ارتكب «مرسي» خطًا تاريخيًّا عندما حصر الرئاسة في الجماعة والعشيرة، فانفصل عن قطاع كبير من الشعب، فسهّل إطاحته، وعندما يختار «السيسي» المواجهة الفورية مع قضية الدعم الذي يمثل صمام الأمان لقطاعٍ كبيرٍ من الشعب، بالرغم من أن حجم الفساد يُقدر بأضعاف حجم الدعم، وهو الأولى بالمواجهة الفورية، عندها يكون «السيسي» يكاد يكرر خطأ «مرسي» التاريخي بالانفصال عن قطاع كبير من الشعب!

أضاع الإخوان المسلمون فرصة تاريخية، عندما جاءتهم فرصة حكم مصر بعد أكثر من 80 سنة، في سياق الانقلاب الناعم في 11 فبراير 2011 الذي استهدف بالأساس مواجهة غير مباشرة مع انتفاضة ملايين المصريين الذين صمدوا في الشوارع والميادين منذ 25 يناير وحتى 11 فبراير، والذي يستحيل المواجهة العسكرية المباشرة معهم، فكانت جماعة الإخوان المسلمين بمثابة «حصان طروادة» في هذه المواجهة، للتخلص وقطع الطريق على انتفاضة 25 يناير حتى لا تكتمل ثورة، على أن يتم التخلص لاحقـًا من جماعة الإخوان نفسها، عدو سلطة يوليو 52 التاريخي، وفي السياق نفسه التخلص من مشروع الوريث المدني، وصولًا إلى السيطرة المباشرة على السياسة والاقتصاد، بعد السيطرة غير المباشرة، كل ذلك في ضربة واحدة، واستعارة من ثوار يناير لشعار «النوبة دب بجد مش حنسبها لحد»!(1)

لقد راهنت الدولة العتيقة الحاكمة منذ 52 على النزعة الانتهازية «غباء الجشع» لدى الجماعة، بل شجعتها عليها! وهو ما تحققت نتائجه بالفعل عندما حاولت الجماعة الاستحواذ منفردةً بالسلطة، بحصر الحكم في يد الجماعة والعشيرة فقط، متوهمين أن السلطة التي حكمت منذ يوليو 52 يمكن أن تعطيهم سلطة حكم مصر لمجرد نجاحهم في انتخابات هي من نظمتها وأشرفت عليها! وعندما انفصل «مرسي/ الجماعة» عن باقي القوى السياسية «رغم انتهازية بعضها»، وانفصل عن قطاعات عريضة من الشعب، التي كان يجب أن يحتمي بها، سهّل إطاحته! إنه خطأ «مرسي» التاريخي، فهل يكرره «السيسي»؟!

تواجه مصر أزمة اقتصادية طاحنة، ذات خلفية سياسية حاكمة، خاصةً في العامين الأخيرين من حكم «السيسي»، وللخروج من هذه الأزمة الطاحنة، وبخلاف العديد من الخطوات الاقتصادية والسياسية الواجب اتخاذها، هناك قضيتان تساهمان بشكل كبير في تشكل هذه الأزمة، وهما قضية الفساد وقضية الدعم، بأبعادهما الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… إلخ، وبالرغم من أن حجم الفساد يُقدر بأضعاف حجم الدعم، إلا أن الإرادة السياسية قد توجهت نحو اختيار قضية الدعم لكي تكون لها الأولوية، لماذا؟!

لا يمكن مكافحة للفساد بدون حرية تداول المعلومات، لذا فإنه من المُلفت، أن يكتفي الدستور المصري 2014، بالحق في الإفصاح -مجرد الإفصاح- عن البيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية، دونما الحق في البحث والتنقيب عن الأخبار والمعلومات، وأيضًا دونما الحق في تلقي هذه المعلومات والأخبار من الغير، ومن الحق في إذاعتها بكل الوسائل! وهي الحقوق الواردة في العديد من المواثيق الدولية والإقليمية، والموّقَع عليها من الحكومة المصرية منذ عشرات السنين! تلك الحقوق الواردة في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أن المادة 32 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، 2004»» قد نصت على نفس هذا الحق، والذي نصت عليه أيضًا المادة 19 من «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» للأمم المتحدة، كذلك المادة التاسعة من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، إلا أنه حتى هذه الحقوق الدستورية المنقوصة والمقيدة، لم تتحقق بعد! لعدم صدور قانون حرية تداول المعلومات الذي ينظم العمل بها، وفقًا لنص الدستور نفسه!(2) الشيء نفسه ينطبق على غياب قانون حماية المبّلغين عن الفساد!

إن غياب قانون حرية تداول المعلومات، بالرغم من مرور أكثر من عامين على إقرار الدستور المصري، يجعل من محاولة الوصول إلى معلومات موثقة عن حجم الفساد عملية ليست فقط مستحيلة، إنما أيضًا محفوفة بمخاطر شديدة، حتى إن المسئول الرسمي الأول عن الرقابة في مصر حكم عليه بالسجن عندما أعلن عن نتائج التقارير الرسمية التي توصل إليها الجهاز الذي يرأسه! وبالرغم من أن دستوري 2012 الملغى، ودستور 2014 المعمول به حاليًا ألزما الجهاز المركزي للمحاسبات بإزالة عبارة «سري جدًّا» عن التقارير الرقابية، ونصا على علانيتها وتمكين المواطنين من الاطلاع على ما تتضمنه، ومع ذلك إلى الآن لم يرَ قانون الجهاز الذي ينظم مسألة العلانية وإتاحة المعلومات النور! وهذه العلانية الواردة في الدستور، هي ما تفسر قيام المستشار هشام جنينه رئيس الجهاز بعقد مؤتمرًا صحفيًّا -إعمالًا لمبدأ علانية التقارير- والذي أعلن فيه أن «حجم الفساد في مصر بلغ 600 مليار جنيه!» والذي عاد ليؤكد في حوار صحفي لاحق بأن حجم الفساد يتجاوز هذا الرقم بكثير!(3) (4)

وإذا ما أضفنا حجم أموال الصناديق الخاصة «الباب الخلفي للفساد»، والتي لم يعد إنشاؤها مقصورًا على سلطة رئيس الجمهورية، بل اتسع نطاقها في قانون الإدارة المحلية الذي أعطى الحق لرؤساء القرى أو المراكز أو المحافظات في إنشاء صناديق خاصة، حتى وصل عددها إلى ما يقارب 10 آلاف صندوق، وهي لا تدخل في الميزانية العامة للدولة، ولا رقابة عليها من مجلس النواب، والتي قدرت في 2010/ 2011 بحوالي 14.1 مليار دولار، وفقًا لسجلات البنك المركزي(5). وهو ما يعني أن أموال تلك الصناديق يمكن أن تحل مشاكل مصر، إضافة إلى تغطية عجز الموازنة! وهو ما يعني أيضًا إمكانية الاستغناء عن القروض الخارجية وشروطها القاسية.

كما أن عدم الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية، جعل الأغنياء لا يدفعون سوى 22.5% فقط من حصيلة الضرائب! وهوما يمثل أحد أوجه الفساد الضريبي. (6)

أما الأموال المهربة والتي صرحت «كاثرين آشتون»، المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي (سابقًا)، في فبراير 2012 «أن ما تمت سرقته وإهداره من أموال وأرصدة مصر الطبيعية خلال الـ15 عامًا الأخيرة من نظام مبارك يبلغ 5 تريليون دولار أمريكي، وهو مبلغ يكفي لتحويل مصر إلى دولة أوروبية متقدمة». (7)

عند المقارنة بين حجم الفساد وحجم الدعم، ودورهما في تحقيق العدالة الاجتماعية، نجد أن دعم المواد الغذائية والطّاقة يقدر بحوالي 20% من الميزانيّة السنوية، حيث يمثل دعم المواد الغذائية حد الكفاف لملايين المصريين، وصمام الأمان للانفجار الاجتماعي، كما أن الدعم الموجه للطاقة يستنزف الجزء الأكبر منه من قبل فئات قادرة لا يجب أن يتوجه إليها الدعم، حيث يمثل حصولها على هذا الدعم أحد أشكال الفساد.

ومع التدهور الحاد لحياة الطبقتين الدنيا والوسطى من الشعب المصري، حيث يعيش أكثر من نصف المصريّين تقريبًا على أقل من دولاريْن في اليوم، وحقق معدّل التضّخم السّنوي نسبة 9%، ومعدّل البطالة أكثر من 13%(8). كل ذلك يدعِم من أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة الفساد، وليس إلغاء الدعم والاقتراض بشروطه المجحفة.

إن إلغاء الدعم دون ربط الارتفاع المحتمل في أسعار السلع والخدمات، بارتفاع موازٍ في الأجور، يجعل من إلغاء الدعم أسوأ الحلول على الإطلاق، خاصةً أن الإلغاء التدريجي للدعم يجري على قدم وساق منذ عام 77، وأن الزيادة في قيمة الدعم خلال هذه الفترة، لم تكن تعبر عن زيادة حقيقية في قيمة الدعم، بسبب الانخفاض المتتالي لقيمة الجنيه المصري من ناحية، وللزيادة المطردة في عدد السكان من ناحية أخرى، كما أنه ليس صحيحًا أن الرؤساء السابقين كانوا يتجنبون خفض الدعم خشية اندلاع احتجاجات شعبية(9)، كل ما في الأمر أنه كان يتم تخفيض الدعم ولكن بشكل تدريجي، وليس أدّل على ذلك من التدهور المستمر لمستوى معيشة الفرد منذ عام 77 على الأقل.

كل المؤشرات تؤكد أن مؤسسة الفساد، هي أكبر مؤسسة في مصر، لا تضاهيها أي مؤسسة أخرى، هي الأكبر في الخبرة والانتشار والتمركز في مفاصل الدولة، مؤسسة الفساد ليست كتلةً صماء، إنما هي عدة شبكات للفساد، تتصارع أحيانًا، وتتعاون في أغلب الأحيان، تقودها وتضبط إيقاعها الشبكة الرئيسة «الزعيمة»، إنه نمط عمل المافيا والعصابات المنظمة(10). إن أخطبوط الفساد هذا، لن تستطيع أي قوى مواجهته، إلا في حالة واحدة فقط، حال احتمائها بالشعب -الواعي والمنظم-، وهو القوة الوحيدة التي لا تستطيع هزيمتها أي قوى أخرى، سواء داخلية أو خارجية، وبذلك لن يكون أمام من يريد محاربة الفساد سوى طريق واحد لا ثاني له، أن «يختار» طريق «سياسات» تنحاز لمصالح الشعب وتحتمي به، طبعًا على حساب مصالح مؤسسة الفساد أو بعضها على الأقل، (من البديهي أن الاختيار لا يكون في الفراغ، وإنما يتم الاختيار وفقًا للمصالح والتحالفات، لذا تم وضع كلمة يختار بين علامتي تنصيص).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي

المصادر

تحميل المزيد