بعد الأحداث الدموية التي شهدتها العاصمة الفرنسية الشهر الماضي، خرج الإعلام المغربي بحكايات وعنتريات ورومنسيات ذكرتني بحكايات الباواررنجرز وأبطال الديجيتال لأيام الطفولة، بخبر قيل فيه إن الدولة الفرنسية بمعية الدولة البلجيكية تستنجدان بالمخابرات المغربية لفك لغز أحداث باريس، هذا الخبر يجسد تماما مثلا مغربيا شهيرا يقول : “أجي يا امي نوريك دار اخوالي” (تعالي يا أمي أدلك على منزل أخوالي).

لا بأس، لنصدق ما ذكر ولو مبدئيا، فكما قيل، لقد طلبت فرنسا وبلجيكا المساعدة من المخابرات المغربية لحل مشكل داخلي، والمتمثل في أحداث باريس، فبالرغم من أن هذا الأمر فيه انتقاص لكل من بلجيكا و فرنسا من جهة، إلا أنه فعلا مثير للغرابة من جهة أخرى، لأن الدولتين المتطورتين ــــ كما يعلم الجميع ــــ قادرتان على حل مشاكلهما الداخلية بدون مساعدة خارجية، وطلب المساعدة الخارجية أمر غير مألوف من قبل هاتين الدولتين، وحتى إن تمت، فطبعا ستتم من طرف إحدى دول الاتحاد الأوروبي بحكم التعاون الذي يتم بين دول الاتحاد، لكن أليس الأحرى طلب المساعد من الجارة ألمانيا أو حتى الجارة هولندا، التي صُنفت عاصمتها من بين 10 مدن أكثر أمنا في العالم؟

ما أثار اشمئزازي أكثر أن الإعلام المغربي ما انفك عن الافتخار بهذا الخبر، هذا التقزز ليس لأن الخبر أعيد عشرات المرات حتى مللنا منه، لا بل لأنهم جعلوا منه مبدأ افتخار، وكأن تقدم الشعوب يقاس بقوة الجهاز الاستخباراتي للدولة، ولم أتمكن من استيعاب الرسالة التي أراد الإعلام المحلي توجيهها لنا: هل أراد أن يقول لنا بأننا نعيش تحت كنف دولة استخباراتية بامتياز، أم يجب علينا أن نفتخر كوننا نعيش تحت دولة استخباراتية بامتياز ، أم أن مخابراتنا هي مخابرات باسلة و قوية؟

والمعروف أن المغرب لا يتوفر على أقمار اصطناعية وأجهزة متطورة تساعده على تعزيز قوة الجهاز الاستخباراتي المغربي، وشخصيا لم أكن أتوقع تلك القوة التي قال لنا إياها الإعلام المحلي، فغالبا، و الله أعلم، أن تلك القوة تكمن في خبرة وكفاءة العنصر البشري داخل المخابرات، وهذا للأسف إن دل على شيء فيدل على أن المواطن المغربي مراقب ليل نهار، وبالتالي ستكون هناك لا شك مضايقات على الحرية الشخصية للمواطنين، شخصيا لا أتمنى هذا.

والمثير للغرابة والاشمئزاز أن هذا الجهاز الاستخباراتي بكامل العظمة التي صورها لنا الإعلام المحلي، لم يستطع فك ألغاز عديدة في الداخل المغربي، نذكر على سبيل المثال: مشكل ملعب الرباط، هذا الملعب الذي أنفق على عشبه ميزانية خيالية ليتحول بعد ليلة ماطرة إلى “مسبح الرباط”، ناهيك عن مشكل تسريب امتحان الباكالوريا لمادة الرياضيات، ومشاكل أخرى من قبيل المخدرات والدعارة و السرقة …، فالمغاربة إلى يومنا هذا لا يعلمون من الجهة التي قامت بتسريب الامتحان، ولا يعلمون أيضا من الجهة المسئولة عن فضيحة ملعب الرباط التي شوهت صورة المغرب خلال كأس العالم للأندية.

لماذا إذا لا تقوم المخابرات “الباسلة” “القوية” بفك لغز الرباط قبل لغز باريس؟ لماذا لم تتمكن من توقيف تدفق المخدرات والقرقوبي إلى داخل البلاد ؟ لماذا لم تصنف أحد مدننا بين الدول الأكثر أمنا في العالم؟ ولماذا قام هذا الجهاز بدور لا يعنيه ؟ هل إذا طلبنا يوما ما من المخابرات الفرنسية أو البلجيكية المساعدة ستستجيب لنا فعلا، حتى وإن فعلت ذلك هل ستقوم به من أجل سواد أعيننا؟ هل أتممنا حل مشاكلنا في المغرب كي نحل مشاكل غيرنا؟  هل تقدم وتحضر البلدان يقاس بقوة مخابراتها ؟ لماذا نفتخر بحل مشاكل غيرنا ونحن لم نحل بعد مشاكلنا؟ لماذا ثم لماذا؟ لن أجيب واعذروني أيها القراء الكرام، سأترك لكم الإجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد