«مصر وطن يعيش فينا وليست وطنا نعيش فيه».

نعلم جميعًا أن القائل هو البابا شنودة الثالث ولكن تخيل لو أنها صدرت من فم مصطفى حسني أو إبراهيم الفقي أو كريم إسماعيل؟

تخيلت؟ ستجدها مناسبة لما يقولون عادةً جُملةً وتفصيلًا، بل من الممكن أن تليق بهم وتناسبهم أكثر من نيافته!

يُعرف لغويًا الكلام الذي لا خير فيه ومما لا داعي له بالحشو.

فتقول حشو الكلام، أي الزائد الذي لا فائدة منه، بينما المعنى بلاغيًا عندما يُراد زيادة مُتعينة لغير فائدة، مثلًا قال أحدهم، «رفقًا بنفسك حتى لا تكسرها، فالنقصان شيء طبيعي لا بد أن تقبله من نفسك ومن غيرك».

إن الجملة السابقة ليست فقرة من امتحان اللغة العربية في قسم التعبير لطالب في الصف الرابع الإبتدائي، كلا! هي من ترهات أحد الدعاة الجدد.

الكلام الركيك، ضعيف اللغة، الذي يمكن أن يخاطب كل فرد على وجه البسيطة، هو ما يعجب القارئ ويشعره بأن المتحدث قد مس روحه وفهمه. وهو ما يُردد حينما يشاهد أحدهم كريم إسماعيل أو إبراهيم الفقي أو عمرو خالد، ولكنه في الواقع حشوًا.

قال قائل من إياهم «عش كل لحظة كأنها آخر لحظة، عش بالأمل، عش بالكفاح، عش بالصبر، عش بالحياة، وقدر قيمة الحياة» نراقب هنا تجلي أسمى مظاهر الحشو. فالخلطة السرية مقاديرها هي، أضف بعض الكلمات في إطار جميل، تتكون مفرداتها من المسُلًمات كحكمة المرحومة جدتي، فقل على سبيل المثال (إنك تضعف من الحب مش عيب بس العيب إنك متعرفش ده)، أرأيت؟ بسيطة وسهلة!

ترجم أحد الكتاب في موقع ساسة بوست، مقالًا عن العلوم الزائفة يمكنك الاطلاع عليه من هنا وذكر أنه من خصائص العلوم الزائفة أنها مادة تسويقية بامتياز، وليس لها أساس علمي، فهل تقبل ذلك يا صاحب الكتلة الموجودة في رأسك والمسماه بالعقل؟ الشجر والدواب خلقوا من أجلك أنت! وأنت بكل سهولة تسلم عقلك لهذا الحشو.

استكشف بنفسك المزيد من الخصائص من خلال قراءتك للمقال مصاحبًا إياه بعضًا من المقاطع لإخواننا «إياهم» لتتأكد من أن الحشو لديهم تجاوز مرحلة الهواية وأصبح في مرحلة الاحترافية.

قصة نشوء هذا العلم كما ذكرها الدكتور أحمد خالد توفيق، عندما قرر شخصان أمريكيان في عام 1975 أن يحددا أساليب النجاح وقواعد العمل لكي يقوم بها جميع الأشخاص، معتمدين على ثلاثة علماء نفسيين هم فريتس بيرلز وفرجينيا ساتير وإركسون، ومن هنا نشأت مجموعة من القواعد الجميلة جدًا التي جرت على الألسن مثل (لا يوجد هناك فشل ولكن توجد تجارب وخبرات)!

تخيل لو أن هناك من يعقد مؤتمرًا كبيرًا وحدثًا عظيم، يجمع منه عصب الحياة – ما شاء الله – مالًا كثيرًا، فتجده يحدثك عن كيفية شرب الماء، وكيفية الإمساك بالكوب وكيف تقوم بميل الكوب حتى تشرب… حشو!

فهكذا يفعل محترفو الحشو ومزاولوه! حيث يدعي علماؤه «إن صحَ اللفظ والتعبير بالأساس» من أنه «علم» يهدف إلى السعادة وتنظيم الوقت والسلام والرضا الداخلي، وفي تعريف آخر هو عملية توسيع القدرات التعليمية والخبرات للشعوب والمستهدف بهذا هو أن يصل الإنسان بمجهوده ومجهود ذويه إلى مستوى مرتفع من الإنتاج والدخل، وبحياة طويلة وصحية بجانب تنمية القدرات الإنسانية من خلال توفير فرص ملائمة للتعليم وزيادة الخبرات، فاهم حاجة؟

يقول الكاتب الساخر أسامة غريب «خبير التنمية البشرية والخبير الاستراتيجي يشتركان في أن كليهما يهذي و يتقاضي مالًا مقابل الهذيان!».

نأتي للحشو ذي النكهة الدينية، وهنا نجد معظم جمهور متابعيهم من أصحاب الوازع الديني الضعيف، سيقولون الحمدلله الذي هداني بفضل الأستاذ كريم إسماعيل، أو مصطفى حسني… أو أيهم ممن يبيعون الحشو بالكيلو.

«أما قضية ربطها بالكتاب والسنة فهذه مسألة أخرى أشد خطرًا لكونها تغطي فلسفاتها الباطلة بستار من الأدلة يغطي الحقيقة ويريد الفتنة والتلبيس»، هكذا جاوبت الدكتورة فوز عبد اللطيف كردي، أستاذة العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة بكلية التربية للبنات في جدة بالمملكة العربية السعودية.

فاستخدام الدين حتى ولو في غير موضعه سيضيف الدليل ذا الطعم الإيماني لأي ولكل شيء، فهل يمكنك أن تعترض عندما يقول أحدهم «رب لا تجعلني أدمن التفكير وأنت ولي التدبير» التواكل على الله وصرف الأدوية الروحية المسكنة سواءً أردت أم لم تُرد سيشعرك بالراحة ولكنه سيظل دائمًا وأبدًا… حشوًا.

التنمية البشرية سبوبة كعلم الأبراج. فحاول دائمًا آلا تأخذ بظاهر الأمور، ولو أعجبك حضورهم، فقال تعالى «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام» وتغرنك أيضًا كثرة السالكين، فعليك دائمًا أن تتحلى بسلاح النقد والنهج العلمي وتذكر حديث النبي «استفتِ قلبك ولو أفتوك أفتوك أفتوك» طبعًا هذا الحديث مشروط، بأن تقرأ.

فلابد أن يتغير الحال، فليس من المقبول أن نغير من قناة إلى قناة لنرى هذا وذاك ليملأوا رؤوسنا بالكلام المعسول والمنمق عديم النفع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد