في حفل عقيقة حضرْتُه، تَوقَّفَ حفظة القرآن عن القراءة الجماعية؛ وبينما هم في استراحة يشربون الشاي ويزدردون الحلوى تناول الكلمة أحد جيراني، لم يتدخل للحديث عن تجارته وإشهار الملابس التي يبيعها، وإنما لِيَجْأر بلهجة الفقه ويعطي موعظة عن الأسرة المسلمة. أخذ يشجع على تكثير النسل ويدعو إلى محاربة العزوف عن الزواج، ويرغِّب في تعدد الزوجات. ويوصي بحسن تربية الأطفال، مدعِّما آراءه بأحاديث نبوية كثيرة، منها ما اشتهر بالصحة ومنها الضعيف الموضوع والمنكر، عند انتهاء درسه أثْنَى عليه الحاضرون قائلين «جزاك الله خيرًا».

لماذا في هذا الموقف لا أحدَ أنْكَرَ على صاحبنا الحديث في الدين؟ ولماذا لم يعيبوا عليه الاستشهاد بأحاديث منسوبة زورًا إلى رسول الله؟

رغم أن بضاعته في الدين مُزْجاة جاءت موعظته سائغة للحاضرين، متماهية مع نظرتهم الدينية المؤطَّرة سلفًا على المقاس، كانوا ينتظرون منه السير على المنوال نفسه: جُمل مفيدة عن الالتزام بشرع الله، تُؤَثَّتُ ببعض المصطلحات الفقهية، وتُقْحَم فيها آثار مروية، بعبارة أخرى، ما دام المُتَفَيْقِه المُتَحَذْلِق لا يفكر من خارج الصندوق فهو مأمون الجانب، وإن لم يحفظ للعِلْم هيبته؛ لا حاجة للتدقيق في مصادره، ولِيأْتِ بما شاء من أحاديث منسوبة إلى رسول الله!

وبِمَعِيَّة ثُلَّة من «إخوانه في الله» أطاح تدريجيًّا هيمنة حفظة القرآن على الحفل، فرغم المقاومة التي أبداها أنصار الطريقة التقليدية، كان الانتقال سلِسا عبْر خلْق جوٍّ روحاني مُزدانٍ بالأناشيد والشعارات الدينية التي تتخللها التكبيرات، ومُفْعَم بشعور الاستعلاء الإيماني والانتماء إلى الصفوة التي تحرس العقيدة، بقي تيار الصحوة سيِّد الموقف حتى نهاية الحفل، مُعلنًا سحب البساط من تحت أقدام «الطلْبة»، وقد فُوِّتَتْ عليهم فرصة جنْي دخْلٍ إضافي من خلال جمْع نقودٍ يتفضل بها البسطاء من الناس مقابل الدعاء لمَرْضاهم وموتاهم، وكأنهم حلقة وصل بين الإنسان وربه.

في اليوم الموالي، بمجرد أن فتح المُسْتَشْيِخُ متجره شغَّل ملفًا صوتيًّا للقرآن المرتَّل، وبدأ كنْسَ واجهة محلِّه وتحية جيرانه من بائعي الملابس الذين يقومون بالروتين اليومي نفسه قبل بدء تقاطر الزبائن، لكن نشوة الانتصار في معركة بسط السيطرة على الحفل حفَّزتْه على توسيع منطقة نفوذه، ولا مُشَاحَّةَ في ما يقْدم عليه، فقد رفَع مكبر الصوت إلى أقصى مستوى لاعتقاده أن مُقْرِئه هو الأفضل ويستحق أن يُفرَض على أسماع الباقين وإن كانوا جميعًا منشغلين بتبادل المستجدات والتمنيات بيوم زاهر.

بَيْد أن الصوت المرتفع لم يكن وحده ما يقلق التجار، فهناك لوحة على واجهة متجره كُتِب عليها «بيع اللباس الشرعي»، أقَضَّت مضاجعهم بإيحائها إلى كون أزيائهم المعروضة غير شرعية، خاصة وأنهم يعتمدون على دُمْيات لعرض الملابس الجاهزة قد تكْشف ما مِن شأنه إثارة الغرائز والتحريض على الفسق والفجور، وقد عبَّر أبو حسام غيرَ ما مرة عن تحريم هذه التماثيل باعتبارها مضاهاة لخلق الله؛ وأبو حسام هذا من أبطال الليلة السابقة؛ لا أحدَ من التجار يناديه بهذا الاسم الذي يحن إلى الماضي، لكن هذا هو اللقب المخطوط على باب متجره المُندَسِّ بين محلات بيع الملابس، فهو محل لبيع الأجهزة الكهربائية كتب عليه «كهرباء السنة»؛ ولولا أني قرأت باللاتينية «electro sunnah» لاعْتقدتُ أنه يبيع آخر ما استجدَّ هذا العام من مُعدّات وقِطع كهربائية، لكن، ما إن تبدَّدَت الشُّبهة الأولى حتى ظهرتْ أخرى، هل يقصد كهرباء سُنِّية أم سُنَّة كهربائية؟! لم أنشغل كثيرًا بهذا اللُّبس الذي يكهرب الأعصاب، وانسقْتُ مع شبهة ثالثة عنَّت لي، ما دام هناك كهرباء للسُّنَّة فلا بد أنَّ صاحِب مَحلٍّ منافس، أكثر جرأة وأشد استغلالًا للدين، سبَقَه وأباح لنفسه كتابة «كهرباء القرآن». للأسف، بحثي المضني في كل أرجاء المدينة لم يُسْفر عن شيء وتبينَ خطأُ تخميني؛ وأخيرًا حمدت الله أننا في المغرب وليس في المشرق، وإلا لبقيتُ لِحد الآن أبحث عن «كهرباء الشيعة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد