بين المقتضيات الدستورية وواقع الممارسة

إن التحولات التي أفضت إليها الحركات الاجتماعية بدول العالم العربي بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، سواء على المستوى السياسي، أم الاجتماعي، أم القيمي، شكلت أرضية لتبلور تصور ينبني على ضرورة صياغة تعاقدات اجتماعية جديدة تنضبط لمبادئ حقوق الإنسان واحترام الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، تصور يعيد ترتيب الخريطة السياسية الداخلية، بحيث تضع في عمق أولوياتها الشباب مكونًا حيويًّا يتوجب التعاطي معه بعناية، بحيث يستشعر قدرًا من الاهتمام والانشغال السياسي بقضاياه. هذا الصدى الذي أحدثته الحركات الاجتماعية كان له انعكاس داخل المشهد السياسي المغربي، بحيث استدعى تفاعل صناع القرار مع هذه التحولات الإقليمية والمحلية، وذلك عبر مجموعات «إصلاحات»، عل أهمها التعجيل باستفتاء دستوري يحاول لملمة مطالب الشارع واحتواءها.

وتعد محطة الربيع العربي محطة مهمة في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب، ذلك لكونها لم تكتف فقط بالاحتجاجات ذات الطبيعة المعيشية، وإنما انصرفت إلى مناقشة شرعية مؤسسات الدولة جميعها، وإزالة جلباب الهيبة عنها، والدعوة إلى إعادة النظر فيها من منظار الديمقراطية الحقيقية والفعلية، المبنية على المحاسبة والمساءلة المجتمعية، قدر الجرأة هذا، جعل النقاش السياسي القوي الذي بصم تلك الفترة يتجاوز طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية بعضها بعضًا إلى فاعل سياسي جديد هو الشارع، وهو الدافع الذي عجل بتأطير التشاركية عبر قنوات مؤسساتية رسمية، تحاول تليين قدر الصراع والتدافع الذي تبلور في الشارع خلال الفترة التي سبقت الدعوة لإجراء استفتاء دستوري.

كانت محطة دستور يوليو (تموز) 2011 محاولة فعلية لضبط اندفاع الشارع المغربي، ومحاولة للتجاوب الآني معه، على اعتبار أن الفاعلين الأساسيين في صناعة القرار السياسي في المغرب قد لمسوا قدرًا من الجدية والقوة في طرح الشباب المغربي الذي قاد حركة 20 فبراير (شباط)، وهو الشيء الذي عجل بمراجعة دستور (العقد الاجتماعي) سنة 1996 بما تقتضيه الضرورة الراهنة، عبر تضمينه فصولًا أعلنت عهدًا جديدًا من الممارسة السياسية التي تضع في عمق اهتماماتها الشباب.

وعل الموقع الذي حظي به الشباب داخل النص الدستوري يعكس قدر القوة الإقناعية التي استطاع الشباب أن يُلزم من خلالها الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي المغربي، من خلال التأكيد على ضرورة مأسسة المبادرات الموجهة للشباب بغرض إحداث نقلة نوعية في المسار الديمقراطي للمغرب، عبر العمل على النهوض بوضعية الشباب داجل المجتمع، و«توسيع وتعميم مشاركتهم في التنمية الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية للبلاد، ومساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي والاجتماعي أو المهني».(1)

وإذا كانت مضامين الدستور الجديد تعبر عن تجاوب ومطالب الشارع التي رفعت إبان فترة الربيع العربي، فإن أهم تحول في اعتقادنا هو التنصيص على مفهومين أساسيين لم يشر إليهما قطعًا خلال دستور 1996 وهما: الشباب والتشاركية، هذان المفهومان يعدان تقدمًا مهمًّا لا يمكن إنكاره في سعي المغرب لبناء نموذج ديمقراطي حقيقي، كما يعبران جليًّا عن نبض الشارع المغربي التواق إلى بناء مغرب ديمقراطي، والذي ظل يرزح تحت رحمة دستور جاف من مقومات الحياة الديمقراطية.

ويعد تبني المغرب خيار الديمقراطية المواطنة والتشاركية، خيارًا لا رجعة فيه، والتنصيص عليه كأحد الثوابث الجامعة للأمة، بداية عهد جديد جرى فيه التأسيس لأرضية دستورية مشجعة على النقاش العمومي الجاد والهادف، وقد أفرد لها المشرع الفصول 1، 6، 12، 13، 14، 15، 137. وذلك لضمان مشاركة الشباب في عملية صناعة القرار العمومي. نظرًا لكون حضور الشباب في العملية يعد مؤشرًا على سلامة وحياة الممارسة السياسية في البلاد، وأنه الأساس لبناء نموذج متين لدولة حديثة ومتقدمة.

المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، يعد أيضًا من بين المكاسب المهمة التي جاءت بها الوثيقة الدستورية 2011 (الفصل 33) في علاقة مع الشباب، بما هو مؤسسة دستورية استشارية تعطي لمشاركة الشباب في الحياة العامة طابعًا مؤسساتيًّا رسميًّا عبر تقديم آراء واقتراحات في المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات الصلة بالشباب، والتي تسعى للنهوض بأوضاعهم وضمان انخراطهم في الحياة العامة. عبر الانكباب على قضايا الشباب تشخيصًا وفهمًا واستيعابًا للتحولات التي تعرفها هذه الفئة التي تشكل أكثر من 60 في المئة من البنية الديموغرافية بالمغرب، والتي تعد فرصة مهمة لتحقيق تنمية شاملة وحقيقية، وذلك عبر اقتراح برامج وخطط وسياسات تصيب كبد المطلوب.

وبقدر ما استبشرت المنظمات الشبابية والهيئات الحقوقية خيرًا بالتصدعات العميقة التي أحدثتها في بنية النظام السياسي ذات النمط التقليدي، والتي ظلت تؤمن بمنطق أحادية النظرة، عبر مجموعة تحولات مهمة التي عرفتها الوثيقة الأسمى في المغرب، إلا أنه ما زالت وضعية الشباب تعيش قدرًا من العشوائية والتلكؤ في كيفية التعاطي معها، نسجل ذلك من خلال الاستراتيجية المندمجة للشباب، والتي استغرقت سنوات لإعدادها بصيغتها النهائية، إلا أنها لم يصادق عليها في المجلس الوزاري، مع العلم أنه تمت المصادقة عليها من لدن المجلس الحكومي، الشأن سيان مع المجلس الاستشاري للشباب، والعمل الجمعوي، والذي ما يزال يَنتظر تفعيله بعد زهاء ثماني سنوات على دسترته، والذي تبقى صيغته القانونية والتي وافقت عليها الغرفة الأولى بالبرلمان بعد قراءة لثانية، لا تساير جهود الدولة الرامية إلى إنجاح ورش الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال تجاهل البعد الجهوي في هيكلة المجلس، والاكتفاء بأجهزة ممركزة لن تحقق الغاية المرجوة من مؤسسة استشارية تعنى بالشباب والعمل الجمعوي، والتي يفترض فيها القرب امتدادًا لفلسفة التشاركية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد