شهد التعليم الخصوصي بالمغرب إقبالًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة من طرف الأسر المغربية، وبالخصوص المتوسطة الدخل؛ ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد هذه المدارس لسبب مهم هو انتشار بروباغاندا داخل المجتمع المغربي تُروج لفكرة الإفلاس النهائي للمدرسة العمومية، وأنّ منقذ التلميذ المغربي من الأمية والجهل والبطالة هو المدارس الخصوصية.

في البداية لابد أن نشير إلى أن الدولة (المغرب) تعتبر التعليم الخصوصي شريكًا لنظيره العمومي، وليس منافسًا له، ويساهم في تطوير المنظومة التربوية بشكل عام وفق ضوابط وجب احترامها. والميثاق الوطني للتربية والتكوين في دعامته 18 اعتبر التعليم الخاص «شريكًا رئيسًا إلى جانب الدولة في النهوض بنظام التربية والتكوين، وفي توسيع نطاق انتشاره، وفي الرفع المستمر من جودته». وقد أكدت المادة 4 من القانون 06.00، وهو بمثابة نظام أساسي للتعليم المدرسي الخصوصي على أنه «تلتزم مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي كحد أدنى بمعايير التجهيز والتأطير والبرامج والمناهج المقررة في التعليم العمومي». يوجد في المغرب، حسب تقرير الوزير أمزازي حول السنة الدراسية 2017_2018 الذي قدمه أمام المجلس الأعلى للتربية والتكوين 16285 مؤسسة تعليمية، منها 10905 للتعليم العمومي (67%) ويلجها ما يقارب 6 ملايين متعلم/ة، في حين وصل عدد مؤسسات التعليم الخصوصي إلى 5380 (33%)، ويلجها ما يقارب مليون متعلم/ة، أي أن (14%) فقط من المتعلمين يلجون (33%) من مجموع المؤسسات التعليمية (الخاصة).

من المؤسف أن التقارير الرسمية لا تحمل أرقامًا يمكن على ضوئها أن نقارن مدى نجاعة وفعالية وجودة كل من التعليم الخصوصي والتعليم العمومي، إن كانت المقارنة ممكنة، لأن الأطار العام لكلا القطاعين موحد وليس منفصلًا. وهذا ما يؤكذه تغييب إحصائيات الأساتذة الذين يشتغلون بالمدارس الخاصة، حيث إنه بالملاحظة المباشرة لواقع هذه المدارس سنلاحظ أن غالبية أطرها يشتغلون بالقطاع العمومي بله تلقوا تكوينهم الأكاديمي وكذا المهني في مؤسسات القطاع العمومي ( الجامعات، مراكز التربية والتكوين…) كون القطاع الخاص الذي يحكمه المنطق التجاري والربح المادي لن يستطيع توفير السيولة الكافية لتكوين أطره الخاصة، من أساتذة، ومؤطرين تربويين.. ما يدفعه إلى الاستعانة بأطر القطاع العمومي.

التعليم الخصوصي رغم كل ما مُنح له من تسهيلات وحرية ولو جزئية في اختيار مناهج وبرامج ومقررات ولغات التدريس التي تستجيب لطموحات العائلات الغنية في تعليم فرنسي في مدارس مغربية، ورغم محاولة أصحاب «الشكارة»، العمل على زخرفته شكلا، فإنه من ناحية المضامين لا يبتعد كثيرًا عما هو كائن في التعليم العمومي، وقد نجد من المدارس العمومية ما هو أفضل وأحسن من المدارس الخاصة من ناحية النتائج المحققة.

من الملاحظ أيضًا أن النقط الأولى على مستوى البكلوريا مثلًا في السنين الأخيرة يحققها تلاميذ القطاع العمومي، رغم ما يعرفه القطاع الخصوصي من تجاوزات على مستوى منح النقط. البلاغ الصحافي للوزارة حول أعلى المعدلات المسجلة في الامتحان الوطني لنيل شهادة البكلوريا_الدورة العادية يونيو (حزيران) 2017.

ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن فئة عريضة من النخب والكفاءات والأطر على المستوى الوطني وفي كل المجالات هي نتاج للمدرسة العمومية والقطاع العام.

إن التعليم العمومي والتعليم الخصوصي بالمغرب يقومان على الأسس نفسها، ولا يمكن أن نتوقع نتائج مختلفة لكليهما في إطار سياسة تعليمية عامة موحدة ولا أن نتصور مخرجات متباينة لنفس المدخلات، إلا إذا استثنينا البنايات والتجهيزات، وما يميز مؤسسات القطاع الخاص من بعض «الرتوش» من قبيل الأنشطة الفنية، والرياضية، والزيادة في الساعات المخصصة للغات الأجنبية، والعمل على الحصول على اعتمادات من مدارس ومعاهد دولية، بطرق قد تكون مشبوهة، لإضفاء طابع الجودة على خدمات هذه المؤسسات، وهذا لا يؤثر في النتائج العامة لهذا القطاع (التعليم الخاص)، ليبقى جوهر المشكل هو نفسه.

إن ما يدفع فئة مهمة من المغاربة إلى تدريس أبنائها في المدارس الخاصة وتحمل تكاليفه التي تستنزف جيوبهم هو نوع من النفور النفسي الجماعي من المدرسة العمومية ومشاكلها، معتقدين أن المدارس الخاصة تمنح أبناءهم فرصًا أفضل للاستفادة من تعليم ذي جودة، دون أن يفكروا هل فعلًا المدارس الخاصة هي البديل الذي يتطلعون إليه! وهل تضمن فعلًا تعليمًا متطورًا وذا جودة لأبنائهم! أم أن ما أصاب التعليم العام لم يكن ليخطئ شريكه الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد