3 سنوات فقط هي المدة الفاصلة بيننا وبين إتمام الملك محمد السادس لعقدين من حكمه، أي تقريبا نصف مدة حكم والده الحسن الثاني. 20 سنة، هي مدة كافية جدا ، لتقييم حكم وصف في بداياته بالعهد الجديد، ووضع سياساته واختياراته تحت المجهر للحكم عليها بالسلب أو الإيجاب. فيما يلي تفكيك لسبع عشرة سنة الأخيرة من عمر المغرب.

التغيير هو كلمة السر

عند تقلده الحكم في منتصف سنة 1999، أعطى محمد السادس إشارات قوية على أن حكمه سيكون مختلفا عن حكم والده. كان الشعار المرفوع هو التغيير. عاد منفيون، رفعت الإقامة الجبرية عن آخرين، فتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان. وفوق كل هذا شاهد المغاربة ملكا شابا شعبيا قريبا من هموم رعاياه، بكلمة جامعة ملكا مغايرا لسلفه. كان التوجه العام هو خلق ديناميكية غير مسبوقة تصب في إطار أن المستقبل لا علاقة له بما مضى. كان هذا أبرز ما تأسس عليه رأس مال الملك الشاب وفريق العمل المصاحب له.

كان الأمر مفهوما، فللتخلص من صورة الأب الجاثمة والمهيمنة على المشهد العام، ولخلق توازن مع الأسماء «التاريخية» التي قد تزاحم الجالس على العرش، كان لا بد من تغيير السياسة والنهج. بدا الأمر وكأن الملك الجديد يعمل بمقولة «الأسلوب هو الرجل» التي لم يفكك الأب من تكرارها.

يوم بعد آخر كانت أسهم محمد السادس تزدهر في سوق الشعبية. وفي نفس الوقت كانت شهية «العهد الجديد» مفتوحة لتسجيل أهداف أخرى لصالحه. وقبل انقضاء سنة 1999 أقدم الملك على أجرأ خطوة في سنواته الأولى، تم إعفاء إدريس البصري، وزير الداخلية القوي، من منصبه. في حينه اعتبرت هذه الخطوة أكبر دليل على تخلي الملك الشاب عن إرث والده، فإقالة الوزير الذي عمّر لعشرين سنة في وزارة الداخلية، كانت بمثابة الرمز لسياساته المتبعة القاطعة مع سلفه. ما لم ينتبه له أحد ساعتها، هو أن خروج البصري من باب أم الوزارات تزامن مع دخول فؤاد عالي الهمة إليها من النافذة (كاتبا للدولة في الداخلية)، هذا الأخير، وهو صديق الملك، ستكون بصماته واضحة في سياسات مغرب القرن الواحد والعشرين.

بداية القرن.. بداية النكوص

بنفس سرعة «الإصلاحات» والتغييرات المعلن عنها، كانت التراجعات. كان الأمر شبيها برقصة غير متناسقة: خطوة للأمام وخمسة للوراء. بدأ الأمر بالتضييق على الصحافة «المستقلة»، منذ حكومة عبد الرحمان اليوسفي اليساري. وصل هذا التضييق إلى حد المنع وسحب الأعداد من السوق. كانت العلاقة مع الصحافة «المشاغبة» في شد وجذب طيلة الست عشرة سنة الماضية. من استعمال ورقة الإشهار للضغط إلى منع الصحف وأحيانا الصحافيين، إلى الغرامات وشراء الذمم، مرورا بدفع بعضهم إلى الهجرة أو السجن.

بدأ يظهر أن سطوة المنصب أثرت رويدا رويدا على الملك الشاب، وبدأ معه التحول من الشاب المنفتح الديمقراطي ذي النزعة التجديدية، كما استُخلِص من حواراته حين كان وليا للعهد، إلى ملك كلاسيكي بما تحمله هذه الكلمة من معنى.

في أول اختبار سياسي داخلي حقيقي، اختار محمد السادس أن يتصرف كملك وليس كما تمليه عليه الضرورة، على الأقل وفاء للمنطق وللمكتسبات. تخلى عن المنهجية الديمقراطية، واختار وزيرا أولا تكنوقراطيا عوض شخص من الحزب الفائز. خرج عبد الرحمان اليوسفي من الوزارة مطأطأ الرأس وفقد معه المغرب فرصة التقدم في مسار الديمقراطية. كان التبرير التي تناقلته الألسن أن الملك في حاجة إلى من يساير دينامكيته لا العكس!

مع تقلد إدريس جطو منصب الوزارة الأولى، بدأ فعليا الملك محمد السادس في التحكم في جميع خيوط البلاد، صحيح أن وزارة اليوسفي لم تكن تمثل أي إزعاج كبير للملك ومحيطه، لكن أفرادها بمن فيهم اليوسفي نفسه لم يكونوا بالأفراد السهل انقيادهم.

في آخر المطاف، وَفي الملك الجديد لتقاليد أسلافه، وضاعت آمال التغيير.

2003 سنة التحولات

مع تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003، ظهر جليا التحول في السياسة المغربية، خصوصا في شقها الأمني. ظهر مرة أخرى على الساحة اسم فؤاد عالي الهمة إلى جانب الجنرال العنيگري. الشكل الذي تمت به «الاعتقالات» والتحقيقات فتح النقاش مرة أخرى حول انتهاك الدولة لحقوق الإنسان. كادت الأمور أن تتطور إلى حل حزب العدالة والتنمية «الإسلامي»، الحزب الذي يقود الحكومة اليوم، لكن بعد مدة هدأت الأمور عبر سياسة التوافقات.

في تلك الفترة، استشعر الكل، القوة السياسية المتنامية للإسلاميين، وتحديدا سنة 2002 عندما وقفوا ضد خطة الحكومة للمساواة بين الجنسين. جاءت الهجمات الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء، إضافة إلى التوجه العالمي العام، لتقليم أظافر الإسلاميين، ولما لا يتخلص منهم إلى الأبد.

في خضم ذلك جاب الملك البلاد طولا وعرضا مستمرا في إطلاق الأوراش الكبرى، كما سميت حينها. شاهد المغاربة الملك ذي الأربعين سنة يوزع الشقق والمساعدات، يعانق ذوي الاحتياجات الخاصة ويعطف على المسنين.

بُشّر المغاربة بعهد الرخاء الاقتصادي، وتوديع الشباب للبطالة. كان هذا الحلم يدغدغ عقول الأكثرية، خصوصا وأن الملك رفع شعار «تازة قبل غزة»، في إشارة واضحة إلى أولوية الشأن الداخلي عن ما سواه.

استمر الملك في نهج سياسته دون معارضة كبيرة تذكر. أدار البلاد والعباد بالشكل الذي أراد. كانت المعارضة الوحيدة في المملكة حينها هي جماعة العدل والإحسان، لكنها لم تكن لتحد من عزم الملك للسير قدما في طريقه.

في تلك السنوات كان النموذجان المصري والتونسي ظاهريا في فترة نجاحهما، الأمر الذي شجع راسمي السياسة المغربية على تبني تلك التجربة. كانت الساحة السياسية مرهقة. فقدت الأحزاب الوطنية كل رصيدها، وفي المقابل كان حزب العدالة والتنمية يكسب النقاط تلو الأخرى دون منافس يذكر.

في سنة 2007، خرج صديق الملك وزميل الدراسة، فؤاد عالي الهمة من وزارة الداخلية ليشتغل في السياسة مباشرة. وهنا بدأ مسلسل جديد.

حزب الدولة.. التجربة المتمايلة

بعد نزول فؤاد عالي الهمة إلى معترك السياسة بدأت مرحلة تشكيل الساحة السياسية على هوى أصحاب السلطة. كان الأمر شبيها بإعادة توزيع أحجار رقعة الشطرنج. بعد نجاحه في الانتخابات التشريعية، أسس الهمة «ناديا للديمقراطية» أطلق عليه اسم حركة لكل الديمقراطيين، بعدها أسس حزب الأصالة والمعاصرة الذي جمع الأعيان والتكنوقراط وأفرادا من اليسار. كان جليا أن المراد من كل هذا هو التحكم في الساحة السياسية المتسمة بالبلقنة، وجر البساط من تحت أقدام الإسلاميين.

في أول اختبار انتخابي للحزب الوليد، تصدر النتائج البلدية. كانت الإشارات واضحة: الحزب الجديد جاء ليشكل الحكومة المقبلة. ساعتها لم يكن أحد يعتقد غير هذا. كان الأمر شبيها بالقدر، لا هروب منه.

لكن في أواخر 2010، ظهر لاعب جديد لم يكن في الحسبان. اشتعلت شرارة ما سيسمى إعلاميا بالربيع العربي ووصل صدى هذا الربيع إلى المغرب عبر حركة 20 فبراير. من تداعيات الحراك أن النموذجين التونسي والمصري ثبُت فشلهما. هرب بن علي وتنحى مبارك. كان لا بد من إعادة النظر في الخطة تحت ضغط الشارع. فهي أول مرة يجد الملك نفسه أمام هذا الكم الهائل من المحتجين.

أعلن الملك عن دستور جديد، ورجع فؤاد عالي الهمة إلى القصر مستشارا ملكيا، بعدما رَفعت المسيرات شعار «ارحل» في وجه، متخليا عن الحزب الذي أسسه ولو ظاهريا. خرج صديق الملك وترك صديقه، إلياس العمري، حارسا لمشروع لم يكتب له النجاح كما أريد له بادئ الأمر.

حتى في ظل الدستور الجديد، وهو دستور متقدم بالنسبة لسابقه على أية حال، تصرف الملك غالبا بما يعاكس هذا الدستور. كان المنتظر هو تقوية المؤسسات وأن يتصرف كل واحد في نطاق ما يسمح له به الدستور. لكن في آخر المطاف، لم يتم ذلك. ما زال الملك يغضب ويأمر، يعطي ويمنع. غضب الملك كان قانونا وأوامره تنفذ في حينها. العطاء منّة والمنع عقوبة.

في المقابل، لم يتصرف رئيس الحكومة وكأن حزبه، العدالة والتنمية، ترأس الحكومة بسبب احتجاجات الشارع. كل سكناته وحركاته لم تدل إلا على شيء واحد: جلوسه على الكرسي هو منّة من السلطان!

محصلة الولاية الأولى في ظل الدستور الجديد: لا شيء تغير سوى أماكن أحجار رقعة الشطرنج من جديد. وبهذا فقد المغرب فرصته الثانية في التغيير.

الاقتصاد.. الهيمنة الشاملة

إن كان هناك فرق كبير بين الملكين، الوالد والولد، فحتما سيكون في مجال الاقتصاد. الجمع بين السلطة والمال ظهر بشكل جلي في فترة حكم محمد السادس، أكثر مما كان عليه في فترة الحسن الثاني. شعار «ملك الفقراء» لم يكن صحيحا كليا، بل كان الملك رجل أعمال ناجح، ناجح أكثر مما هو متوقع بالنسبة لرئيس دولة فقيرة. في فترة والده، ومع كل ما يمكن مؤاخذة الحسن الثاني عليه، أو حتى إدانته به، لم يهتم بالاقتصاد كثيرا، أو على الأقل لم يهتم به لدرجة فاقت الحدود، عكس اهتمامه أو هوسه بالسياسة. أتى الابن، وفي فورة التغيير، تغيرت حتى الاهتمامات. أصبح الملك رجل الأعمال الأول في البلاد، بثروة اقتربت من الستة مليار دولار سنة 2015. عبر استثمارات متنوعة وفي مجالات مختلفة، جمع الملك بين السلطة والمال، وبسبب هذه الأخيرة هاجمه ابن عمه «المنبوذ» في كتابه الصادر سنة 2014.

بقيادة منير الماجدي، سكرتيره الخاص، قام الملك بثورة في شركاته الخاصة، تخلى عن مجالات واقتحم أخرى أكثر ربحية. تم الخروج من مجالات الاستهلاك، قليلة المردودية، عبر تفويت مصانع الزيت والسكر والبسكويت رويدا رويدا، والدخول لمجالات الاتصالات، الطاقات المتجددة، الفلاحة، المناجم والعقار. أي مجالات تدر المليارات لا الملايين. ومنذ خروج الشركة الوطنية للاستثمار، وهي الشركة الأم المنضوية تحتها كل شركات الملك، من البورصة سنة 2010 أصبح من الصعب تتبع استثمارات الملك المتنامية.

إلى جانب ذلك، ظهرت طبقة اقتصادية مقربة جدا من القصر. مستفيدة من هذا القرب إلى أبعد الحدود. في العقار والبترول كما التأمينات، كانت طبقة اقتصادية ضيقة تتكون مستفيدة من الريع والتسهيلات الموفرة لها والتي مكنتها من احتكار مجالات نشاطها، أو على الأقل السيطرة على نسبة كبيرة منها.

إلى جانب هؤلاء كان زملاء دراسة الملك وأصدقاؤه من المستفيدين أيضا. في فترة قصيرة جدا أصبحوا أصحاب مليارات، وهم الآتون من طبقات شعبية.

منذ اليوم الأول لحكمه، عرف المجال الاقتصادي دخول نافذين جددا اقتصاديا، ليزاحموا الطبقة المعاصرة للحسن الثاني. برز أمثال أنس الصفريوي وعزيز أخنوش وحفيظ العلمي، عبر الانتفاع من صفقات مشبوهة، جنبا إلى جنب مع عثمان بنجلون وغيره من الحرس القديم. وبهذا ظلت الوصفة السحرية، كما كانت، للنجاح في مجال المال والأعمال هي القرب من السلطة، إلا من بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة.

يخلق من الشبه أربعين

عند تأمل هذه الصورة البانورامية يظهر المغرب نسخة بشعة من مصر مبارك وتونس بن علي. وكأن حكامه لا يقرؤون التاريخ، القريب منه ولا نقول البعيد. لا يعون ولا يستخلصون العبر. ليس بالأمر الصعب إيجاد نسخة مغربية في الصورة من رجل الأعمال المصري أحمد عز، ولا عائلة الطرابلسي. لا يحتاج الأمر كثير تدقيق لمعاينة حاشية مكتوب على جبينها «آمين». لا مواهب خارقة ضرورية لمقارنة دور المغرب اليوم استخباراتيا، مع دور مصر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. التشابه بين حكومة رجال الأعمال، البنكيرانية، الحالية مع حكومة 2004 المصرية بهندسة جمال مبارك، يكاد يكون متطابقا. العثور على شبيه لإلياس العماري في مصر وتونس، شبيه يتحرك في كل الاتجاهات وبدون منصب رسمي حتى، أمر هيّن. الفساد المستشري في دماء المملكة كسرطان قاتل هو نفسه الذي أسقط نظامي تونس ومصر قبل سنوات قليلة. حال الإعلام التلفزيوني، الراديو، الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية، ألا يذكركم كل هذا بشيء مر عليكم منذ سنوات؟

شبه إلا من بعض التفاصيل الهامشية؛ دوائر القرار في المغرب ما زالت تؤمن بأن لا تقدم ولا رخاء إلا عبر التسلط والتحكم. هذه هي الخلاصة. ومع ذلك يبقى السؤال الملح: إلى أين المسير والمصير؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد