أسفي عندما أجد طالبًا في السنة الأولى من التحاقه بالجامعة، وطيلة عمر حياته الدراسية، والتي قد تصل في أدنى الحالات الزمانية إلى 10 سنوات أو يزيد، قلت أسفي عندما يمارِس طالب العلم والحامل لمشروع التنوير ممارسة عنيفة مادية مجرّدة من أي قيمة أخلاقية بحمله سلاحًا معينًا على مستوى الشكل سواء أكان سيفًا أو «زَبارة» لا يهم؛ لأنه آمَن بلا سبيل في الحسم إلا بهذه اللغة، لغة العنف الثوري، والطامة الكبرى عندما تجده لا يفهم حتى لما حمله وعلى من –ولا يريد أن يعرف–، وبعد حين من الدهر التقى المناضل المبدئي مع رفاقه الأشاوس على محاكمة عاملة في مكناس بسبب انتمائها الثقافي –وهو حقها المقدس– فحلقوا شعر رأسها وحاجبيها، وبعدها هاجم غرفة طالبة في الحي الجامعي فاس سايس فقط لأنها بدأت كلمتها بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بتحرير قيود المرأة والتحرر والتنور، لم يكتف من يرشح نفسه لقيادة «البروليتاريا» نحو الحرية والكرامة المنشودة؛ فقد حاكَم طالبًا وهَدَّده بالحرمان من متابعة الدراسة لا لشيء إلا لأنه حمل نوعًا من الأفكار تخالف أيديولوجيته.

هي أمثلة من كثير لأبرز الأحداث التي عاشتها الجامعة المغربية في الآونة الأخيرة، راح ضحيتها على وجه الخصوص طلبة التيارات الإسلامية، وبالتحديد فصيل طلبة العدل والإحسان، الذي، وفي السياق العام، يحاصَر من داخل الساحة الجامعية، بالتوازي مع حصار جماعة العدل والإحسان في الشارع السياسي العام، «ترسيب، وإعفاء، اعتقالات، مداهمات ومنع…» من طرف الدولة المخزنية، وللرجوع إلى الفاعل، أو بتعبير سليم المفعول به، على اعتبار أن المناضل الثوري يمارس ممارسة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، بأنها تتموقع حيث مصلحة النظام بوعي منه أو بدونه، وكيف يحضر الوعي إذا غابت المعرفة وغاب الفهم في منطق الصراع، بحيث هو يتصارع مع النقيض الثانوي والرئيسي، ولا يدري لماذا يتصارع، وما الدوافع التي جعلته يتصارع، أو بمعنى آخر «تفاهة الشر» كما تقرر الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت، إن المفعول به ينتمي إلى تيار من التيارات القاعدية، التي لا تنتهي، وهنا المقصود ما يطلق عليه: البرنامج المرحلي، الذي ارتبط اسمه بالأحداث الدموية؛ فهو لا يعرف، كما اتضح في الأحداث القليلة من كثير، إلا نهج أسلوب المواجهات الدامية والميلشيات المسلحة بالسلاسل والسيوف، في إصرار عنيد منه إلى جر باقي مكونات الحركة الطلابية، وخاصة فصيل طلبة العدل والإحسان، إلى معارك هامشية، وإغراق الساحة في حمامات الدم.

هو ليس تيار طلابي يحمل مشروعًا وفكرًا، بل عصابة إجرامية منظمة، ذات فعل إرهابي ومخططات مخزنية، لا يمكن أن يمر عليه السنة دون افتعال أزمات العنف، ولن يستطيع أبدًا وبإجماع الكل «أساتذة، موظفين، عمال، مكونات طلابية، طلبة…»، لتخدم بذلك، خدمة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح النظام المخزني في لفت الأنظار عن المخططات التي تستهدف الجامعة، وتزحف عن الحقوق والمكتسبات التي راكمتها الجماهير الطلابية «آخر هذه المقررات قرار إلغاء مجانية التعليم»، وفي محاولات مكشوفة منها للوقوف أمام المعركة الحقيقة في الظرفية الراهنة، وهي بناء وعي طلابي ينشد ويساهم في التغيير.

في حين تجد رجال الحموشي مشغولين بتصوير تدخلاتهم الهوليوودية في محاربة الإرهاب، وتفكيك الخلايا الإرهابية قبل تشكلها، يقفون إلى جانب كل أجهزة الدولة من إداريي الجامعة وإعلام رسمي متفرجين أمام ترك هؤلاء يصولون ويجولون على طول الساحة الجامعية وعرضها، دون حسيب أو رقيب، خالقين بذلك الرعب والخوف والإغماءات في صفوف الطلبة والطالبات. وإن لا يعني أنها دعوة لعسكرة الجامعة وللمقاربة الأمنية، فالجامعة كانت وستكون للعلم وتناطح الأفكار والنقاش، وليس «للبوليس»، سواء الرسمي أو بيادق النظام الذين يمارسون ما فيه مصلحة للأخير كما رأينا.

وإذا كان الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي لويس ألتوسير يقول إن عملية التأريخ عبارة عن قراءة وتحليل يتبنطها مذهب فلسفي معين، أو أيديولوجي أو بمعنى قريب حول إشكالية العنف التي في صدد تفكيكها على المستوى التاريخي، بإسقاط الحاضر على الماضي والأخير على الحاضر، من أجل الوصول إلى حلّ وسط وسلام داخلي، فإن محمد ظريف في كتابه تاريخ الحركة الطلابية يذهب إلى أن تاريخ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب هو تاريخ الفصائل من داخل المنظمة، لهذا نرى من بين المبررات الواهية التي يحاول بها هؤلاء تغليف أفعالهم العنيفة تجاه أبناء فصيل طلبة العدل والإحسان تغليفًا قريبًا إلى المظلومية التاريخية والأخلاقية بسبر أغوار الماضي، والحكي عن أحداث وقصص تعبر عن مدى حجم خيال هؤلاء، الأمر مرتبط بأحداث التسعينات، وبتلك الأسطوانة المشروخة التي هي على لسان جل التيارات القاعدية «قصة اغتيال بنعيسى ايت الجيد والمعطي بوملي، الهجومات التترية، الفتوحات الإسلامية، السيوف وصهيل الأحصنة…» وغير ذلك من المرويات التي لا نراها إلا في فيلم الرسالة بين قريش والمسلمين، وهنا أعي جيدا أني لا أحاول تفنيد هذه الأحداث، إنما أحاول تأكيد وجود تشابه في الممارسة المادية الخالية مما هو أخلاقي، بين الأمس القريب، وحاضرنا هذا، بحيث أنه ومن خلال تحليل بسيط يمكن أن نصل إلى خلاصة تعبر عن «أكذوبة» طرح هؤلاء التاريخي؛ لأن ما يتهمون به الطلبة الإسلاميين وقتها هو نفسه ما هم فيه الآن؛ فالواقع يشهد وعلى الجماهير الطلابية أن تشهد كذلك بكل وعي ومسؤولية، أن التيارات القاعدية والتي تؤمن بالماركسية اللينينة جسم دخيل على الحركة الطلابية على مستوى الممارسة والمنطلقات النظرية، خاصة أمام الإسلاميين «فضح سياسي، قطيعة اجتماعية، مواجهة عسكرية»، ومن ثم يمكن أن نقول إن طرح الإسلاميين عن التسعينات، ومسألة مقاربة دخولهم إلى الحركة الطلابية بالنار والحديد، صحيحة نسبيًّا كما نرى ما تعيشه الآن.

والمضحك المبكي أن تجربة مناضلنا الثوري والمبدئي تولد ببداية حياته الدراسية وتموت بنهايتها، وما وراء ذلك التحاق بأحزاب سياسية «إدارية» لطالما قدمت خدمات جليلة للنظام السياسي، وكذا التحاق بأجهزة الأمن –ولعل اليساري الحديوي الخمار خير نموذج، الذي استطاع أن يؤمن لنفسه منصبًا في وزارة الداخلية– هزلت يا من رفعت يومًا «فليسقط النظام فليسقط الإصلاح» ومن المؤسف أن تجد الجامعة من خلال هذه الممارسات والتصرفات الإجرامية تتخلى عن سمعتها وسط المجتمع، وعن دورها في قيادة الجماهير الشعبية للانعتاق من ربقة الظلم والفساد والاستبداد. فطلبة العدل والإحسان، الفصيل الطلابي الذي كان أول من قال في الجامعة: «العنف لا يأتي بخير»، لم يقلها عبثًا، وإنما ليقينه التام بأن ما انبنى على العنف لا يجنى منه خير، ولا يمكن أن يدوم، وخسارته محققة، وربحه بعيد الاحتمال. فهو فصيل ماض في نضاله المشروع بكل ثبات وصمود، رغم كيد الكائدين، بعيدًا عن كل أشكال العنف ووسائله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد