الكثير منا يسمع ما يقال و يقرأ ما يكتب يفهمه ويستوعبه يؤيده أو يعترض عليه، ولكن باعتقادي أهم مما نسمع أو مما نقرأ، هو لم قيل هذا الكلام؟ ولم كتبت تلك الكتابة؟ فهي ذات أهمية أكبر مما نتصورها.

مثال: لو أن شخصًا بدأ يتحدث ليقول اليوم ذهبت إلى السوق وتبضعت وشريت هذا وذاك من المنتجات المختلفة، نندمج مع موضوعه ولربما سألناه بكم اشتريت هذا وبكم كان سعر ذاك، ولكننا نغفل عن سؤال مهم لماذا اشترى هذا ولماذا اقتنى ذاك؟ وما حاجة هذا الشخص لهذا الشيء، وهل كان بالإمكان عدم شرائه أم أنه مهم وكان بحاجة لشرائه.

السببية

عندما نسمع كثيرًا من الكلام لا نفسره، وإن كان هذا الحديث غريبًا على مسامعنا أو لا تدركه معارفنا وحتى لا نرهق أنفسنا بالتفكير فيه نستغل أول مخرج لنا لنلقي به في جُب الديمقراطية باعتبارها وجهة نظر، ولا نسأل أنفسنا على ماذا بناء وجهة النظر تلك، وما هي الأسس التي اتبعها والفكرة التي استقاها حتى يصل إليها، وما هو السبب والمسبب لأن يتبنى وجهة النظر هذه بالذات؟ بغض النظر إن كان رأيه صوابًا أو خطأ من منظورنا، وهنا تكمن السببية للوصول للمعرفة الحقيقة.

الكثير منا يدقق على وجهة النظر إن كانت تختلف مع وجهة نظره التي يأخذها أو الجانب الذي يقف معه ويؤيده، فيحاول بكل طريقة أن يبين أن هذا الموقف الذي يقفه الآخر أو وجهة النظر التي يتبناها والتي تعاكسه خاطئة، دون النظر لشخص الذي أورد هذا الرأي لماذا تبنى هذه النظرية بالأصل في تفسيره للأمر؟ وما هي الأسس التي بنى عليها رأيه؟ فحتى عند النقاش لو أرجعت هذا الشخص المتحمس لوجهة نظره خطوتين إلى الخلف سوف تجده يتلعثم، لأنه قال الرأي وقال ما يدعم هذا الرأي ولكنه لا يعرف لم تمخض هذا الرأي بالأساس؟ وإن كان يتفق معه فلا يفسرها وهذا خطأ شائع، فأنت تؤيد وجهة النظر تلك لأسباب معينة، وهو لو تسأله لوجدت أسبابًا تختلف عن أسبابك وتبتعد عنها أو على الأقل ليست بقوة وحجة أسبابك من منظورك أنت.

فنظرة الناس للأشياء تختلف من شخص لآخر، وكل منهم له سببه ومسبباته، وهذه لا تهتم بالأشياء غير ذات الأهمية، والتي تغلب عليها المزاجية والذوقية، فأنا مغرم بالقهوة التركية وغيري يفضلها عربية، وأيضًا بالتي تنحصر في الجوانب المادية ولا تتعارض مع الشرائع الدينية والصفات الأخلاقية، وتبقى في حيز الموارد المادية، فمثلًا أنا أفضل 4×4 من المركبات لأنها أرحب بالمساحة لأقل بها العائلة وأحمل بها الأمتعه، وغيري يفضلها لأنها عصية على الرمال وفي الصحراء لا يشق لها غبار.

الفعل وردة الفعل

وأيضاً بهذا الإطار ومن جانب آخر أهم من الفعل ورد الفعل، لم قام بهذا الفعل ليحدث هذا الحدث؟ وما هو الذي أوصل الفاعل أن يقوم بفعلته تلك؟ دائمًا الأفعال المقامة تكون لها تراكمات تراتبية بنيوية أودت بأن توصل الفاعل أن يأخذ هذه الخطوة ويفتعل تلك الفعلة، وهي الأسباب الرئيسية لمعرفة لم قام بهذا العمل المستهجن أو المستحسن، ومعرفتنا لذلك الأمر له من المنافع بحيث إن كان هذا الفعل أو الأمر الذي أقدم عليه جيد كيف نستطيع أن نفعله وننميه بحيث أن يقوم به غيره، وإن كان العكس كيف نكافحه ولا نجعل غيره يقع فيه.

دائمًا ما نأخذ الفعل وردة الفعل كما في قانون نيوتن الثالث، وعند النظر لها نجد الأغلب يأخذ بها وهو لا يعرفها، ولكن هي من النواميس الكونية ومجريات الحياة الطبيعية، وقوانينها الفيزيائية، وتأثيراتها السيكلوجية التي تضغط على النفس البشرية فتنتج تفاعلات فيسيلوجية تؤدي بأن يكون رد الفعل على الفعل المقام.

الحديث هنا أن كنا لا نتقبل هذا الفعل ونحاول أن نغيره بأي وسيلة إذًا لماذا لا نضع بالحسبان هذا الفعل أنه في يوم يقع ونوجد له حلولًا جاهزه لو وقع! لماذا نضع أنفسنا في ورطة حينها ونبحث عن حلول لها؟ ومن جهة أخرى أن كانت الأشياء تبدأ بفعل حتى تحرك رد الفعل، لماذا لا نقدم على خطوة الفعل؟ لماذا نأخذ في الأغلب دور ردة الفعل؟!

أخيرًا:

أعتقد يجب أن نعود للميتافيزيقيا في الكثير من الأمور، ونستعمل ولو أقل مقدار من الحتمية لمواجهة عالم أصبح غير متناه من لا حتمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد