إن القضاء المغربي، باعتباره من بين السلط المستقلة بنص الفصل 107 من الدستور، الذي يسعى إلى ضمان تقوية ثقة الأفراد بالدولة خاصة في القضايا ذات الطابع الاجتماعي والزجري، وسيرًا على خُطَا باقي الدول الديمقراطية التي تضمن مبادئ من قبيل المحاكمات العادلة، المساواة أمام القضاء… وغيرها من الركائز التي طالما تغنى بها فقهاء القضاء المغربي، في حين أن الحقيقة مختلفة تمامًا عما هو في الأذهان أو ما هو متضمن في الدساتير المتعاقبة.

إن ما يشهده القضاء المغربي من تطورات تستهدف إصلاحه، من قبيل فصله عن باقي السلط الأخرى، انسجامًا والمبدأ العالمي والدستوري المتمثل في الفصل بين السلط الذي نادى به مونتسكيو، الذي لا يعني عزله وتركه يشتغل بمعزل عن السلطات الأخرى، إنما هدفه في ذلك استقلاليته من حيث الإدارة والموظفين عن باقي السلطات وفي هذا تعزيز لهذا المبدأ وتكريسه، فاستقلالية القضاء عن السلطة التشريعية يعني أنه لا يحق للقضاء التدخل في مهام سن القوانين وتشريعها الشيء الذي يثير خلافًا حول مدى إمكانية اعتبار الاجتهادات القضائية هي نصوصًا تشريعية. في حين أن عزله عن السلطة التنفيذية يتجلى في منع إصدار قوانين أو أحكام تعرقل عمل الإدارة التنفيذية، وعلى هذه الأخيرة أيضًا أن لا يحق لها بأي صورة من الصور التدخل قبل إصدار الأحكام.

إن ربط كل هذه القواعد والمبادئ المتضمنة في الكتب والقوانين، وإنزالها لأرض الواقع يشكل أمرًا صعبًا، لأن الربط بين سماء النظرية وأرض الممارسة ليعتبر تكريسًا علميًا عمليًا للمقتضيات الدستورية الهادفة إلى جعل منظومة القضاء أكثر عدالة، تستهدف جعل المواطن صوب أعينها للحفاظ على كافة حقوقه وحرياته حتى السياسية منها، إذن، فإلى أي حد تم اعتماد هذا كله بغرفة الجنايات بالمحكمة الاستئنافية بالدار البيضاء، يومه 26 يونيو (حزيران) 2018؟

إن النظر في طبيعة الأحكام الصادرة في حق معتقلي الحراك الريفي وربطها أيضًا بطبيعة الأفعال التي قاموا بها ومدى أثرها تم اعتقالهم، يمكننا من الحكم بأن كل تلك الأحكام هي جائرة وقاسية جدًا في حق نشطاء هذا الحراك، حيث امتدت من سنة إلى 20 سنة حبسًا، وهذا لن يعدو أن يكون بمثابة امتحان للدولة المغربية وبمدى التزامها بالمواثيق الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان، ومدى التزامها أيضًا والمواثيق المؤكدة للحريات والحقوق السياسية، أيضًا امتحان تبين من خلاله الدولة المغربية مدى استقلالية القضاء فيها وكذبة إصلاح منظومة العدالة، ذنبهم أنهم خرجوا للاحتجاج لأجل المطالبة ببناء مستشفى لمرضى السرطان وجامعة ومحاسبة أيادي الفساد والباترونات المسيئة استخدام سلطتها ناهيك عن رفع العسكرة، وتحويل كذلك الجيش من الريف الأبي إلى منطقة الگرگارات أو الحدود أو أي مكان آخر يليق بتواجدهم المادي هناك حيث تعتبر بؤرًا للتوتر والصراع.

هذا هو الحكم اليوم على أحفاد من كبدوا المستعمر ويلات من العذاب ودروسًا في العنف الثوري وفي ذلك إيمانهم بقضية أن الوطن لهم، 20 سنة هي ضريبة المطالبة بأبسط شروط العيش المادي، والالتحاق بكافة التظاهرات الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، كل هذا يوضح بالملموس عجز كافة أطر العدالة وتبعيتها الاقتصادية لجهات ما، وهذا دليل أيضًا على أن الدولة المغربية لم تتجاوز خطوات ما قبل الاستعمار.

خلاصة القول، فإنه لا محيد عن إصلاح منظومة العدالة، وإزالة كافة الشوائب والمتطفلين عنها، بدلًا من أن نفوت حقوق وحريات الأفراد أكثر من ذلك حياتهم إلى أشخاص لا مسؤولين يقومون بتحديد مصير كل الأشخاص التقدميين المبدئيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد