في البلدان المتخلفة يحظى السياسي المحترف بمقام تجتمع فيه المتناقضات، فهو الشخصية التي تستظل برهبة السلطة وما يأتي معها من فوائد كالغنى والوجاهة والنفوذ في كل المجالات التي تتجاوز إمكاناته العلمية والثقافية كأن تجده مثلًا، يدعي معرفته العميقة في الدين أو الأدب أو حتى المجالات الطبية والعلمية، أو أن يظهر مهاراته الفنية في مجال الأفلام فتراه يمول الأفلام ويتدخل في سيناريوهات معينة أو أن يطرح فكرة تتحول بقدرة قادر إلى عمل جبار تتوفر فيه كل عناصر الجدة والأهمية كما ستطبل الصحف المخدومة وغير ذلك من الامتيازات، في المقابل تجده مكروها أشد الكره من لدن الناس، ولا يُذكر إلا ليلعن وليعتبر سبب الكوارث.

هذه الصورة والتي لا يوجد بلد متخلف إلا ويوجد نماذج لها  تتواجد بصورة قوية في المغرب، بالرغم من أن للمغرب خصوصية معينة ليست تلك الخصوصية التي يطبل لها نفس السياسي، وإنما هي الخصوصية المناقضة والفاضحة له، فهذا الكائن الذي لا يوجد له وجود مادي، إلا في وقت الانتخابات، ولا يحضر إلى أحياء وقرى الفقراء، إلا وقت حاجته الملحة إلى تجديد شرعيته المهزوزة كل خمس سنوات يبدو غريبًا دائمًا وأبدًا عن الناس قريبا وملاصقًا لهم في وجودهم اليومي كلما اتجهوا نحو الإدارة، أو مقر العمل، أو الأسواق، حيث يصدمون بسوء التسيير وتعقد الإجراءات الإدارية والازدحام والغلاء، لكنهم غالبًا ما لا يربطون بين انعدام مشاركتهم السياسية المتدنية بواقعهم، وبالتالي فالسياسي المحترف الذي يعي جيدًا ظروف الفقر لا يعمل على تجاوزها وإنما بقاؤها، لأنه مادام الفقر مسيطرًا وانعدام الوعي السياسي لدى الناس ولو في الحدود الدنيا يعطيه ميزة التحكم في الناس، عن طريق الرشوة المباشرة للتصويت عليه أو عن طريق استغلال الروابط العائلية والقبلية أو عن طريق الولائم التي تجمع الناس حول مائدة واحدة، لا يبخل فيها السياسي عن إبداء كرمه وحفاوته حتى يُطيب النفوس لتلقي الرشوة المباشرة.

إن الوضع في الدوائر الدنيا يبدو معقدًا، لكنه في الدوائر العليا يبدو أكثر تعقيدًا؛ لأن الساسة المحترفين الكبار والمتواجدين في اللجان العليا للأحزاب لهم أيضًا تكتيكاتهم الخاصة، والتي لا تقل سوء عن نظيرتها الدنيا ذلك أن هؤلاء هم واجهة الأحزاب ممن يحظون بالمناصب الرفيعة كالوزارات والكتابات التابعة لها والوظائف الكبرى في المؤسسات، وقد يتخلى البعض منهم في سبيل المناصب على الصفة الحزبية أو ينتحلونها للوصول إليها، وذلك مرهون بالسياق المختلف والزمن السياسي القائم والذي يتسم غالبًا بالجمود وسيادة لغة التوافق التي تساوي غالبًا تقسيم المناصب والنفوذ لا تقسيم المسؤولية، بالرغم من أن هذه الأخيرة هي ما يقود السياسيين الكبار، لا جمع الثروة، ولا رهن المستقبل بالحاضر، أو مصير الجماعة بمصير أفراد.

غاية الاغتناء وهدف اقتسام النفوذ لا يمكن أبدًا استيعابه ولا استخلاصه من خطاب السياسيين ولا الأحزاب، فالبيانات التي يصدرونها وتصريحاتهم للإعلام تكون في قمة الوطنية ونكران الذات، وغالبًا ما ثبت في الإذاعات الوطنية وتنقلها وسائل الإعلام المقروءة وشبكات التواصل الاجتماعي، وبالرغم من أن الاهتمام بها في حدوده الدنيا واللامبالاة تسم مواقف الناس غير أن كلمات هؤلاء تخترق الأسماع وتتغلغل، ولا يمكن أبدًا الرد عليه ما دام هو الوحيد الذي يحتكر القول، خصوصًا في القنوات الرسمية التي يتابعها الفقراء والعامة ممن يشكلون الطبقة الدنيا، بالرغم من التأثير الهائل الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أتاحت للجميع فرصة ضئيلة للتعبير.

ما يفضح هؤلاء هو التسيير الرديء ومظاهر الأبهة في معاشهم وأرصدتهم البنكية وحجم الثروة المتداول عبر إفراد العائلة، ثم حجم التنازلات التي يقدمونها من رصيدهم الانتخابي لخدمة السلطة وأرباب المقاولات وليس المواطن، وهذه المعلومات لا تتسرب إلا عبر قنوات غير رسمية أو عبر تقارير دولية، تكشف حجم المفارقة بين واقع البلد وواقع حياة هؤلاء، بالرغم من النفي المتأصل في البيانات ومرافعات البرلمان ومزايدات السوق الانتخابية وبين الحقيقة والخيال تضيع أرزاق الناس وحياتهم، لأن المواطن البسيط المرهون بالواقع المُر لا يبالي بالكلمات والبيانات بقدر ما يهتم بما يمس واقعه وبما يراه في سلوك ممثليه والذي له نتيجة مباشرة على نظرته إلى الوطن، وإلى مؤسسات الدولة التي تبدو كأنها لا تبالي إلا بالمحظوظين، وأن دوره يتمثل في أداء الضرائب والتصويت على هؤلاء والعمل في حقولهم ومصانعهم وحراسة منشآتهم ومنازلهم.

إن علاقة المغربي بالسياسة ملتبسة، فالحماس الذي صاحب الاستقلال يومًا تم قبره لعقود بالتزييف والتزوير ما قلص مقدار الثقة وأصبح التلاعب رديفا للانتخابات حتى أن المعضلة الحالية بالنسبة للجميع، خصوصًا المشاركين النزهاء هي عدم القدرة على إقناع الناس بصدق العملية، وما يزيد الطين بلة هو رغبة السلطة في أن تكون النزاهة في خدمة حساباتها، وهو أمر يتضح فيما وقع للعدالة والتنمية حين فازت بأكثر المقاعد، لكن دون أن تقدر على تشكيل الائتلاف الحكومي الذي تريده بل تعرضت لضغوط سحبت منها كثيرًا من الوزارات الوازنة، وبالتالي خلق خيبة أمل كبيرة للمصوتين.

يمكن أن يتساءل الإنسان البسيط عن الكيفية التي يستطيع من خلالها السياسي تحقيق شعاراته وهو الذي لا يمتلك الأدوات اللازمة وحتى لو امتلكها لن يتورع في التنازل عنها ( تنازل بنكيران عن صلاحياته) لمن يراه صديقًا أو حليفًا أو خصمًا أقوى، وبإمكان المهتمين الاقتراح والإدانة، ولكن الواقع السياسي يظل رهينة الجمود والجمود هو عبارة عن حالة تسمح لمن يملكون السلطة وزمام المبادرة الحقيقية تمرير مقترحاتهم بالشكل الذي يناسبهم، بينما الذين لهم الشرعية الحقيقية، أي المنتخبون مجردون من كل شيء لأنهم ربما تنازلوا عنها؛ لأن النضال الذي هو مقدمة الفعل السياسي الحقيقي غير موجود في سيرة الكثير من هؤلاء، بل إن وصولهم إلى مواقعهم يتم عن طريق الولاء والتبعية لشخصيات أكثر نفوذا وهكذا دواليك.

الجمود هو عقلية تعيد إنتاج نفسها ولا يمكن أبدًا تجاوزها لأن البرامج السياسية، ومهما بدت متقدمة ومغرية تصطدم بهذه العقلية المسيطرة، وتبقى مجرد إعلان نوايا سرعان ما يُنسى بعد الانتخابات ليستعاد بصيغ جديدة مع كل انتخابات جديدة دون أي تقدم، بالرغم الدور الذي تؤديه الصحافة المستقلة والمعارضة النزيهة والمثقفون؛ لأن الرأي العام الذي ليس في حقيقته إلا جمهورًا عريضًا من المتلقين السلبيين لا ينخرط جيدًا في المبادرات التي تهز أركان الجمود، وإنما يغذيه وينتظر في كل مرة أن يسقط أحد من المناضلين دفاعًا عن قضايا، وإن بدت عادلة، إلا أنها مسؤولية جماعية، وتصدي الأفراد لها مغامرة جبارة، ولكنها غير كافية لإحداث التغيير المطلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات