كبرت يا أمي، تجاوزت العشرين بسنوات وصرت شابة في مقتبل العمر. وذات يوم سأشيخ لأصبح كشجرة خريف متساقطة أوراقها، مراحل حياة هي ليس إلا؛ مراحل فرضتها قوانين العيش والخلق مذ خلق الله آدم وإلى يومنا هذا. بمعنى أدق، وإن صح التعبير، حياتي سفر طويل وما المراحل إلا مدن لاستراحة قطاري القادم من محطة الولادة والمتجه لمحطة الموت. نعم محطة الموت، تلك المحطة التي يخاف منها الجميع؛ أو ربما لا يخافون منها بل يخافون ما بعدها.

كبرت يا أمي وما عدت أخاف الموت كالبقية ولا الرحيل للعالم الآخر. لم يعد ذلك يخيفني بقدر ما تخيفني أعمالي التي سأعرضها في يوم بعدد خمسين ألف سنة. كبرت يا أمي، كبرت كثيرًا واكتشفت أن الحياة ليست وردية كما رسمتها عيناي يوم رأتا نور هذا الكوكب. كبرت جدًا وعرفت أن في هذا الكون من البشاعة ما يجب على قلبي تحمله والعيش بجانبه. كبرت وأدركت أن الإنسان قد يقتل أخًا له لسبب تافه وقد يشارك عدوه أعمق أسراره لا لشيء إلا لغرض في نفس يعقوب.

كبرت يا أمي، لكن هناك طفلة صغيرة ما زالت تسكنني وتأبى أن تفارقني أو تتركني وشأني؛ طفلة عنيدة هي لا تريد أن تشيخ لمعرفتها المسبقة بأهميتها ومكانتها في حياتي. مرافقة وفية وخفيفة ظل أيضًا، صاحبتني وما زالت رفيقتي في مختلف مراحل عمري المحدود بزمان ومكان. هذه الطفلة يا أمي هي نفسها الطفلة التي تزين حياتي، وهي نفسها الطفلة التي تقف عقبة أمام تلويث روحي، وهي أيضًا الطفلة التي تحييني وتزودني أملًا وفرحًا وطمأنينة.

تلك الطفلة في داخلي يا أمي أحسبها بمثابة إكسير يلون شداتي بألوان قوس قزح، ويخفف وطأة آلامي ومشقات الحياة بعفويتها، بضحكاتها، بطفولتها وبأحلامها الوردية. صديقتي الصغيرة يا أمي أقسمت أن لن تتخلى عن ذلك السر الكامن وراء طفولتها، وأقسمت أيضًا أن لن تكبر مهما اشتعل رأسها شيبًا، وأن لا تدع أحدًا يشوه تلك الملامح البريئة والفاتنة وتلك الروح الجميلة الصافية.

كبرت يا أمي، لكن الطفلة ما زالت تعشق الشوكولاتة، وتفرحها قطعة حلوى أيما فرح. ما زالت تبكي عند أبسط عثرة ومن أصغر جرح، ويتكدر مزاجها إن هي أضاعت أبسط وأعز أشيائها. ما زالت تبكي لمشهد حزين في كرتونها المفضل، وتضحك من أعماق قلبها بمجرد سماع نكتة، وطبعًا تفقد أعصابها إن أنت أطلت الغياب. ترقص بفرح وعفوية مع موسيقاها المفضلة ويصيب قلبها مغص إن هي مرضت ولم تكوني بجانبها.

مهما كبرت الطفلة يا أمي ومهما ستكبر، ستظل تلك الصغيرة التي لطالما انتظرت دمية ولعبة من اختيارك وإكسسوارات وملابس على ذوقك الرفيع، وستظل تنتظر عودتك إلى المنزل بفارغ الصبر جالبة معك شيئًا ولو بسيطًا من أجلها. مهما كبرت ستبقى تلك الطفلة التي كانت دائمًا تمسك طرف ثوبك بكل قوى يديها الصغيرتين وترافقك كظلك خوفًا من أن تذهبي وتتركيها بدون سابق إنذار. ستبقى تلك المشاكسة المشاغبة التي تملأ المكان صخبًا وضوضاء، وستبقى تلك المحتاجة لكِ في كل حركة وسكون.

الطفلة يا أمي ستكبر أعوامًا وسنينَ، ستتجاوز أيضًا الثلاثينيات والأربعينيات وربما تصبح أمًا وجدة في يوم من الأيام، لكنها ستظل كما هي وكما عرفتها حتى في أبسط تفاصيلها. ستظل صاحبة التسريحة المميزة وصاحبة الدمية المرافقة وحتى صاحبة العلبة العجيبة بمكوناتها الغريبة.

أمي، مهما بلغت من العمر عتيًا فسأبقى أشتاقك كما لو كنت تلك الطفلة الصغيرة. ومهما كبرت وأحببت فستظلين أول وآخر حب في حياتي. ومهما رأيت من جمال فتان فستظلين أجمل ما رأت عيناي. ومهما قرأت من قصائد فتأكدي أنك ستكونين أروعها. ومهما كنت قوية فأنا بدونك ضعيفة جدًا. أمي كل الأشياء الجميلة أنت.

فأرجوك أمي لا تتركيني ولا تخدعك عشرينياتي ولا نضجي ولا حتى قامتي، فما هي إلا مظاهر تتلاشى بسرعة البرق إن هي وقفت في حضرتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ـ مجتمع, twenty, years
عرض التعليقات
تحميل المزيد