أثارت التقارير التي بثتها القناتان الرسميتان في المغرب عاصفة من التساؤلات حول تغير لهجة الإعلام الرسمي تجاه نظام السيسي الذي وُصف بوزير الدفاع الذي قاد انقلابًا على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، كما نددت التقارير بارتكاب الجيش المصري انتهاكات ومجازر مروعة بحق الشعب المصري، وقد اتضح السبب وراء هذا التغير بعد مقطع الفيديو الذي تم تسريبه لضباط جيش مصريين يقومون بالتدريب النظري لعناصر من جبهة البوليساريو فيما يبدو أنه تخادُم بين النظامين المصري والجزائري في ملفي ليبيا والصحراء.

ورغم أن هذا قد يبدو سلوكًا مستغربًا لكن حقيقة الأمر أنه أحد أنماط سياسات المكايدة الطفولية بين الأنظمة العربية العسكرية والذي كان شائعًا في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، خاصة في الساحة الفلسطينية. لكن المثير للاهتمام هو حالة التخبط والضبابية التي عمت وسائل التواصل الاجتماعي عن موقف النظام المغربي من الثورات ومن الإسلاميين خاصة مع وجود حزب العدالة والتنمية الإسلامي على رأس الحكومة هناك، لذلك فكان من المهم توضيح طبيعة النظام السياسي المغربي ونمط علاقته بالربيع العربي والإسلاميين، وتطور هذه العلاقة وأبعادها المختلفة.

يعتبر البلاط الملكي أساس النظام السياسي المغربي والمتحكم فيه، وهو من أكثر الأنظمة الديكتاتورية احترافية في الشأن السياسي، فهو يلعب أدوارًا متعددة وأحيانا متناقضة على التوازي ويوظف كل أداة ممكنة بما يخدم مصالحه ويرسخ حكمه، فالملك يقدم نفسه باعتباره أمير المؤمنين ورأس النظام الشرعي ورمز السلطة الدينية، وهو في ذات الوقت من يرعى سن القوانين التي تتنافى بالكلية مع الشريعة الإسلامية. هو إمام الإسلاميين في الصلاة وخطيبهم، وهو للعلمانيين صمام الأمان الذي يضمن علمانية الدولة.

هو نصير الفقراء المتصدق عليهم وفي ذات الوقت شريك المؤسسات التجارية الكبرى. هو الضامن لوحدة المجتمع المغربي عربًا وأمازيغ وهو من يذكي اختلافاتهم وصراعهم ليحكمهم بمنطق فرّق تَسُدْ.

هو المتحكم في السياسة من خلال رؤساء الوزراء الذين يعينهم، وهو في ذات الوقت المقام الرفيع فوق السياسة ومشاحناتها وصراعاتها. هو الحليف الأمريكي منذ الخمسينات وهو في ذات الوقت لاعب أساسي في كل قضايا العالم الإسلامي، وهو مؤسس وراعي لجنة القدس للحفاظ على المسجد الأقصى وهو حامي اليهود المغاربة الذين يوطد من خلالهم علاقته بالكيان الصهيوني، وهو في ذات الوقت مناصر القضية الفلسطينية وصاحب العلاقات التاريخية بفصائلها المختلفة.

هو من يصلي خلف السلفي ويجلس أمامه ليستمع لخطبته، وهو الصوفي راعي مقامات أولياء الله والمحب لهم. وأما في الشأن الاقتصادي فيتبع النظام سياسات تحتوي المواطن فلا يحقق -إلا بصعوبة- الكفاف الذي يُعتقه من الإلحاحات المعيشية الأساسية ومن ثم قد يبدأ في الانشغال بالشأن العام، وفي ذات الوقت لا ينتهي إلى حالة من العدم الذي قد يؤدي به إلى الانفجار، فلا تدفعه الفاقة ولا الكفاف إلى التفكر في الشأن السياسي أو مساءلة النظام.

وحين أتت أحداث الربيع العربي تعامل معها النظام بذات السياسة المتزنة، فعقب الإطاحة بحسني مبارك في مصر والذي تلا فرار زين العابدين بن علي من تونس، كان المغرب على موعد مع احتجاجات 20 فبراير التي دعا لها الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي بذات النمط المصري والتونسي، وبالفعل لبَّى عشرات الآلاف من المغاربة الدعوة وعمت المغرب المظاهرات لعدة أيام والتي لم يشارك فيها حزب العدالة والتنمية رغم سابقة الإخوان المصريين في هذا الشأن.

لم ينتظر النظام طويلا؛ ففي التاسع من مارس أعلن محمد السادس عن (تشكيله) للجنة تقوم بتعديلات دستورية يتنازل الملك بموجبها عن جزء من سلطاته لرئيس الوزراء والبرلمان. ومن ثم غيرت وسائل الإعلام المغربية خطابها وبدأت الحديث عن أحداث الربيع المغربي على أنها “ثورة الملك والشعب” وتقديم الملك على الشعب له دلالة لا يمكن إغفالها.

ثم أتت التعديلات في 17 يونيو لتلزم الملك باختيار رئيس وزراء من الحزب صاحب الأكثرية في البرلمان، وتنقل حق حل البرلمان من الملك إلى رئيس الوزراء وتعترف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية، ولكنه أبقى الجيش والمؤسسة الدينية تحت سيطرته الكاملة.

وقد أدت هذه التعديلات إلى انسحاب الحركة الثقافية الأمازيغية من الحراك الثوري ونجحت في احتواء الأمازيغ، ونجحت كذلك في احتواء الإسلاميين الذين رضوا بدخول العملية السياسية خاصة بعد طمأنات بنزاهة الانتخابات، ثم قام النظام من خلال اليساريين الموالين له بتحويل غضب ومعركة الحركات اليسارية والثوار باتجاه الإسلاميين الذين دخلوا المعترك السياسي بدلا من أن تكون موجهة إلى البلاط الملكي.

أقيمت الانتخابات وبالفعل حقق حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بن كيران الأكثرية البرلمانية بحصوله على 106 مقاعد من أصل 395 أي ما نسبته 27.1%، لكنه فوجئ بصعود ثلاثة أحزاب موالية تمامًا للبلاط؛ وهي حزب الاستقلال شبه الإسلامي بقيادة حميد شباط الذي حصل على 60 مقعدًا بنسبة 15.2%، وحزب التجمع الوطني للأحرار ذو التوجه الليبرالي بقيادة أحمد عصمان رئيس الوزراء السابق وصهر الملك الذي حصل على 52 مقعدًا بنسبة 13.2%، وحزب الأصالة والمعاصرة المحافظ بقيادة محمد الشيخ بيد الله (يقوده الآن مصطفى الباكوري) الذي حصل على 47 مقعدًا بنسبة 11.9%.

أي أن مجموع ما حققته أحزاب القصر 159 مقعدًا، ما نسبته 40.25%، هذا بالإضافة إلى العديد من الأحزاب الصغيرة والمستقلين الموالين للملك. وبذلك نجح البلاط في استثمار كل ما يملك من أدوات إعلامية وكتل اجتماعية وفزاعة الإسلاميين كي تأتي تركيبة البرلمان على النحو الذي يخدم مصالحه ويفرغ أي انتصار أو أكثرية إسلامية من مضمونها. وبالفعل اضطر العدالة على إثر ذلك للائتلاف مع حزب الاستقلال باعتباره أخف الضرر لتتشكل حكومة بن كيران الأولى في ٣ يناير ٢٠١٢.

ظل البلاط يراقب أحداث الربيع العربي ويسيّر علاقته بالحالة الثورية وبالإسلاميين شدًا وإرخاءً على ضوء تطوراته وتفاعلاته، وكان الحدث المحوري هو الانقلاب الذي وقع في مصر والذي رحب به النظام المغربي وكان من أوائل المهنئين للرئيس المؤقت عدلي منصور، ما وضع حزب العدالة والتنمية في موقف محرج وخرجت بياناته في هذا الشأن مائعة ودون المستوى.

وقد استثمر البلاط الحدث لتحجيم الإسلاميين حيث أوعز لإعلامه وللأحزاب الموالية له في البرلمان بمدح الانقلاب ومهاجمة الحكومة والمطالبة بالتخلص من حزب العدالة والتنمية، فصرح حزب الأصالة والمعاصرة أن التدخل الذي قام به الجيش المصري “جاء لحماية المؤسسات السياسية المصرية والديموقراطية”.

أما حزب الاستقلال الشريك الائتلافي للعدالة والتنمية في الحكومة فقد طالب رئيسه بن كيران بالرحيل “كما رحل أخوه محمد مرسي” ثم قام بسحب وزرائه الستة من الحكومة دفعة واحدة ما أدى إلى انهيارها.

أفقدت هذه الصدمة حزب العدالة والتنمية توازنه وظل قادته في حالة من القلق يترقبون مصيرًا مشابهًا للإخوان في مصر، لكن البلاط المغربي لم يتعامل مع الحزب بالعداء العاطفي التقليدي الذي تتعامل به الأنظمة العربية مع الإسلاميين، بل قام البلاط بالإيعاز لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقوده صهر الملك بالدخول في ائتلاف حكومي مع حزب العدالة والتنمية لتتشكل حكومة بن كيران الثانية في 9 أكتوبر 2013، وبذلك أصبح الإسلاميون شركاء لمن يوصفون في المغرب بحزب النخبة الفاسدة.

استطاع النظام الملكي بعد ذلك أن يضرب ما تبقى من مصداقية الإسلاميين وشعبيتهم ويحملهم كل تبعات وأخطاء حكم لا يملكون زمامه، فقد أعلن حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات عن برنامج اقتصادي يهدف إلى تقليص الفجوة بين الطبقات وتحقيق العدالة الاجتماعية ومساعدة الفقراء وذلك من خلال إلغاء الامتيارات الضريبية التي تتمتع بها الشركات الكبرى وإصلاح صندوق المقاصة (صندوق الدعم) برفع الدعم عن السلع وتحويله لدعم مباشر للفقراء.

ترك البلاط العدالة والتنمية ينفذ الشق الأول من برنامجه برفع الدعم عن السلع والمحروقات وتخفيض ميزانية صندوق المقاصة، ثم منعه من خلال أحزابه في الحكومة والبرلمان من إلغاء امتيازات الشركات الكبرى ومن تقديم أي دعم مباشر للفقراء.

وكانت نتيجة ذلك أن المواطن المغربي أصبح ينظر للحزب على أنه أداة تعذيب، وعده بالدعم المباشر فأخلف وكذب، بل وحرمه من دعم السلع الذي كان في الأصل “هبة ملكية” ليزيد من فقره وبؤسه، وتحول بن كيران من مصلح تعلقت به الآمال أثناء الربيع المغربي إلى مجرد وزير آخر من وزراء الملك لكنه موصوم بمعاداة الفقراء ومحاربتهم في أقواتهم.

وتحول الحزب الإسلامي الأكبر والأشهر من معارضٍ للنظام إلى أداة أخرى في صندوق أدوات البلاط الذي يستخدمه للسيطرة على الشعب.

ولعل أبرز ما يلخص الحال الذي آل إليه حال الإسلاميين في المغرب وما آل إليه الربيع المغربي هي تلك المناقشة التليفزيونية التي ظل فيها المعارض اليساري إدريس شكر يهاجم حكومة بن كيران بشدة، وحين وجد وزير السكنى وسياسة المدينة في حكومة الإسلاميين نفسه عاجزًا عن الرد قال لشكر لا تزايد علينا “فنحن حكومة صاحب الجلالة”، فرد عليه إدريس شكر “ونحن أيضًا معارضة صاحب الجلالة”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد