من المتوقع أن يتحول أكثر من مليون ونصف المليون مسلم في أوروبا عن الإسلام إلى ديانة أخرى أو إلى الإلحاد في غضون ثلاثة عقود فقط! هذا ما ذكره تقرير لمركز بيو للأبحاث الاجتماعية في عدة تقارير له حول الأديان مثل دراسة مستقبل الأديان العالمي، ودراسة مستقبل السكان المسلمين في العالم، وغيرها من الدراسات التي تمت حتى العام 2016.

أُعدت هذه الدراسات في أكثر من 30 دولة أوربية تحديدًا جميع دول الاتحاد الأوروبيّ وأيضًا روسيا بوصفها جزءًا من أوروبا وكان الهدف هو قياس الهوية اجتماعيًّا وليس عقائديًّا أي بصرف النظر عن إن كان الشخص يمارس ديانته أو حتى بعيدًا عنها.

السبب الرئيسي المعلن لهذه الدراسات قياس مدى تأثر أوروبا بالمسلمين اللاجئين إلى أوروبا مؤخرًا. ومعرفة إلى أي مدى قد تكون هذه الهجرات الجماعية للاجئين سببًا في تغير التركيبة الدينية والاجتماعية في أوروبا.

ويبدو من ملخص التقارير المعلنة أنه سيكون هناك زيادة في أعداد المسلمين في أوروبا والسبب الرئيسي ليس هو تحول الأوروبيين إلى الإسلام، ولكن لأن المهاجرين إلى أوروبا من الغالبية المسلمة يتمتعون بنسبة خصوبة (معدل إنجاب) أعلى من المعدل الخاص بالمواطن الأوروبي وهو ما سيجعل أعداد المسلمين في أوروبا قد تتجاوز 50 مليون مسلم بحلول عام 2050.

يجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسات لم تفترض عودة اللاجئين إلى بلدانهم وإنما بقاؤهم واستوطانهم في أوروبا حتى في حالة انتهاء حالات الحروب والأسباب المؤدية من الأساس إلى الهجرة إلى أوروبا.

بالنسبة للجالىات المسلمة في أوروبا تمثل مثل هذه الدارسات فرصة جيدة لإلقاء الضوء علي بعض المعضلات الأساسية التي تواجه المسلم الأوروبي الذي أصبح جزءًا من نسيج اجتماعي كبير وبشكل أو بآخر قد يهتم بمعرفة بعض التحديات المستقبلية المتعلقة به شخصيًّا أو تلك المتعلقة بالجيل الثاني أو اللاحق من أبنائه وأحفاده، وهي فرصة لاستشراف المستقبل الاجتماعي والثقافي للبيئة الجديدة التي تنشأ فيها هذه الأجيال ومن ثم العمل من الآن لتهيئة الظروف المثلى للتعريف بها وطرق مواجهتها ووضع الخطط الكفيلة واللازمة لتقليل التأثر الناجم عنها للحد الأدنى.

قُدِّر عدد المسلمين في أوروبا عام 2010 بنحو 43 مليون مسلم موزعين على أكثر من 50 دولة أوروبية مع عدم احتساب روسيا التي يقدر عدد المسلمين بها نحو 15 مليون مسلم ومن المتوقع أن نسبة المسلمين في أوروبا سوف تتوقف عن الزيادة في غضون عدة عقود، والأسباب الأساسية لذلك كما يورد التقرير هو أن هناك أدلة تشير إلى ميل معظم المجموعات العرقية المهاجرة إلى أن تكون متشابهة في أنماط الخصوبة مع المجتمع الذي تعيش فيه بمرور الوقت خلال عدة أجيال رغم ميل المسلمين الحالي لإنجاب عدد كبير من الأطفال يزيد على المتوسط الخاص بالمواطن الأوروبي.

التقارير الخاصة بمستقبل المسلمين في أوروبا يضع ثلاثة سيناريوهات لزيادة أعداد المسلمين في أوروبا طبقًا لحجم الهجرة المتوقعة، ونسبة الخصوبة، ومعدل الإنجاب وبعض العوامل الأخرىر والافتراض القائم على أعلى معدل هجرة لن يزيد فيه أعداد المسلمين في أوروبا عن الرقم الذي قمنا بذكره أعلى وهو 50 مليونًا.

تشير هذه الدراسات أيضًا إلى أن التحول الديني غالبًا ما يتركز في سنوات الشباب البالغين، تقريبًا بين سن 15 و29 من العمر، وقد يحدث أحيانًا التغير في الانتماء الديني عندما يبتعد الشباب عن والديهم ويكوِّنون هويتهم الخاصة. في حين أن نسبة أقل لتغيير الدين تحدث للأشخاص في الأعمار اللاحقة.

ومن المتوقع عالميًّا أن يكون الإسلام هو الديانة الأسرع نموًّا من أي ديانة رئيسية أخرى على مستوى العالم، حيث سيصل عدد المسلمين في العالم إلى ما يقارب 2.8 مليار مسلم ولكن ستظل الديانة المسيحية هي المتقدمة بفارق بسيط عن الإسلام، حيث سيصل أعداد المنتسبين إلى المسيحية إلى 2.9 مليارات مسيحي، رغم معدل الخصوبة العالي لدى المسلمين، وسوف يشكل المسلمون في أوروبا ما نسبته 10% من عدد السكان في هذه القارة. هذه التقديرات للاتجاهات الديموغرافية حتى العام 2050 تفترض عدم حدوث أحداث كبرى مثل الحروب والمجاعات أو الأوبئة التي قد تؤثر في اتجاه الدراسة.

تشير الدراسات إلى أن نسبة الذكور اللاجئين إلى أوروبا مقارنة بالإناث هي 70% إلى 75% تقريبًا. أي إن هناك 75 شابًا أو رجلًا يواجهون أو سوف يواجهون عقبة حقيقية في الاقتران بشريك الحياة وتكوين أسرة والاستقرار الأسري المتعارف عليه اجتماعيًّا في بلداننا العربية، مع القيود الكبيرة التي تفرضها الدول الأوروبية من أجل لم شمل الأسر، خاصة اللاجئين منهم، وهذا جرس إنذار يجدر العمل على معالجته نظرًا إلى حجم الأثار المترتبة عليه مستقبلًا وتأثيره المباشر في أوضاع الجاليات المسلمة في أوروبا.

وكما هي سنة الكون في التعارف بين الشعوب فإن الاحتكاك الحالي والقادم بين المسلمين في أوروبا وبين الشعوب الأوروبية سينتج عنه لا محالة صدمات فكرية قوية، سيفقد فيها الطرفان العديد من الاشخاص ويتم اجتذابهم من الطرف الآخر، وهذه سنة الاحتكاك الكوني، وكلما كان التمسك بصلب العقيدة قويًّا كلما قلت نسبة الفاقد؛ غير أن هذه الصدمات الفكرية واضحة في ميادينها ومتباينة في قوتها، وتستمد قوتها من فاعليتها على الأرض ومدى مواءمتها لاحتياجات الفرد وتوازنه وبين ما يقدمه المجتمع.

ولأن قيمة أي إنسان أو جماعة إنسانية تتحدد بمقدار ما يعطون أو يقدمون للآخرين وليس بمقدار ما يأخذون، فلا بد أن يكون هذا هو المحدد الأساسي عند النظر إلى مستقبل الجالية العربية أو الإسلامية في أوروبا.

وبعيدًا عن جدلية الطريقة التي انتشر بها الإسلام في العالم سابقًا والطريقة التي قد يزيد بها الإسلام في أوروبا حاليًا، وإذا أمكننا القول إن الإسلام انتشر بإحدى طريقتين إما الفتح، وإما المعاملات التجارية، ومع علمنا أن زمان الفتوحات قد انتهى ولم يعد هناك فاتحون، يتبقى لنا المعاملات والقيم التي أمرنا الإسلام بها؛ تلك التي جعلت الملايين من شعوب آسيا يدخل الإسلام طوعًا وحبًّا في مثل هذه الأخلاق والقيم، تلك التي نستطيع أن نجذب بها مناصريها في كل مكان ليس في أوروبا فقط، فالصدق والأمانة والوفاء وغيرها من القيم الإنسانية العليا تصنع في قلوب الغالبية العظمى من البشر تقديرًا لهؤلاء الآخذين بها بصرف النظر عن ديانته.

والإنسان الأوروبي مثله مثل باقي البشر يميل لأن يعطي الناس تصنيفات ولو من باب الفهرسة الذهنية؛ فعندما يُسأل أحدهم عن شعب ما أو دولة ما غالبًا ما يكون هناك فكرة سائدة عن الشعب أو الدولة أو الجماعة العرقية هذه؛ والسؤال الآن ما الفكرة التي نريد أن نصنعها لأنفسنا في وسط هذا المجتمع الجديد الناشئ في أوروبا؟

قد يعتقد الكثير وهو أمر واقع للأسف حاليًا، أن الفكرة الغالبة على المسلمين الآن في أوروبا هي الإرهاب أو ميلهم للعنف. ولكن سؤالي مستقبلي أي بعد مائة أو مئتين أو ربما خمسمائة عام من الآن. ما الفكرة التي نريد لها أن تتوطن في ذهن الغرب؟ هذا هو السؤال وأيًّا كانت الإجابة فإن طريقها المختصر ويكاد يكون الوحيد سوف يمر من باب المعاملات والأخلاق وليس من أي باب آخر.

ولعل تلك السرديات عن معارك آخر الزمان سواء مع اليهود في فلسطين، أو قبل خروج الدجال وفتح روما، لا تدخل من باب المواجهة التي تهدف إلى نشر الإسلام وتعريف عوام الشعوب الأخرى برسالتنا، بل من باب الدفاع ومجابهة ظلم الآخر وتعديه، ولأن المبتغى الأساسي هو التعريف بالدين، وهو ما سعى إليه النبي، صلي الله عليه وسلم، منذ بداية الدعوة حينما قال: «خلو بيني وبين الناس».

من المدينة انطلقت رسل النبي، صلى الله عليه وسلم، لكل الملوك والقبائل التي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعتقد أنهم أقرب الناس للاحتكاك المباشر مع العقيدة الإسلامية الوليدة، ولأن عوام الفرس والروم لم يكن ليعلموا عن الإسلام مع منع ملوكهم لأي انتشار لهذا الدين الجديد الذي يخالف كل ما يؤمنون به وكل ما يجعلهم يسيطرون حينها على مقاليد الحكم في بلادهم، فإن الجيوش الإسلامية لم تبدأ في التحرك قبل أن يرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى القاصي والداني من الحكام والملوك برسالته.

لذا فإن أخلاقنا، وأخلاقنا فقط، الآن أصبحت باب التعريف بالإسلام لهؤلاء الذين أصبحنا نعيش بين ظهرانيهم في أوروبا، وكل بلد آخر غير مسلم، وعلى سبيل المثال تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعرفون شخصًا مسلمًا يكون لديهم آراء إيجابية عن المسلمين ودينهم، وذلك عكس الأشخاص الذين ليس لديهم علاقة مباشرة مع مسلم يكونون أقل إيجابية تجاه المسلمين والإسلام.

طُرحت عدة أسئلة خلال بعض هذه الدراسات على أشخاص من أوروبا الغربية غير مسلمين، وكان السؤال إذا ما كانوا يوافقون أو يختلفون مع عبارة «في قلوبهم.. يريد المسلمون أن يفرضوا شريعتهم الدينية على أي شخص آخر؟».

وكانت الإجابات متباينة حيث أظهرت النتائج أن 85% من الأشخاص الذين يعرفون شخصًا مسلمًا يختلفون مع هذه العبارة، في حين أن 48% ممن لا يعرفون شخصًا مسلمًا يتفقون معها. إذن فإن الاحتكاك الاجتماعي البسيط بين المسلم وغيرة كفيل في بعض الأحيان بأن يدحض العديد من الأفكار السلبية المنتشرة عن المسلمين في أوروبا.

ومع حالة الهزيمة الحضارية الحالية التي نعيشها لا يكاد يخرج من كل مائة مسلم غير واحد فقط يعبأ بأن يكون عنوانًا للدين ومثالًا حيًّا للقيم الإسلامية؛ فقد تغلغل في نفوسنا حب الدنيا ونسيان الآخرة وحجم التحديات غير المسبوق الذي يواجهنا كأمة وأفراد على السواء يجعل من الصعب أن يعمل الكثير منا ويتفرغ لمشروع الإسلام الحضاري.

هنا يجب علينا أن نتواءم مع الواقع ونكوي جراح الهزيمة ونضع الخطط الكفيلة بأن نكون «خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» بأخلاقنا ونجاحنا وعطائنا للآخر أيًّا كان الآخر مسلمًا أو غير مسلم.

وإن من أجلَّ ما يقدمه لنا الإسلام واقعية الاستعانة بالله فالنهوض ومجابهة التحديات، فموسى كليم الله لم يطلب من الله أن يقوِّم له لسانه وقد قيل إنه وضع جمرًا في فيه فتاهت الحروف منه ولم يعد يُبين الكلام، وقد عدها فرعون من الأشياء التي ينتقص بها الرجل عدم قدرته على النطق الصحيح المعبر حين قال ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾؛ نقول مع علم موسي أن لديه مشكلة في الخطابة وبيان الرسالة مع الآخر لم يطلب من الله، عز وجل، أن يقوِّم له لسانه بل طلب منه أن يعينه بأن يسند أمر البيان لأخيه هارون، وكان موسي قادرًا على أن يطلب من الله ما يريد سواء في شأنه أو أي شأن آخر، ولكن واقعية موسى في الأخذ بالأسباب التي أبصرها، ومنها كون أخيه ذا بيان وفصاحة وقدرة على الحديث تعطي لنا المثال اللازم لواقعية الدعاء والعمل وإسقاط أمر الدعوة على الإمكانات المتاحة لنا.

إن إشكالية لملمة الجالية المسلمة في أوروبا حول مشروع يكون عماده الدعوة بالأخلاق الإسلامية داخل المجتمع الأوروبي تستدعي تدخلًا عاجلًا من قبل الفاعلين المسلمين داخل هذه المجتمعات، ولعل المعضلة الكبرى التي تواجه هؤلاء الفاعلين أن القادمين الجدد إلى أوروبا جُلهم من اللاجئين الذين فروا من الهلاك والتعذيب والتنكيل، والغالبية العظمى منهم ما زال يتلمَّس طريق الاستقرار ويتحرى خطواته الأولى نحو ضمان احتياجاته الأساسية، ومنها الحاجة إلى الأمان وإحساس الاستقرار والبحث عن حياة كريمة.

ولأن أشد تبعات الحروب أن لها آثارًا نفسية رهيبة في من عانها، ومن أشدها فقدان الثقة بالنظام الفكري والحضاري القادم منه، وإن لم يكن قائمًا، وشعور الخذلان الذي يحيط بكثير من الناجين من الصراعات الدائرة في بلداننا المسلمة في هذه السنوات الصعبة، وانبهاره بالآخر المتفوق الذي يبدو ظاهريًّا يمتلك كل ما يحتاجه الإنسان من حرية وعدل وقيم وثراء.

النظام الفكري الحضاري الإسلامي لم يخذل هؤلاء بل خذلهم من ادعو أن الظلم والطغيان والديكتاتورية، والكبت السياسي والتخلف، وغياب المقومات الأساسية للحياة، والفقر، ووجود العنف وغيرها من هذه الآفات نتيجة عوامل خارجية من الآخر. الآخر الذي انتهي المطاف بالملايين من الأقطار العربية والإسلامية باللجوء إليه والعيش بينهم والقبول بمحدداتهم في القيم والأخلاق والتعريفات الأخلاقية لكثير من القضايا الاجتماعية وإن اختلفت مع قيم الدين الإسلامي في كلياته وجزئياته.

النظام الفكري الإسلامي الذي حمل بذرة الديمقراطية من قبل اختراع الكلمة حينما نزل الشرع بقوله ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ النظام الفكري الإسلامي الذي أسس لمبدأ المساواة بين الجميع حينما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، محاربًا الفساد والظلم المجتمعي المتوقع حدوثه حينما قال «إنما أهلك من قبلكم إذا سرق فيهم القوي تركوه وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، النظام الفكري الإسلامي الذي فقهه عبد الرحمن بن عوف حينما آل إليه الأمر أن يختار للمسلمين خليفة لهم بين اثنين من كبار الصحابة هما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فلم يجعل القرار له بل طاف على بيوت المدينة حاملًا ما يدون عليه رأي الناس سائلًا إياهم: أي من الاثنين تحبون أن يكون خليفة للمسلمين بعد عمر.. عثمان أم علي؟ ولم ينته لقرار حتى طاف بكل بيوت المدينة واستشعر رأيهم أو بالأحرى استبان رأي الناس من خلال اقتراع مباشر وإن لم يكن هناك صناديق. هذا هو ديننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد