: يتعلق السبب الأول بالثقافة المشتركة، والسبب الآخر يتألف من تفسير استدامة وتبعات الحدود العرقية/ العرفية.

وأما من أبرز توجهات/ سيناريوهات ملامح هذه الفلسفة السياسية فقد تمثلّت في التحديات التالية:

– إيجاد سياسات جديدة لتشكل حركات اجتماعية جديدة ضمن إطار مؤسسي، وتعمل على إحداث تغيير/ تغير في البنية الاجتماعية للأطر المجتمعية المنضوية في إطار التركيبة المؤسسية.

– تعدد برامج تشكيل الوعي في ثنائية تتأرجح بين المناخات السياسية والفكرية، التي ينبغي توافرها لإدارة أولويات التعامل مع واقع اجتماعي متغير، لا سيما إذا كان التركيز على التفاعل الاجتماعي والتنظيم بدلًا من «المحتوى الثقافي».

– وضع أولويات جديدة لمواجهة التحديات الأمنية في ظل سياقات إعلامية متنوعة، ويُمكن أن تحدث تغيرًا في الأفكار الناجمة عن محاولات السيطرة على الوضع الأمني، ودراسة جدوى الخيّار العسكري في مواجهة تلك التحديات، الانضباط التكتيكي، وعلاقته بالمتغيرات والمستجدات على المستويين الدولي والإقليمي.

– المراجعة الذاتية للمفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالشأن الاجتماعي في دراسة جدوى البيئات التمكينية الحاضنة للنشء والشباب، في ضوء متغيرات البناء الثقافي.

– إيضاح دور الشبكة العنكبوتية «الإنترنت» في التأثير في الهويات، واللغة، والخطاب الشعبي، وبحسب المتغيرات البيئية والمناخية.

– البحث عن أدوات جديدة لمعيار «تعريف النظام الإقليمي» وإدارتها وفقًا لفلسفة سياسية معنية بإيجاد الآليات المناسبة وفقًا للمدخل (Approach)الذي يتلاءم مع سياسات/ فضاءات «السلام: الأمن الإقليمي».

– التعرف على الكيفية التي ساهمت فيها هذه الفلسفة السياسية في دعم عملية استقرار السياسية النقدية، والمالية،
ومن خلال هذه التحديات يُمكن الإجابة عن «سؤال الهوية» في إطار مراحل «عولمة الأفكار»، و«ميزان المسافة الاجتماعية» أو «القرب الاجتماعي»؛ والتي قد تعبر بشكل أو بآخر عن اللغة السياسية لصياغة «خطاب تعليمي/ تعلمي»، يتأرجح بين القرار السياسي، والقناعات التي تبلور أشكال الوحدة الوطنية، أو التماسك الاجتماعي، في إطار «الحلقة المفرغة للتعصب» لخيارات ما يُسمى «القومية والآخر».

ومما سبق، يمكن أن نُوجد استراتيجيات لنماذج مثالية، عمليًّا، بحيث ستدمج كل من تكتيكات الدولة واستجابات الأقلية عادة استراتيجيات الاستيعاب والعزل «أو الإدماج العرقي»، وقد تنقسم الأقليات حول قضايا الاستقلال، المصطلح الشائع لوصف المساومات بين الاستيعاب والعزل/ الإدماج، هو «التوحيد». ينطوي هذا على مشاركة الأقلية المتزامنة في المؤسسات المشتركة للمجتمع، وإعادة إنتاجها لهوية الجماعة والحدود العرقية، وقد تحلل العديد من علاقات الأكثرية الأقلية من خلال التركيز على التوتر بين المساواة والاختلاف على امتداد هذه الخطوط !

ويمكن هنا أن نشير إلى العلامة هنري كوربان «إذا كانت ألمانيا بالنسبة إليّ هي فضاء الميتافيزيقا، فإن إيران هي مكان التصوف والفلسفة بامتياز… إنها فضاء روحيّ بأكمله. فإيران وألمانيا عندي هما معلمان جغرافيان يرشدان إلى الجهات التي لا تكاد تظهر على خرائط أوروبا البتة».

وفي النهاية، سأجادل بأن هذه السمات/ التحديات تقريبًا واسعة الانتشار في «سياسات الاعتراف» الحديثة، سواء أكانت تتعامل مع سياسات الهوية من أسفل «من وجهة نظر الجماعات المهمشة أو الأقليات» أم من أعلى «من وجهة نظر دولة مهيمنة»، لكنني أعتقد بأن هذه المقالة يمكن أن تقدم مساهمة أنثروبولوجية وفلسفية للسجالات المستمرة عن حقوق الجماعة والتعددية الثقافية في مواجهة حقوق الفرد والليبرالية، المفهومات الخاضعة للتحقيق للمجتمع المحلي، والثقافة، والشتات، والانتماء القومي. لكنها ستقودنا إلى بُعد معياري «البوصلة الأخلاقية»، يتضمن إشكاليات التنوع العرقي الذي يأخذ تعقيدات المجتمعات الثنائية المعاصرة من وجهة نظر التماسك الاجتماعي وحقوق الأقلية.

*للتأمل: والنّحلُ يَجْنِي المُرَّ مِن نَوْرِ الرُّبَى.. فيعودُ شهْدًا في طريقِ رُضابِهِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعليم, عرق, فكر, هوية
عرض التعليقات
تحميل المزيد