تعتبر الانتخابات آلية ديمقراطية – في الدول التي يحترم فيها الإنسان حرية اختيارًا وعيشا كريمًا – يلجأ إليها الشعب لأجل اختيار من يحكمه أو من يمثله وينوب عنه، وهي كذلك وسيلة لمعاقبة من أخلف بوعده، و لم يلتزم ببرنامجه الانتخابي المسطر من طرف لجان مختصة تضم كوادر وكفاءات ومستشارين، مهمتها هي رصد كل الاختلالات، وعلى جميع المستويات التشريعية التدبيرية التنفيذية والإجرائية لأجل إيجاد بدائل حقيقية نابعة من الاقتناع الأيديولوجي للحزب، وطرحها كبديل لبرنامج لم يفلح في الوصول إلى مبتغاه.

فالانتخابات في الدول الديمقراطية تعد وسيلة، تمكن من التداول على السلطة والمحاسبة، أما في المغرب، فتكتسي ثوبًا غاية في التعقيد؛ لأنها تريد المزاوجة بين متناقضين، الآلية الديمقراطية؛ تزيينًا للواجهة الخارجية، والاستغلال من أجل  تكريس التسلط داخليًا؛ مما يجعلها استثناء في المنطقة، إن لم نقل في العالم، وهذا راجع إلى مراكمتها لتجربة طويلة جدًا لحد وصلت فيه إلى عدم التدخل الفاضح المفضوح،  بل تركت الأمر موزعًا على أهله كلهم، واختصاصه والدور المناط به داخل المسرحية الكبرى التي تؤدى في مدة لا تتجاوز 15 يومًا لتمدد عمر الجوقة بموسيقارها الأعظم – المؤسسة الملكية – لمدة تصل خمس سنوات أخرى يتم فيها النهب والسرقة من وراء الستار، وفي بعض الأحيان أمام أعين الجمهور ليتحسسوا هل من مستيقظ؟

كما قلنا، وضع للعبة قانون ومهام منوطة بكل فاعل استسمح واستغفر الله، بل بكل مفعول به، وفي بعض الأحيان مجرور للجار الذي هو الموسيقار، ومن لم يقبل فعليه بإحدى الحسنيين، إما الخروج من اللعبة، أو عدم المشاركة من الأصل اقتناعًا بأن الأجواء لا تسمح بفعل سياسي قوي، وواضح من داخل المؤسسات الشكلية التي أريد لها في أصل الأمر أن تكون مجرد ديكور.

للانتخابات المغربية فاعلون حقيقيون يمكن تصنيفهم كما يلي:

 

المؤسسة الملكية: من اقترب إليها، وإن في دائرتها الأخيرة بشطر كلمة، أو همس صوت رد إلى عقر جحره، وإن استدعى ذلك إسقاط الهيبة والخروج ببلاغ – في سابقة تاريخية – يندد ويستنكر ويشجب ويتوعد بين أسطره من خولت له نفسه مجرد الكلام.

ولنا في ما و قع مؤخرًا لأحد أمناء الأحزاب المثل. أستسمح لعدم التفصيل في أحداث الواقعة لأن ذكرها مما يضيع الوقت، فيكفي أن نبحث في محركات البحث عن كلمة التحكم، وستجمع كلها على نفس الموضوع، وهذا كله وقع لمجرد الكلام، أما الحديث عن فعل حقيقي في الساحة السياسية فهو مجرد أضغاث أحلام؛ لأن المؤسسة الملكية تريد أن تبقى هي المحور والمركز والباقي مجرد حواشي تستعمل منه من تشاء في الوقت الذي تشاء.

وزارة الداخلية: هي الوزارة المتحكمة في الحكومة – لأنها وزارة سيادية، أي بصيغة أخرى أن مسؤولها الأول معين، بمعنى آخر رجعنا إلى نقطة البداية (المؤسسة الملكية) –  والدال على هذا ثلاث مسائل، المسألة الأولى: إن غالبية منتسيبيها معينون وفي المغرب المعين يحكم ويسير ويقود المنتخب.

المسألة الثانية: التدوينة الخطيرة للسيد وزير العدل والحريات على صفحته فالـ«فيسبوك»، والتي مفادها وواضحها وجليها أن المتحكم في العملية الانتخابية هي وزارة الداخلية.

المسألة الثالثة: وهي الأخطر، أن  جميع الإحصاءات المتعلقة بساكنة المغرب والطبيعة العمرية، وعدد الساكنة التي يخول لها القانون حق التصويت تبقى محفوظة لدى من يخرج علينا بأرقام تطبخ أعدادها في أفران المصالح السياسية الانتخابية.

الدستور: فخر كل مشارك في  اللعبة ومطبل لها؛ لأنه وضع في مرحلة فاصلة تاريخية ليقطع الطريق أمام الربيع الذي أبان أن أي تغيير حقيقي، ولو بنسبة ضئيلة مصدره الشارع، ولا شيء غير الشارع.

وضع الدستور سنة 2011 في مساق أريد له أن يتم فيه الالتفاف على مطالب الشعب، ويوهم من في نفسه استعداد قبلي للإيهام أن شيئًا ما تغير، لكن المتبصر في طريقة وضع الدستور ابتداء بفرض لجنة معينة من الملك لصياغة المسودة، مرورًا بمنح وقت وجيز للأحزاب من أجل اضافة المقترحات، وصل في بعض الحالات إلى منح مجرد بضع ساعات لحزب من أجل المناقشة؛ ليمرر إلى التصويت الذي حسمت نتيجته عندما أكد الخطاب الملكي حينها أن المشاركة في التصويت، وبنعم، هو عين المواطنة، أما عدم المشاركة، أو المناداة بالمقاطعة؛ فقد يجعلك تحت رحمة هراوات المخزن، لتتجاوز بعد ذلك نتيجة التصويت حسب ما أدلى به وزير الداخلية 90 % في وقت أصبح فيه نطق مثل هذه الأرقام من المفضحات الواضحات وانتهاء بمضمونه، فقد حذفت منه عبارة التقديس لتوزع على مجموعة فصول نجد فيها أن الملك يرأس مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقضاء والمجلس العلمي الأعلى ومجالس أخرى وهو الذي يعين ويعفو ويفتتح البرلمان، ويمثل الدولة في المحافل الخارجية أو يكلف من ينوب عنه و…

المشهد الانتخابي المغربي يتميز بكثير غرائب وعجائب، وصدق «ابن خلدون» ـ رحمة الله عليه ـ حينما قال ما دمت في المغرب، فلا تستغرب، ونذكر هنا بعض غرائبه:

كريستوف كولومبوس: يذكرنا هذا الاسم بعلم من أعلام الاكتشافات؛ فقد اكتشف القارة الأمريكية نتيجة لخطأ، فهو أراد التوجه صوب الشمال؛ ليجد نفسه في أرض لا علم له بها، توجد غربًا، ومثيل هذا وقع مع كثير من أعلام المغرب، تجده فترة الركون السياسي –  الخمس سنوات التي تلي الانتخابات – ينتمي لحزب يدعي الحداثة؛ لتجده بين عشية وضحاها، وبمجرد سماع استحقاق انتخابي، قد وجه البوصلة تجاه حزب كان بالأمس القريب الخط الأحمر الذي لا يمكن الالتقاء معه.

التعددية الحزبية: يقال إن كل الطرق تؤدي إلى روما، لكن في المغرب يقال كل طرق الأحزاب – التي توجد داخل اللعبة – تؤدي إلى الخدمة والتفاني في إرضاء المخزن؛ حتى يسمح بنصيب من فتات كعكة والثروات المنهوبة.

البرامج الانتخابية: في الدول المتقدمة ديمقراطيًا، وكما قلت في أول المقال، يسهر على تسطير البرنامج الانتخابي أطر وباحثون يعطى لهم الوقت الكافي من أجل رصد وتتبع الاختلالات على جميع المستويات، ثم بعد ذلك توضع مدة من الوقت  لأجل التفحص والمناقشة؛ ليمرر إلى المرحلة الأخيرة، وهي المصادقة. أما في مغربنا الحبيب، وإن وجد، وبدلت جميع هذه المجهودات، ففي الأخير لا شيء يعلو فوق البرنامج المسطر سلفًا البرنامج الملكي «التدشينات، التعينات، الإعفاءات، ومنح الامتيازات…».

التحالفات: يقول القصر على لسان الفيلسوف نيتشيه «من ليس معي فهو ضدي»، أي بمعنى: ما دمت تريدني، فعليك بالرضى، والتفويض لي، في كل ما أنا فاعله بك، وإن استدعى الحال أن تتحالف مع من كنت بالأمس القريب تدرجه ضمن لائحتك السوداء، وإن لم ترد فأنت ضدي.

أما عن الرهانات فنقسمها حسب طبيعة المراهن إلى ما يلي:

رهانات المؤسسة الملكية: محاولة تزين الواجهة وحفظ ماء الوجه، خصوصًا بعد العديد من الضربات الموجعة التي تلقتها الواجهة الخارجية نتيجة للمراتب المتدنية التي وضع فيها المغرب في سلم المؤشرات المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير و… اللائحة تطول، أما داخليًا، فيكفي ما قلته سلفًا، وخلاصته هي تحقيق قولة فرعون «أنا ربكم الأعلى».

رهانات الأحزاب المشاركة: يقول المثل المغربي الدارج «الله ارحم من كلى – المخزن – أو وكل معاه – الأحزاب» وهو عبارة عن دعاء يطلب فيه كل متملق ومتزلف إلى السلطان أن يترك له نصيب، وإن قليل من الثروات المنهوبة والمسروقة من الشعب.

وأخيرًا رهان الغالبية الصامتة من الشعب، والتي اختارت خيار المقاطعة، بالإضافة إلى الفاعلين السياسيين المتواجدين خارج اللعبة، هو عدم إضفاء الشرعية على المؤسسات الشكلية المنبثقة من انتخابات يسود فيها الغش وشراء الذمم واللعب بالنتائج و… بالإضافة إلى ممارسة المزيد من الضغط المفضي إلى توسيع هامش الحرية، واسترداد الإرادة الشعبية ببناء نظام ديمقراطي حقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد