بدأ العمل بالدعم مند الحقبة الاستعمارية وبالضبط سنة 1941 بإحداث صندوق المقاصة بموجب ظهير شريف، لدعم الأسعار وتجاوز العراقيل التي تشكل خطرًا على السلم الاجتماعي، وتمت إعادة تنظيمه بموجب الظهير الشريف الصادر في سبتمبر 1977. كما عرف تغييرات جذرية خاصة خلال سنوات الثمانينيات إبان تطبيق مخطط التقويم الهيكلي والذي نتجت عنه اضطرابات اجتماعية خطيرة. وهو صندوق يسير حاليًا تحث إشراف رئيس الحكومة.

خلال السنوات الماضية وصلت نفقات المقاصة حسب وزارة الحكامة إلى أرقام قياسية أرهقت الميزانية العامة للدولة، حيث انتقلت من 4 مليارات درهم سنة 2002 إلى 56 مليار درهم سنة 2012. وتمكنت الحكومة الحالية بفضل سياسة تقشفية صارمة، ألبستها جبة الإصلاح، من التقليص التدريجي لكلفتها، لتصل إلى حدود 15.5 مليار درهم في توقعات قانون المالية لسنة 2016. حيث تم رفع الدعم الكلي عن المحروقات، وتخفيض الدعم الموجه للسكر بملياري درهم على أساس أن يحذف لاحقًا بشكل كلي. والتفكير باتباع نفس النهج مع الدقيق الوطني من القمح اللين وغاز البوتان. هذا المنحى المتسارع دون وضع خطة واضحة للاستهداف المباشر ينذر بمشاكل اجتماعية خطيرة وعلى الحكومة أن تتحمل نتائجها مستقبلًا.

في تحليلنا لهذا الموضوع سنشير إلى المواد التي كان يشملها الدعم إلى أجل قريب، قبل المرور إلى اقتراح بعض آليات الاستهداف الممكنة والمشاكل المحتمل أن تواجهها.

رفع الدعم عن الدقيق المدعم بدعوى أن الأغنياء يستفيدون منه لا أساس له من الصحة. فجودة الدقيق المدعم الذي يباع بمئة درهم للعموم رديئة، لدرجة أنه في بعض الأحيان يصعب التفريق بين قطعة خبز مصنوعة من ذاك الدقيق وقطعة خبز مصنوعة من الطين، وفي أحيان أخرى يكون مذاقه غريبًا نوعًا ما. وغالبًا ما يبرر القرويون استهلاكهم له بقلة ذات اليد، مع العلم أنهم يربطون ما يعانون منه من أمراض الجهاز الهضمي بهذا الدقيق (فرينا).

أما دعم غاز البوتان الذي كان سيتجاوز ثمانية عشر مليار درهم لولا انخفاض أسعار المحروقات في السوق الدولية، بسبب لجوء الفلاحين إلى مضخات المياه التي تعمل بالغاز عوض الكازوال لربح الفارق السعري بين المادتين. بالإضافة إلى استعمالها المكثف في مجالات إنتاجية أخرى لها القدرة على تحمل تكلفتها الحقيقية. في هذه الحالة، ربما يمكن تبريره بكون حصة الأسد تذهب إلى غير مستحقيه. لكن هذا لا يبرر رفع الدعم عنه دون بدائل خاصة أن المغرب بدأ العمل بسياسات بيئية للحفاظ على موروثه الطبيعي والبيئي، فأكبر المتضررين سيكون الغابة بتحويل أشجارها ليس فقط إلى حطب للتدفئة بل حتى للطبخ.

السكر كذلك تستفيد منه الشركات وبعض القطاعات التجارية. لكن بعضها يرد الدعم للدولة بضخ نسبة توافق الكمية المستهلكة في خزينتها. كما يستعمله الفقراء في كل المناطق دون استثناء.

بالنسبة للمحروقات فوضعها يختلف عن المواد الأخرى، فرفع الدعم الكلي عنها يستفيد حاليًا من انخفاض حاد في أسعار البترول على الصعيد العالمي والذي يرتقب أن يستمر خلال السنوات المقبلة، إذا ما استمرت الصراعات الجيوسياسية الحالية بين الدول الكبرى وغياب التوافق بين الدول المنتجة داخل منظمة أوبك وخارجها. وفي حالة ارتفاعها من جديد فإن الدولة لا محالة ستضطر إلى إرجاع نظام المقايسة لإبقاء الأسعار في حدود معينة، حماية للقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين.

فيما يخص آليات الاستهداف فهي لا تقل أهمية عن رفع الدعم نفسه. إذ كان يجب أولا التفكير في الفئة التي تستحق الاستفادة من دعم صندوق المقاصة. وليس رفع الدعم وانتظار التوصل إلى اتفاق حول من يجب أن يشملهم الدعم. وسنعرج هنا على بعض التوليفات الممكنة والتي لكل منها خصوصياتها:

أولًا: استهداف الفئات الفقيرة والهشة بالاعتماد على بطاقة “راميد” غير واقعي، خاصة بعد ورود معلومات باعتراف السلطات المختصة حول استعماله من طرف أشخاص هم في غنى عنه، دون القيام ببحث مدقق حول المستفيدين خاصة في المناطق الحضرية وشبه الحضرية. أما العالم القروي فكل شيء واضح وظاهر للعيان. أي أنه في بعض الأحيان يكفي الموقع الجغرافي لمعرفة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للساكنة. فالمناطق الجبلية مثلا، لا تشكل أي عائق على اعتبار أن الساكنة كلها تحتاج إلى الدعم، ليس فقط المادي، بل حتى المعنوي.

ثانيًا: الاعتماد على لوائح المستفيدات من الدعم الموجه للأرامل، مع إضافة لائحة خاصة بالمعوزين، وهنا نعود من جديد إلى إشكالية المعايير التي ستحدد بها اللائحة الإضافية. والتي يمكن تجاوزها بطلب التصريح بالممتلكات ووثيقة تثبيت عدم الخضوع لأي ضريبة، مع إجراء السلطات المحلية للأبحاث الميدانية حول الموجودين داخل نفوذهم الترابي. وبناء على دراسة الملف وتقرير البحث، تحدد الفئة التي ينتمي إليها المعني بالأمر. ولكن هنا، تطرح لدينا صعوبة التنزيل في المناطق الحضرية الكبرى في الجانب المرتبط بالبحث الميداني.

كما لا يجب إغفال أن وجود أبناء يعملون، لا يعني بالضرورة حرمان الآباء المسنين من الاستفادة. فهناك من لديهم أبناء في كل ربوع المعمور ويعيشون أوضاعًا مزرية يندى لها الجبين. وهناك، كذلك، من لا يعيشون مع أبنائهم تحت سقف واحد. من جهة أخرى يطرح إشكال دعم الطبقة المتوسطة، فقدرتها الشرائية كذلك ستتضرر من رفع الدعم. وما إذا كان رفع أجور السلالم الدنيا بنسبة تقارب الدعم الموجه للمعوزين سيفي بالغرض من عدمه.

بالنسبة لطريقة توزيع الدعم، فإن استهداف الفئات الفقيرة بالعمل بالبون لا يظهر منطقيا ونحن في القرن الحادي والعشرين، حيت سيضطر المستفيدون إلى التجمع في طوابير أمام المؤسسات المعنية بتوزيع الدعم في منظر يسيء لهم قبل أن يسيء إلى صورة تطور الدولة. لهذا يجب أن تتم العملية عن طريق البنوك، أي أن المستهدفين من الدعم عليهم أن يتوفروا على بطاقات بنكية تمكنهم من سحب أموالهم دون وساطة أي هيئة أو مؤسسة كيفما كان توجهها. وذلك تسهيلًا للمراقبة الدورية لمسار الأموال وعدد وأسماء المستهدفين.

في الأخير يجيب أن نشير إلى ضرورة إدلاء الجميع بدلوهم حول الموضوع لوضع أرضية لأفكار عملية، قابلة للتطبيق لهذا المشكل المصيري الذي يتفق الجميع على ضرورة تخصيص دعمه حصرًا للفقراء. لكن ذلك لا يعني رفع الدعم الكلي عن جميع المواد بدعوى إثقال كاهل الدولة بمصاريف لا تذهب أصلًا إلى مستحقيها، لكون ذلك بدون بدائل لن يزيد إلا في تأزيم حياة الطبقات الهشة المتأزمة أصلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدعم, المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد