إن من العلاقات الشائكة المطروحة أمام البحث العلمي منذ زمن، ولا زالت تشغل اهتمام الباحثين والأكاديميين علاقة الدولة بالدين، ويندرج تحث هذا الإطار علاقة الحركات الإسلامية بالأنظمة السياسية، فمنذ ظهور الحركة الإسلامية المنظمة بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، ظهر تنظيم الإخوان المسلمين عام 1928 كردة فعل على سقوط الخلافة، والبحث عن سبل استرجاعها، بدأ الامر بالعمل التربوي والثقافي وانتهى بتأسيس الأحزاب السياسية الإسلامية والخوض بها في غمار السياسية. لقد شكلت الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا وسيد قطب آنذاك المرجع المعتمد لنقل التجربة إلى بلدان أخرى، كتونس والمغرب..، تعد الشبيبة الإسلامية المغربية نموذجًا لنقل هذه التجربة والنهل منها، في المقابل كانت الأنظمة بهذه البلدان العربية تتبنى التوجه القومي، فما هي الاستراتيجية التي تعامل بها النظام السياسي المغربي مع الإسلاميين بالمغرب.

بعد استقراء لتجربة الإسلاميين بالمغرب وخاصة تجربة حركة التوحيد والإصلاح، وعلاقتها بالنظام الملكي المغربي، يمكن أن نستنتج أن النظام يستعين بأربع استراتيجيات في تعامله مع هذا التيار الإصلاحي، ويمكن تلخيصها في ما يلي:

الاستراتيجية الأولى: استراتيجية الادماج التدريجي، وهي التي استعملها النظام في بداية التحاق الإسلاميين بالعمل السياسي، وقبول السماح لهم بالدخول إلى حزب عبد الكريم الخطيب (الحركة الشعبية الدستورية)، وكان وجه التدرج في ذلك عدم مشاركة حزب الحركة الشعبية آنذاك في الانتخابات الجماعية لسنة 1997،بحيث يفهم في ذلك أن التدرج استراتيجية تعامل، ويمكن أن نقرأ حتى امتناع السلطات من الترخيص لهم في إنشاء حزب «التجديد الوطني» و«الوحدة والتنمية» بمثابة تهيئتهم للدخول التدريجي بالكيفية التي يريدها النظام.

الاستراتيجية الثانية: استراتيجية التضييق والمحاصرة، وكانت هذه الاستراتيجية تكلل جميع المراحل التي مر منها الإسلاميون منذ النشأة، بداية مع حل الشبيبة الإسلامية، واعتقال القيادات آنذاك، ثم بعد ذلك اعتقالات 1984، بدعوى التحريض على انتفاضات الخبز، مرورًا بالتضييق عليهم بعد الاندماج السياسي، في مسألة الترشيحات، بتحديد السلطات لعدد الدوائر التي لا يمكن تجاوزها في عملية التغطية الانتخابية، ونضيف كذلك إبقاء الإسلاميين في المعارضة رغم احتلالهم لمراتب متقدمة على مستوى نتائج الانتخابات التشريعية، والتضييق عليهم كذلك في أنشطتهم الفكرية والاجتماعية الإشعاعية.

الاستراتيجية الثالثة: استراتيجية التجاهل واللامبالاة، وهذه الاستراتيجية ظهرت بالواضح خصوصًا في الولاية الحكومية السابقة، التي تغاضى فيها النظام عن الخطاب والسلوك السياسي للإسلاميين طيلة الفترة الحكومية، ونتذكرها كذلك في المراحل الأولى لظهور الشبيبة الإسلامية عندما كانت شوكة تيارات اليسار بحاجة الى ردع ومنافس أيديولوجي، فقد تغاضى النظام السياسي المغربي عن الإسلاميين في بداية تكونهم ونشأتهم.

الاستراتيجية الرابعة: استراتيجية الردع والتنكيل، ونلحظ جيدًا هذه الاستراتيجية في عدة محطات كحل الشبيبة الإسلامية واعتقال القيادات وحملة ما بعد أحداث الدار البيضاء -2003 وغير ذلك، ولعل آخرها عزل عبد الإله بنكيران من رئاسة الحكومة بقرار ملكي، وفرض تركيبة حكومية تغلق القوس المفتوح للإسلاميين بعد الربيع العربي، وتحد من (الإزعاج) الذي سمح به النظام بعد انتفاضة 20 فبراير  (شباط)، وكانت تلك الخطوة آنذاك -التعديل الدستوري ورفع اليد عن الانتخابات- خطوة براغماتية فرضتها الجماهير الشعبية.

رغم تأزم الفكر السياسي الإسلامي وتشوه الخيالات التي يتبناها الإسلاميون، ورغم جميع المراجعات الفكرية والسياسية التي اعتكفوا عليها ووضعوها فوق طاولة النقاش طيلة فترة الثمانينيات، وخاصة التي تتعلق بالشرعية الدينية للدولة والشرعية الدستورية، ونهلهم من التجارب والنماذج الأخرى الخارجية، كنموذج الترابي وأربكان والتجربة الدعوية في الأردن، والتجربة التونسية في علاقة الدين بالدولة وتجربة الإخوان المسلمين في الاستفادة من الأخطاء، فالنظام  الملكي المغربي لا زال متشبثًا بنفس استراتيجيات التعامل مع الإسلاميين، ويتعامل بحذر مع جميع مكونات القوى الإسلامية. بل الإسلامبين وغيرهم من الأحزاب السياسة والحركات الاجتماعية بمختلف توجهاتها، دخولها إلى عالم اللعبة السياسية بالمغرب له خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وكل الأطياف التي دخلت اللعبة السياسية المغربية أكدت خلاصة واحدة، وهي سمو المؤسسة الملكية على الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد