يعرف المشهد السياسي المغربي انقساما حادا بين الفرقاء السياسيين والأحزاب السياسية، وما يزيد الطين بلة هو تصاعد الخطاب الإيديولوجي في الخطاب السياسي، وتوظيفه لدى كثير من الفاعلين السياسيين لتحقيق مكاسب ضيقة، وهو ما يرى فيه بعض المراقبين للشأن المحلي في بلادنا على أن المشهد الحزبي يسير نحو صراع هوياتي بدأت ملامحه تظهر بين تصاعد ما يسمى في القاموس السياسي المغربي بالقطبية الثنائية الحزبية التي أفرزتها الانتخابات الجماعية لسنة 2015م، بين مشهد يقتسمه تياران كبيران: «حزب العدالة والتنمية» ذو المرجعية الإسلامية، و«حزب الأصالة والمعاصرة» الذي يعتبر نفسه قائد مشروع الحداثة والنهضة المجتمعية.

الصراع الهوياتي الذي بدأ يطفو على السطح في المغرب، وينعكس على الساحة السياسية المغربية منذ سنة 2008م، لم يكن وليد اليوم، وليس غريبا عن الحقل السياسي المغربي، بل بدأ منذ سنة 1962م مع بداية تصاعد الاحتقان والتوتر بين النظام السياسي آنذاك والاتحاد الوطني للقوات الشعبية إبان مرحلة اعتبرت أنها مرحلة تأسيسية، من خلال توظيف مفاهيم ومصطلحات ترى في النظام المغربي يمثل الرأسمالية العالمية والبورجوازية العفنة، وأن الاتحاد الوطني هو التيار الوحيد الذي يحمل هم جميع القوى الاجتماعية في البلاد، ويرى في الاشتراكية العلمية كما جاء في تقرير المؤتمر الثاني للحزب سنة 1962م، هي النمط المثالي للقيام بإصلاحات جذرية تطال جميع مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة الملكية أي المزاوجة بين الملكية الدستورية والاشتراكية.

الصراع الهوياتي الذي لم تسلم منه معظم الدول التي وصل فيها الإسلاميون إلى الحكم، والتي طالتها رياح التغيير في الربيع العربي، ولد احتقانا اجتماعيا وسياسيا بين الإسلاميين والعلمانيين في شمال إفريقيا، وتتردد فيه مصطلحات ومفاهيم من قبيل أسلمة أو أخونة، صارت تلقي بظلالها في المغرب إلى درجة تعرض فيه المغرب لهزة سياسية خطيرة في صيف 2013م بعد انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة وتفجيرها من الداخل، وإسقاط التجربة الحكومية، أي تكرار السيناريو المصري الذي حدث في يوليوز 2013م، ما يعني: شيطنة الإسلاميين، وفشلهم في تدبير ملفات السياسات العمومية.

فبدلا من أن تلعب المعارضة دورا في انتقاد الأداء الحكومي وتعاطيه مع العديد من الملفات القطاعية الحساسة، كقطاع التشغيل والصحة والتعليم والبطالة، يتم التركيز على إضفاء الطابع الإيديولوجي من قبيل أنها «حكومة ظلامية» وأنها تنتمي إلى «التنظيم العالمي للإخوان» أو أن الظلاميين يسجلون الانتصار تلو الانتصار، أو أن «بنكيران» يجسد نموذجا لمحمد مرسي في مصر، أو حل حركة التوحيد والإصلاح الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية، والنبش في ملفات قديمة؛ من أجل اتهام قيادات حزب سياسي ما بالإرهاب كملف آيت الجيد، الطالب القاعدي الذي قتل سنة 1993م، إلى غيرها من تلك التصريحات مع اختلاف المرجعيات التي تكشف هشاشة التحالفات، سواء بين مكونات الأغلبية أو المعارضة.

ورغم أن الفصل 3 في الدستور ينص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ظلت قضية الهوية تشكل محور خلاف بين الحزبين الأساسيين، فبينما يرى حزب العدالة والتنمية أن المرجعية الإسلامية منصوص عليها دستوريا، يرى حزب «الأصالة والمعاصرة» أن توظيف الدين في الممارسة السياسية من شأنه التشويش على العمل السياسي، وأكثر ما يزيد الوضع تعقيدا، والمشهد السياسي خطورة، هو تصاعد الحرب على الهوية ومرتكزات الثوابت التي تقوم عليها الأمة، من قبيل استضافة الكاتب المصري «سيد القمني» الذي هاجم نظام البيعة وإمارة المؤمنين وفضيحة «جنيفر لوبيز» في برنامج موازين، ونقلها في قناة دوزيم، والترويج لحقوق اللواطيين في أحد حفلات موازين، وتظاهرة أصحاب التنورات القصيرة أمام البرلمان، ومهاجمة أحكام الإرث، وإعادة النظر فيها، ثم إنشاء ستة منابر إعلامية دفعة واحدة أنفقت عليها مبالغ طائلة، وتصريح أمين عام حزب سياسي بأنه سيضع حرب الإسلاميين ضمن جدول أعماله، كل هذا يؤشر على مدى انزلاق المجتمع المغربي نحو حالة الاستقطاب المجتمعي بين الحزبين.

فقد شهدت سنة 2015م نقاشات مجتمعية بشأن القيم والحريات الفردية والإجهاض على خلفية إصدار مدونة القانون الجنائي، ورغم أنه تم اعتماد المقاربة التشاركية من خلال الحوار الوطني لإصلاح العدالة، الذي استمر لمدة سنة، قبل تنزيل القانون، رأت العديد من القوى السياسية والجمعيات الحقوقية أن معظم فصوله تشكل انتهاكا واضحا للمواثيق الدولية واتفاقات حقوق الإنسانالتي صادق عليها المغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد