لا جدال في أن للمسيد المغربي، رمزية خاصة ووزنا هاما في التراث الثقافي بالمغرب. أطروحة وجب الوقوف عندها، وفهم السبب أو الأسباب التي جعلتنا نقرها، ولتكن عزيزي القارئ الأسطر التالية، وسيلة نستند إليها في وصولنا إلى هذا المبتغى.

بداية وجب الإشارة، إلى أن المسيد بالعربية، أو «تيمزكيدة» بالأمازيغية، كان ولا زال مرتبطا عند المغاربة بالجامع، ويقصد به ملحق هذا الأخير الذي يناط به تحفيظ القرآن الكريم وعلومه وعلوم السنة به، إذ ساهمت بشكل كبير في تعزيز الوازع الديني لدى المغاربة خصوصا الفئات العمرية الأولى، من أطفال ومراهقين وشباب. كانت بالدرجة الأولى هذه هي الأغراض التي أسست لها «المسايد»، لكن هذه الأخيرة أبت إلا أن تضطلع بمجموعة أخرى من المهمات غير هذه الأغراض.

استهلالا بالدور السياسي، نلحظ أن المسيد كان حلقة وصل بين كل المتعطشين للحرية، والمناضلين لنيل الكرامة، والمتطلعين من أجل واقع أفضل، خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، ومن خلاله كانت تصاغ بعض الخطط الفدائية الموجهة ضد المستعمر. ومنه أيضا كانت أولى بدايات الانتفاضة المسماة تاريخيا بثورة الملك والشعب. فضلا عن ذلك كان المسيد عبارة عن محطة دراسية أولية، يتلقى خلالها الفرد مبادئ أولية في القراءة والكتابة كباب لفهمه وتمكنه من علوم القرآن والشريعة.

وبالعودة إلى علاقة المسيد بما هو ديني، نجد أنه كان مساهما إلى حد كبير في نسج خيوط النسق الأخلاقي المغربي، ومن بين هذه الخيوط، خيط احترام أولي العالم، ويكمن ذلك في تسييد الفقيه المدرس به، ومناداته بـ«سيدي»، في إشارة إلى مكانته المرموقة داخل نفوس طلابه .

وقد كانت المسايد وما زالت، تعتمد على نظام متماسك، حتى يكاد يخيل إليك أنك أمام مؤسسة قانونية معروفة محكمة التنظيم، ويتجلى هذا التنظيم بوضوح في الاعتماد والمزاوجة بين أسلوبي الترغيب والترهيب، ذلك أن حفظ الستين حزبا كاملة، أو ما يعرف باسم «السلكة»، كان من بين الأهداف التي يطمح إليها المتعلمون الصغار قبل الكبار، رغبة منهم في الهدايا والحوافز المالية المقدمة. بالموازاة مع ذلك كان يسود المسيد نوع من القسوة تجاه المتعلمين الامبالين أو اللذين لم يوفقوا في حفظ وردهم اليومي، وتشمل هذه القسوة ماكان يسمى «بالفلقة» وهي تارة عبارة عن عقوبة جسدية يقوم خلالها المتعلم، بإدارة وجهه للحائط والوقوف مدة طويلة على قدم واحدة، وتارة أخرى عبر الضرب المبرح على القدمين، وفي هذه النقطة بالذات تنطلق مؤاخذات عديدة على نظام المسيد القديم.

ومن بين المؤاخذات على نظام المسيد القديم أيضا أنه جعل في آخر فتراته، محطة لممارسة عديد من الأفعال المحرمة عقلا ونقلا. وهو ما استدعى القيام بإنشاء مجموعة من الأماكن التي تقوم بنفس مهامه الدينية وتنأى بنفسها عن أي دور سياسي، تسمى الكتاتيب القرآنية وتتبع تنظيميا وإداريا لوزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، حيث تقوم بالسهر على وضعيته المكانية، وتقوم بتكليف وتعيين المحفظ أو الفقيه به.

وختاما، لا بد من الإشارة إلى أن المسيد بشكله القديم، أو بشكله الحالي (الكتاب)، لا يختص بالتاريخ الثقافي المغربي فقط، بل ظهر أيضا وما زال مرتبطا بالعديد من دول شمال إفريقيا، في مستهلها الجزائر وتونس، وفيما بين تجاربهما وتجربة المغرب في هذا الصدد، من التقابل ما ليس من الاختلاف، غير أن مروري من المسيد في صغري وتذكري لبعض خباياه في ذاكرتي، هو ما جعلني أخص التجربة المغربية وحدها في هذا المقال ضمانا لنزاهة وصدق المعلومات والمعطيات المتضمنة فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد