لطالما كان المغاربة سبّاقين في الدفاع عن القضيّة الفلسطينية من خلال مُشاركتهم في الحروب العربية في سنوات 1948-1967-1973، ورئاستهم للجنة القُدس عام 1979، التي تأسست بموجب قرار منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى جانب احتجاجات الشارع المغربي في عدّة مناسبات إزاء التطّورات الميدانية التي كان يشهدها كل من قطاع غزة وكذا الضفة الغربية، لكن التاريخ سجّل أيضًا علاقات ثنائية خفيّة غير رسمية مابين المغرب وإسرائيل، اكتملت سريّتها بالتطبيع العلني مابين البلدين، فلمَ التطبيع؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟

صحيح أنّ الوجود اليهودي في المغرب يرجع لآلاف السنين؛ بل حتّى عصر ما قبل الميلاد، وهذا ماأكّدت عليه مُنظّمة جيمينا (منظمة يهودية مستقلة تمثل اليهود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، حيث فرّ الناجون من البابليين؛ الّذين دمّروا القُدس وحطّموا الهيكل المقدّس إلى شمال أفريقيا، وقد تعزز وجودهم في عهد الإمبراطوريّة الرومانية، وذلك بعد التدمير الذي طال الهيكل الثاني في القّدس، وتوسّع بذلك الشعب الإسرائيلي في جنوب البحر المتوسط وخاصّة في الأطلس المغربي.

كما استقبل الحارات الضيّقة في المغرب المزيد من اليهود المطرودين من إسبانيا والبرتغال خلال الفتح الإسلامي، وقد تأرجحت علاقات المسلمين واليهود آنذاك بين التعايش والنزاع، وخلال الفترة الاستعمارية الفرنسية استفاد السكان اليهود من الحماية والرعاية وتأسست النخب وتوسعت الثقافة اليهودية في البلاد، وبعد اندثار الحقبة الاستعمارية واستقلال المغرب، أعطى الملك محمد الخامس مزيدًا من الحقوق، بل ساوى حتى بينهم وبين المواطنيين المغاربة المسلمين؛ إذ وصلوا إلى البلاط الملكي من خلال تعيين وزير يهودي للبريد (ليون بن زاكين)، كما تم تكليف شخصية أُخرى بالإشراف على العلاقات الخارجية مع فرنسا (أندريه أزولاي) لدى الديوان الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، والذي أصبح له شأن عظيم في النظام الملكي بتولّيه منصب مستشار الملك، وبقي في منصبه حتى بعد اعتلاء محمد السادس العرش، ويُعتبر هذا الأخير عرّاب العلاقات المغربية الإسرائيلية،

اعترفت المملكة بدولة إسرائيل عندما سمحت بفتح مكاتب اتصال في كل من الرباط وتل أبيب خلال عامي 1994-1995، والتي أُغلقت فيما بعد، ثم أُعيد فتحها سنة 2003، وتعززت العلاقات أكثر في إثر وفاة الملك الحسن الثاني سنة 1999؛ إذ شارك في مراسم التشييع مايقارب مائتي شخصية إسرائيلية بارزة، كما عمدت الحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى إصدار طابع بريدي يحمل صورة الملك الراحل تكريمًا له، وتم تسليم الطابع للملك الجديد محمد السادس من خلال وزير الإعلام الإسرائيلي،

كما عرفت العشرون عامًا التالية تطّورات جد مهمّة في مسار الدبلوماسية المغربية؛ إذ شهدت زيارات لوفود خبراء ورجال أعمال إسرائيليين أدى إلى زيادة في حجم التبادل التجاري، أضف إلى ذلك تسجيل زيارة قرابة خمسين ألف يهودي للمغرب، ونحو ألف مغربي يهودي زاروا إسرائيل، علاوة على ذلك اللقاءات السريّة ما بين مسؤولي حكومة البلدين على هامش المؤتمرات الدولية واجتماعات جمعية الأمم المتحدّة، تكلّل كل هذا النشاط الدبلوماسي ببيع إسرائيل للمغرب ثلاث طائرات دون طيار و70 حافلة مستعملة في بداية عام 2020.

أما عربيًّا وإقليميًّا؛ فالمغرب كان يعيش شبه عزلة دبلوماسيًا، بسبب موقفه من عدّة قضايا كالحرب في اليمن والأوضاع في ليبيا، وعُزلة مغاربية بسبب قضيّة الصحراء الغربية، فتأييد الجزائر الدائم للشعب الصحراوي، و تحرّكاتها الدبلوماسية الحثيثة على الصعيدين الأفريقي (في الاتحّاد الأفريقي) والعالمي ( الأمم المتحدّة)، زاد من حدّة التوّتر مابين البلدين، خاصّة بعد التطّورات الميدانية الأخيرة في منطقة الكركرات (الاشتباك المسلّح مابين الجيش المغربي وجبهة البوليساريو)، و تزامن ذلك مع عزم بعض الدول العربية فتح قنصلياتها في مدينة العيون، الأمر الذي أدّى إلى تراشق الاتهّامات مابين مسؤولي البلدين؛ فالمغرب يتهّم الجزائر بدعم جبهة البوليساريو، والجزائر ترى بأن القضيّة أمميّة ولابُّد من تطبيق قرار الأمم المتحدة الداعي إلى استفتاء من أجل تقرير مصير الشعب الصحراوي، وبعد قرارات شجاعة لدول عربية خليجية كانت سبّاقة بتطبيعها مع إسرائيل، ونتيجة لتضييق الخناق على الدبلوماسية المغربية، وتأكيد العديد من الدول على الدور المهم التي تقوم به الجزائر في منطقة الساحل، أُجبر المغرب على إيجاد حلول سريعة لتغيير وجهة الرأي العام الدولي إزاء القضيّة الصحراوية، كالرفع من مستوى التعاون مع الإسرائليين وإظهاره للعلن، فتبنّت الولايات المتحدّة الفكرة بحجّة السلام، واعترفت جهرًا بسيادة المملكة المغربية على الأراضي الصحراوية، وكعربون على التطبيع ، قررت واشنطن فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة بالتوازي مع ذلك، أعلنت الحكومة المغربية عن انطلاق مناقصة دولية لاستثمارات ضخمة في المنطقة، وهكذا وفق بند القضية الصحراوية مقابل القضية الفلسطينية؛ تشق إسرائيل بخطى ثابتة طريقها نحو شمال أفريقيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد