لقد تجاوبت الحكومة المغربية مؤخرًا مع عريضة الحياة التي أطلقت شهر يناير المنصرم لإحداث حساب خصوصي لدى الخزينة العامة للملكة يسمى «صندوق مكافحة السرطان» ويهتم بالتغطية الشاملة لمرضى السرطان بكل أشكاله.

وتنص العريضة على ضرورة إجراء قانون مالي تعديلي لأحكام القانون المالي 2020 وإحداث الحساب المرصود لأمور خصوصية والمسمى «صندوق مكافحة السرطان» مع تضمين مشروع القانون المالي لسنة 2021 مادة تتوخى إحداث نفس الحساب.

إذن فما هو سياق إطلاق هذه العريضة؟ وكيف تؤطر الترسانة القانونية بالمغرب تقديم العرائض؟ ماذا تعني تقديم عريضة لعموم المواطنين؟ وكيف تفاعلت الحكومة مع هذه العريضة؟

أسئلة سنحاول تفكيكها في مقالنا هذا.

*فكرة تقديم عريضة الحياة

عريضة الحياة أطلقها أستاذ جامعي بإحدى كليات الحقوق بالمغرب الذي صرح لأحد المنابر الإعلامية المحلية: أن «أزيد من 40 حالة مريض بالسرطان تسجل في السنة، ولدينا شريحة تفوق 200 ألف مصاب بمرض السرطان، في ظل هشاشة الأوضاع الاجتماعية، وضعف شروط التداوي والتغطية الصحية، مما فرض ضرورة سماع الحكومة لصرخة مجتمعية».

ولقيت هذه العريضة تفاعلًا واسعًا وسط صفوف الطلبة الذين اعدوا العدة وشكلوا لجانا لجمع التوقيعات كل في الوسط الذي يتواجد فيه، واستمر جمع التوقيعات بحماس كبير مع ترويج الفكرة في وسائل التواصل الاجتماعي ونحن نعلم قوة هذه الوسائط في الحشد وخلق راي في المغرب وما حملة المقاطعة منا ببعيد،

استمرت حملة جمع التوقيعات إلى حدود جمع 50 ألف توقيع متجاوزة النصاب القانوني الشيء يحدده القانون التنظيمي في حدود 5000 ألف توقيع.

ودعت العريضة إلى جعل الحساب المقترح «أداة قانونية لمساعدة المرضى بالسرطان» على أن تكون المدفوعات في الحساب منتظمة بدل أن تكون جزئية، وأن تدفع كقيمة موحدة للجميع بدلا من أن تكون مستندة إلى الاحتياجات، وبلا شروط وتمول أساسا من الضرائب والإعانات والموارد المختلفة الآتية إلى المؤسسات العمومية والجماعات الترابية وغيرها مما يسمح به أي به أي تشريع أو نص تنظيمي.

*الإطار القانوني لتقديم العرائض

تأتي العرائض وفق المقاربة التشاركية من أجل إدماج السكان في صنع القرار، وإشراكهم بشكل مباشر في العملية السياسية، ويعتبر تقديم العرائض وسيلة للتعبير عن المطالب مع وجود ضمانة قانونية تمنحهم حق الحصول على جواب رسمي من الهيئات المعنية.

ولقد نص دستور 2011 في الفصل 15 على أنه يحق للمواطنين والمواطنات تقديم عرائض إلى السلطات العمومية مع تحديد قانون تنظيمي شرط وكيفيات ممارسة هذا الحق.

أما الفصل 139 فينص على إمكانية تقديم العرائض من قبل المواطنين والجمعيات الهدف منها مطالبة المجالس المحلية بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.

ويحدد القانون التنظيمي عدة شروط لقبول العرائض:

– عدد التوقيعات يجب أن يكون 5000 توقيع فما أكثر.

– أن يكون الموقعون مسجلين في اللوائح الانتخابية.

– أن لا يكون مضمون العريضة يمس ثوابت المملكة وهي الدين الإسلامي والوحدة الترابية والنظام الملكي.

– أن تجمع التوقيعات في ملف ورقي ترفق معه أرقام بطاقات الهوية الوطنية مع نسخ ورقية من بطاقة الهوية نفسها.

أما العرائض المحلية فالمطلوب كحد أقصى 500 توقيع في المناطق التي يزيد عدد سكانها على 3 ملايين نسمة.

*عريضة الحياة تمرين ديمقراطي حقيقي

إن ما يميز عريضة الحياة أنها نابعة من هموم المواطنين، وعن رغبة صادقة منهم في مكافحة هذا المرض الفتاك الذي يسرق منهم أحباءهم سنويا، هذه الرغبة المعبر عنها في العريضة ليست مؤطرة من أي هيئة سياسية أو مؤسسة تقليدية كالأحزاب والنقابات التي يوكل لها أصلا تمثيل وتأطير المواطنين.

هي فقط صرخة من أستاذ جامعي لا ينتمي لأي هيئة تلقفها طلبته بحماس وشاركوها مع ذويهم.

هذه العريضة جاءت كردة فعل قوية في وجه المؤسسات والممثلين الذين من المفروض أن ينوبوا عن الأمة في همومها ومطالبها، هذه المؤسسات التمثيلية التي فقد فيها المواطنين ثقتهم حسب دراسة أنجزها المعهد المغربي لتحليل السياسات فقد جاءت النتائج صادمة إذ عبر 57.5% عن عدم ثقتهم في البرلمان، و68.7% لا يثقون في الحكومة والنسبة نفسها من المواطنين لا يثقون في الأحزاب السياسية.

فنحن إذا أمام نفور كبير من المواطنين لا يثقون في مؤسسات التي من المفروض أنها نابعة منهم وتعيش مشاكلهم ويجب أن تعبر عن مطالبهم وتحققها لهم طالما أنها منتخبة من الأمة.

لقد فقد المغارب ثقتهم بهذه المؤسسات نتيجة الخذلان المستمر في كثير من المحطات، علما أن للبرلمان والحكومة دور كبير في صنع وتقييم وتنفيذ السياسات العمومية التي من المفروض أن تعالج إشكالات الناس الحياتية والواقعية المعاشة. إذن فعريضة الحياة هي تعبير صريح من المواطنين على أنهم سيمارسون ديمقراطيتهم بأنفسهم وفق مبادئ الدستور وما على الحكومة إلا أن تتجاوب مع مطلبهم.

إذن فكيف كان تجاوب الحكومي مع هذه العريضة؟

*الحكومة تجيب

لقد استدعى رئيس الحكومة المغربية وكيل العريضة ونائبه الاثنين الماضي ليخبرهم عن جواب الحكومة حول هذا المطلب، وجاء جواب رئيس الحكومة على الشكل التالي كما عبر عنه في صفتحه الرسمية وتضمن الجواب 34 إجراء لعل أهمها:

– اعتماد مخطط وطني للوقاية ومعالجة السرطان 2020-2029 يهدف إلى تقليص نسبة المراضة والإماتة.

– الشروع ابتداء من سنة 2021 في تعميم التلقيح ضد سرطان عنق الرحم للفتيات (11 سنة) والذي سيهم 350 ألف فتاة سنويًا.

– تحويل المعهد الوطني للأنكولوجيا إلى مؤسسة عمومية، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، لتكون الفاعل المرجعي وطنيًا في مجال الوقاية من السرطان ومكافحته، مع تقوية مهامها واختصاصاتها في مجالات البحث والدراسات والتكوين.

– إحداث لجنة وطنية للوقاية من السرطان ومكافحته يترأسها رئيس الحكومة، وستضم فاعلين مؤسساتيين، ومهنيين، وممثلين عن المجتمع المدني، لتتبع تقدم هذا الورش الوطني الكبير وضمان حكامته.

صحيح أن الحكومة لم تتجاوب مع المطلب بإحداث الصندوق الذي جاءت به العريضة، لكن وكيل العريضة قال عن هذا التجاوب في صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن في عريضة الحياة لا يمكن أن نرفض أي إجراء مهما كان صغيرا لفائدة مرضى السرطان، كل ما يمكن ان نحصل عليه من الحكومة ونخطفه من أنيابها سنقبله لأنه يتماشى مع روح العريضة».

وأضاف وكيل العريضة أيضًا: «ليس لدينا إمكانيات الحزب أو النقابة أو الباطرونا، لكن حققنا ما لم تحققه الأحزاب والبرلمان بتعويضاتهم السخية، وجعلنا إذن الحكومة تنصت لصرخة مغاربة الفيسبوك.

في حين عبرت عديد من الأصوات عن امتعاضها من تجاوب الحكومة مع هذا المطلب الشعبي، عبر أحد الباحثين في العلوم السياسية بقوله: «امتحان آخر فشلت فيه الحكومة عريضة أخرى يمكن ان نقيم من خلالها مدى سرعتنا نحو الديمقراطية.. (شيء بعيد المنال) الحكومة استشعرت بثقل حمولة العريضة خاصة من الناحية السياسية. ورفضها كان متوقعا ولهذا الرفض (مضمونا) تاويلات وتقاطعات عدة».

وختما يمكننا القول بأن هذا تمرين ديمقراطي مارسه المغاربة من خارج أسوار المؤسسات التقليدية، مما يشجع على المزيد من هذه المبادرات في الأفق القريب وللضغط على الفاعل السياسي الذي يجب أن يقوم بدوره التمثيلي على أكمل وجه، وأن يتم خدمة الصالح العام بعيدًا عن الحسابات والصراعات السياسية التي تجعل من هذا الفاعل يقوم بخدمة الصالح العام لا لأجل النهوض بوضعية الناس، بل من أجل كسب نقاط على حساب خصومه السياسيين حتى يتسنى لهم البقاء في المنصب لأطول فترة ممكنة.

إن العمل السياسي هو فعل نبيل ولم تبتكره البشرية إلا لأن تتطور وتتقدم وكم نحن بحاجة إلى صراحة ومصالحة بين المواطن والفاعل السياسي لأجل النهوض ببلادنا، هذا تمرين ديمقراطي قام به المغاربة محققين مكرسين الاستثناء المغربي تلك الخاصية التي تميز بها المغرب منذ الربيع العربي سنة 2011، راجين أن تستفيد شعوب المنطقة من هذا التمرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد