أيها المسئولون! هلَّا خفضتم جناح الرحمة؛ حتى لا تأخذنا أجنحة الطائرات إلى الخارج؟

سؤال من الأهمية بمكان: لو كان رسول الله بيننا، وسألناه يا رسول الله! من أقرب الناس إليك منازلًا في الجنة؟ وتفاوتت الإجابات من الحضور مع هدوء تام، وابتسامة من النبى صلى الله عليه وسلم، منهم من قال: النبيون، ومنهم من قال: الصديقون، ومنهم من قال: الشهداء، ثم تنهد النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: أقربكم منى منازلًا أحسنكم خُلقًا. وفى رواية بصيغة المبالغه (أحاسنكم). عندما طُلب مني أن أكتب تحت جناح هذا الأمر، وهو باب الأخلاق، وجدت أنه من الواجب أن نوضح ما للفرد، وما للمسئول، وما على كل منهما، فكان لِزامًا أن أبدأ بنتيجة، وحالة نعيشها الآن، حالة من ضياع الأخلاق، وانعدامها واندثارها تحت أسِرة الغفلة، حالة شارك فيها كل من الفرد، والمسئول حتى تقاسما العقاب فصار الفرد متضررًا من انعدام خُلق المسئول، وصار المسئول متفاخرًا بكونه مسئولًا لا غير!

تقطعت أوصال فكرى للحظه ثم تجمعت حول كلمات للكواكبي، أظنها مبلغ الأمر، إذ إنه أرجع فيها ضياع أخلاق الفرد إلى ظلم، وجور المسؤول المستبد، وبالتالى ضياع أخلاقه هو الآخر كمسؤول.

يقول الكواكبى في الطبائع: إن الظلم والجور من المسئول قد يتصرفان ويحولان أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة إلى الأسوأ فيفسدانها، فيجعلان الإنسان يكفر بنعم مولاه؛ لأنه لا يملكها حق الملك؛ ليحمده عليها حق الحمد، ويجعله حاقدًا على قومه ومنهم هؤلاء المسئولون لأنهم عون لهذا البلاء، بل يجعله فاقدًا لحب وطنه؛ لأنه غير آمن على الاستقرار فيه، ويود لو انتقل منه، بل يجعله ضعيف الحب بعائلته؛ لأنه ليس مطمئنًا على دوام علاقتهم معه، بل مختل الثقة في صداقته مع أحبابه؛ لأنه يعلم منهم أنهم مثله، لايملكون التكافؤ، فقد يضطرون لإضرار صديقهم، بل قتله وهم باكون عليه.

انظر أيها المسئول إن سوء الخلق من جانبك وعدم خفضك لجناح الرحمه من أجل هذا الفرد جعله فاقدًا لأهلية الحياة الكريمة في وطنه وبلده مما جعلنا نعانى تهديدًا واضحًا في كل جوانب حياتنا اليومية والعملية والعلمية والاقتصادية والسياسية وغيرها، لقد تجاوز الفرد حد الشكر على نعمة مولاه فجحد النعمة، وأنكرها لسوء حال المسئول معه في أمر من الأمور، بل إن الفرد ليصبح ممتلئًا بالأحقاد لكل من ساهم وعاون فى ظلمه بما فيهم المسئولين والقائمين على هذا الأمر خاصته، ثم إننا نعانى من فوبيا الهجر، وترك الوطن، وغير ذلك من المسميات، هذا بسبب حالك أيها المسئول مع هذا الفرد، والأدهى أن هذا الفرد بعد أن فقد كل تلك المقومات التي تعينه على الحياي فقد بالكاد حبه لأفراد عائلته وأصدقائه.

لهذا أُوصيك ونفسي أيها المسئول بالتواضع وخفض الجناح، والبعد عن الكبر والتعالي والتعاظم، فإن المتكبر ينفر الناس منه، ولا يطمئنون إليه، وينفرون من محادثته، فعلى المسؤول أن يتقي الله ويبتعد عن هذا، وينقاد للحق، ويتواضع للخلق، يقول صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. ‎والله -تعالى- يقول: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. لقمان:18، فكلما المسئول كان متواضعًا قرب الناس منه، وبلغوا حاجاتهم، وتفاهموا معه فيما يعود بالخير في الحاضر والمستقبل ‎قال الله تعالى‏:‏ ‏‏واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين‏‏. ‏‏‏الشعراء 215‏‏.‏ ‎إذا كان هذا أمرٌُ من الله عز وجل لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخفض الجناح والبر والرحمة لأتباعه فهذا يدل على عظيم الفائدة من هذا الأمر.

تواضع أيها المسئول، تواضع، فلله وحده العزة والكبرياء، لاحظ حينما ندخل مسجدًا، يدخل شخص معه أعلى شهادة بالعالم، يدخل واحد أمي، مَن دخل أولًا يجلس أولًا، يدخل واحد معه مائتا مليون فهذا مليونير، يدخل مديونير، أي عليه ديون، يجلسان بمكان واحد، لا توجد طبقية في الإسلام، نعم لا توجد طبقيه بالإسلام، بل روح الجماعة، روح الإخوة، التي جعلت من المسلمين جسدًا واحدًا تصدر العالم، وقاده وغزاه وقت أن كان لتلك الأخلاق والأداب مكان بين الناس. وقت أن ساد التواضع والرحمة واللين والكلمة الطيبة التي تكون بمثابي الأثير للجسد، حينما يسمعها من توجه إليه.

لقد انتشر الإسلام وحكم وساد العالم بالتواضع، وكم من أناس دخلوا في الإسلام بسبب كلمات لا توصف، إلا بأنها خارجة من أجنحة رحمة ناطقها، فهذا سيدنا الصديق لما اشترى بلال من سيده صفوان، أراد صفوان أن يهين بلالًا، قال له: ‎ والله لو دفعت فيه درهمًا لبعتكه. درهم أبيعك إياه. ‎ قال له: والله لو طلبت به مائة ألف درهمٍ لدفعتها لك. ووضع يده تحت إبطه، قال: هذا أخي في الله حقًا. ‎هذا صديق الأمة، وصاحب رسول الله، وثانى اثنين يتخلق بهذا الخلق الكريم، فيكرم بلالًا بقوله: والله لو طلبت به مائة ألف درهمٍ لدفعتها لك؛ هذا أخي في الله حقًا، ما هذا الإسلام؟

أخوك في الله، مثقف، غير مثقف، فقير، غني، مدني، ريفي، هذا كله تحت القدم. ‎وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. ‏‏رواه البخارى. ‎انظروا؛ فلو ساد هذا الخلق لكان للرحمه السواد العظيم من معاملاتنا اليومية، بل لازددنا نحن المسلمين عزًا فيما بيننا، وارتفع شأننا بين الناس وبين الأمم، فهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ومازاد الله عبدًا بعفو، إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه. ‎فإن اختفت تلك الأخلاق وانعدمت؛ ساءت أمورنا وصرنا ما بين متكبر وجاهل وناقم وحاقد على كل صاحب منصب أو مسئول.

ماذا يقول سيدنا علي؟ ‎دقق في هذا القول؛ هذا من نهج البلاغة، يقول: قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالمٌ مستعمل علمه، أي عالم عامل، عالم مطبِّق استخدم علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، جاهل متواضع يعلم أن هناك إنسانين لا يتعلمان: المستكبر، والمستحي، لا يتعلمان، فأنت أيها المستكبر، لا ولن تتعلم، فضلًا عن أنك تسببت في ضياع وانعدام الخلق عند غيرك ممن انت مسئول عنهم، كما ذكرنا من كلمات للكواكبي. ‎لهذا أيها المسؤلون، وكل من ملّكه الله منصبًا واسترعاه على غيره أنت مسئول وموقوف ومُحاسب أمام الله عن هذه المسؤلية، قبل ان تُسأل عن عملك، فاتق الله واستوص بكلام حبيبك النبي: ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. فاخفضوا لنا أجنحة الرحمة؛ حتى لا نتمنى أن تخفض لنا الطائرات أجنحتها إلى خارج أرضكم؛ حتى نلتقي أمام الله ونخاصمكم عنده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد