ليس بالبترودولار وحده ترسم العلاقات وتتعزز، فللمغرب رؤية يرغب فيها ويُرغم عليها شركاءه الخليجيين، منطق الند بالند وهو منطق العلاقات بين الدول، وتلك تعرف صعودًا وهبوطًا وصداقة وعداء، إلا أن ما يؤخذ على أهل الخليج إِنهم أَلِفُوا شركاءَ الرز، يخضعون بهم الدول، ويمهدون لمصالحهم، ثم في الأخير «إما أن تكون معنا وإما ضدنا»، وقُرئ تقديرُ العزيز في الخليج على أنه لغو في الحديث وبدعٌ من التعامل.

تحتم الظرفية على المغرب والخليج تعزيز العلاقات، وتوحيد المواقف، فما يجمع بين هذه البلدان أكثر مما يفرق بينها، فلها ماض مشابه، وحاضر مرير، ومستقبل مشترك، والمؤرخون يرجعون تاريخ العلاقات بين المغرب والسعودية مثلًا إلى تاريخ 1957 أي بعد أقل من عام على استقلال المغرب؛ إذ بلغت العلاقات بينهما مستوى عاليًا من التنسيق الاقتصادي والديني، ففي سنة 1976 كانت الانطلاقة، فاستمر التواصل والتودد بين البلدين فيما بدا قوة في العلاقات لا تشوبها شائبة، ولا تزلزها عاديات، أكثر من ذلك، ففي سنة 2011 تناهت العلاقة إلى ترسيخ أوسع، وذلك بدعوة كل من الأردن والمغرب للانضمام للنادي الخليجي، لكن مياهًا كثيرة جرت في الإقليم، ومتغيرات جديدة فرضتها الساحة الإقليمية جرفت بهذه العلاقات، وكشفت مدى هشاشة مبناها.

الربيع العربي، وحصار قطر، ومقتل خاشقجي، وملف الصحراء الغربية، واستضافة المغرب لكأس العالم 2026، والتطبيع مع تل أبيب، وصفقة القرن، كلها عوامل أوصلت الطرفين حد القطيعة، ونتيجته تفرض تساؤلاً، أي البلدين أكثر احتياجًا للآخر؟

يرى مراقبون أن المغرب يحتمي بأوروبا، بينما الخليج في مسيس الحاجة إلى موقف المغرب في عدد من الخلافات، أهمها مراهقة ابن سلمان الذي ما خلت سياساته من رعونة وهمجية وتردٍّ في الأخلاق، قد تهدد وتفخخ المنطقة بأسرها.

بعد الخامس من يونيو (حزيران) سنة 2017، انفض مجلس التعاون الخليجي وانقسم على نفسه؛ فانتهى إلى ثلاثة معسكرات، قطر التي رأت نفسها مظلومة، والكويت وعمان اللتان وجدتا في الحياد والنأي بالنفس ملاذًا، ومصر المتعطش جنرالُها للرز والبترودولار -اللذيْن رفضهما المغرب- والمفتقد للشرعية التي يكسبها إياه هؤلاء، تنضاف إليها البحرين والسعودية في تبعية واضحة للإمارات، وعليه؛ فالمغرب نفسه لزم الحياد، بل عرض الوساطة التي رفضتها السعودية، وكانت بُغيتها في حصار عربي كامل لقطر، وحاول الانفتاح على الجميع؛ فكان الملك أول من زار قطر والدول الخليجية بعد موقعة الحصار، بل أرسل مساعدات بالأطنان غزت السوقَ القطرية، قبل أن تسيطر عليها تركيا في حلف استراتيجي سمي خليجيًّا بمحور الشر «تركيا، قطر، والإخوان المسلمون»، فصاحوا ومن تبعهما بغير إحسان أن قطر تدعم الإرهاب، وعليها لزامًا إغلاق قناة الجزيرة، وهو ما رفضته قطر، وتسلحت بحلفها مع تركيا التي فُهم من تحركاتها قولُها للقطريين: «إذا اعتزلتموهم وما يكيدون لكم فأووا إلينا نهيئ لكم من أمركم فتحتمون بنا ونستقوي بكم»، وأقاموا قاعدة عسكرية في الدوحة، ولزمت الرباط مكانها بشأنه، وفي نظر الإمارات ومن يتبعها أن لها للرباط جزاءً وفاقًا.

أوجع الجزاءِ ابتزازُ المغرب بوحدته الترابية، وجرى ذلك في البدء من قناة العربية وقناة سكاي نيوز، إذ قامتا ببث خريطة المغرب مبتورة من صحرائه، وأتت على تعريف ما سمته «بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» فكان الرد مفاجئًا من الرباط باستدعاء السفراء للتشاور، وهو ما يُفهم منه في الأعراف الديبلوماسية بالتعبير عن الغضب، تلاه موعد الإعلان عن المنظم لكأس العالم 2026، فصوتت قطر لصالح المغرب والسعودية حشدت الدعم لدول أمريكا، وصرح السفيه آل الشيخ «بأن من يريد المساعدة لا يطلبها من الدويلة (قطر) بل عليه أن يطلب من السعودية ذلك»، اتصل أمير قطر بملك المغرب ووعده بدعم قوي في استضافة نسخة 2030، أثار قرار السعودية غضب الرباط، بل زاد نارَ الحقد ضرامًا، فكان لا بد من رد على ابن زايد وابن سلمان، إذ بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فأيام قليلة فقط من تصويت السعودية ضد المغرب، قرر عدم المشاركة في اجتماع لوزراء إعلام دول التحالف لدعم الشرعية في اليمن، بعدها علق مشاركته في حرب اليمن التي سينسحب منها بالكامل لاحقًا، ثم تحدث بوريطة لقناة الجزيرة – التي لم يأت اختيارها عبثًا- عن توجهات جديدة للمغرب في عدد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، وخص منها بالذكر: حرب اليمن والأزمة الخليجية، ولمّح أن المغرب كانت لديه تحفظات على زيارة ابن سلمان عقب جولة للبلدان المغاربية، وهي الزيارة التي أثارت حينها الكثير من الجدل، حيث الغرض منها غسل أيدي ابن سلمان من دماء خاشقجي والتسويق له من جديد، بما يرفضه المغرب وهو «الرز».

يمقت المغرب تنمر ابن سلمان على القادة العرب، وانصياعه لما يقوله له ماكرون، وإذلاله هو والده المتكرر من قبل ترامب، في مشاهد أكبر بكثير مما يتعرض له السيسي في واشنطن، فكيف بولي عهد السعودية لما تملكه هذه الدولة من مقدسات ورمزية، نفسه التنمر على المصلحين والدعاة، والزج بهم هم ورجال الأعمال في السجون، والإساءة للمقدسيين واعتراف منه ضمني بأحقية إسرائيل في القدس، وصمته عن قرار ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، فتوالي هذه الأحداث والمواقف قللت من شأن السعودية في نظر المغرب والأردن، فلقد ظن ابن سلمان أن صورة سيلفي تجمعه بملك المغرب والحريري فقط كافية لجعل المغرب وسيادته وموقفه في الجيب.

فلقد صرح رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني بأن هناك دولاً تحاول زعزعة الاستقرار السياسي للمغرب، فتذكر فجأة أن هناك من يتربص به، فخطر في باله لوهلة أن من أسقطه من وزارة الخارجية في حكومة ابن كيران قد يسقطه مرة ثانية، ولو من هرم الحكومة المغربية، فالإمارات برجالها في المغرب أمثال أخنوش ولشكر نجحا إلى حد بعيد في تفريق الإخوان في حزب ابن كيران، ومؤامرات الإمارات لقيت اشمئزازًا من الملك؛ فانعطف نحو أفريقيا، وشرط على الدول الخليجية شروط التعامل، ثم استدار نحو أوروبا، وهذا التحول السياسي والاقتصادي رأى فيه محللون الصواب لدى الرباط، فالقراءة المغربية لم تأت من فراغ؛ فالمحيط الخليجي بات يغلب عليه الصراعات البينية، والاحتكاكات الداخلية السلبية، فالفشل في حصار قطر مثلًا أعطى لدول أخرى انطباعًا بأن الخليج ما عاد لديه ذلك التأثير الذي يحقق لها التميز في مطالبها من الآخرين.

قراءة المغرب جاءت موافقة لقراءة الأردن، الذي بدوره تعرض لضغوط سياسية واقتصادية نتج من ذلك مظاهرات أطاحت بحكومة وجاءت بأخرى، فتفطن ملكها للمأزق، وعلم أن المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الأردن هي نتاج خليجي بامتياز، جزاءً للأردن برفضه صفقة القرن، وهكذا تتواطأ الضرورة الاقتصادية بأحكامها لتلبي رغبة سفهاء أبوظبي، لكن صمودَ الملك في الأردن وخَوفَ هؤلاء من افتضاحهم، دفع بهم إلى عقد قمة في مكة بسبب الأردن لم تروِ ظمأً، ولم تحل أزمة بأي حال، فنوع الأردن علاقاته وانحاز لأنقرة والدوحة، فتنفس الصعداء، وتابع ملكها تحركاته فقصد الرباط في زيارة بحثت أوضاع القدس، وأرسلت رسائل لأشقياء الخليج، وصرح وزير الخارجية المغربي رفقة الأردني بأن «علاقاتنا معكم لن تكون وفق الطلب» في رسالة قوية مشتركة لابن زايد وابن سلمان، وللمفارقة فالأردن والمغرب هي عينها التي اقترح المتنفذون في المجلس الخليجي انضمامها للتكتل الخليجي، وهو ما رأى فيه متابعون أن المجلس الخليجي لم يكن سوى لخدمة أجندات امريكا وإسرائيل، وكانت الخطوة التالية تمرير صفقة القرن، إذ كان ليجمع كل الأطراف المتعلقة بقضية القدس، الأردن صاحب الوصاية على المقدسات، والمغرب رئيس لجنة القدس، والإمارات ذيل إسرائيل في الشرق الأوسط، والسعودية تابعة لأبوظبي.

لم يفهم الساسة في الخليج خطابَ الملك في عقر دارهم سنة 2015 في قمة خليجية مغربية، أكد الملك فيها «أن المغرب ليس محمية تابعة لأحد» وأنه منفتح على الجميع، بل لم يتعظوا بما أتاه الملك بعد التوتر القائم بينه وبين بعض الدول الغربية سنة 2016 على خلفية نزاع الصحراء، فقام بزيارة لكل من روسيا والصين، فخفف من اعتماده على فرنسا، وإسبانيا، وأمريكا.

تحرك المغرب ثانية وأرسل وزير خارجيته وحمَّله الملك رسالة منه لحكام السعودية حثت على التعاون، خطوة الملك، أهي قرار صائب الغرض منه التعاون والقطيعة مع الماضي؟ أم تهرب للأمام واستباق لأمر قد يخيف المغرب ويخضعه؟

يقول عارفون بأحوال الرباط إن المغرب له مدرسة وطنية تصمد أمام كل العقبات، ولا يغمض لها جفن أمام ما يسعى إليه البعض، فإن دخل المغرب في قطيعة مع الخليج، بل مع شق منه فقط؛ فإنهم يرون أنفسهم أصحاب قضية عادلة والدفاع عنها واجب وطني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد