لقد شهد الوضع السياسي بالمغرب منذ 1998 محطات كان العديد من المغاربة يعتبرونها نقطة انطلاق عهد جديد من تاريخ البلاد. بدأت بالاستعداد لنقل السلطة من الملك الحسن الثاني، الذي الذي فطن إلى ضرورة ضمان سلاسة انتقال الحكم بعده إلى ولي عهده محمد السادس، معتقدين أنها ستكون مرحلة انتقالية وقطيعة مع فترة حكم الحسن الثاني، وكل ما شابها من مد وجزر. وكانت أولى المحطات مع تجربة حكومة التناوب حين منحت المعارضة (بقيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) مهمة قيادة الحكومة، بعد فترة صراع طويل مع القصر اتخذ أشكال متعدد. هذه الحكومة التي ترأسها أحد أبرز قادة جيش التحرير والحركة الوطنية المرحوم عبد الرحمن اليوسفي. تجربة دامت قرابة الخمس سنوات انتهت بإبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي من رئاسة الحكومة بالرغم من فوزه بالانتخابات التشريعية لسنة 2002، وتم تعين إدريس جطو وزيرًا أولًا آنذاك، ليعلن بعدها عبد الرحمن اليوسفي في محاضرة له من بروكسيل في إطار منتدى الحوار السياسي الحضاري من 24 إلى 26 فبراير (شباط) 2003 عن «أن تجربة التناوب التوافقي لم تفض الى النتائج المرجوة، أي الانتقال إلى التناوب الديمقراطي»1. بنهاية هذه المرحلة الانتقالية تأكد للعديد من المغاربة أن تجربة التناوب كانت مناورة ناجحة من الحسن الثاني لتسهيل وضمان انتقال هادئ للسلطة لولي عهده حين وجدت المعارضة آنذاك نفسها أمام عرض المشاركة في الحكومة لإنقاذ البلاد من «السكتة القلبية».

وقد عرف المشهد السياسي المغربي نوعا من الرتابة بعد تعيين الملك لتكنوقراطيّ بعيد عن العمل الحزبي والسياسي، وهو إدريس جطو، ليستعيد بذلك القصر زمام التحكم في دواليب الحكم… وإلى حدود سنة 2011، وما رافقها من أحداث وتطورات على المستوى الدولي والإقليمي، وبالخصوص سقوط مجموعة من الأنظمة العربية في ظل ما سمي بالربيع العربي، كل ذلك بالإضافة إلى بروز حركة اجتماعية كان الالتفاف حولها غير مسبوق (حركة 20 فبراير)، التي اعتبرها بعض المحللين أقوى حدث سياسي في فترة حكم محمد السادس؛ ما ساهم في دفع الملك في خطاب 9 مارس (أذار) إلى الإعلان عن لجنة لتعديل الدستور لاحتواء صخب الشارع.

دستور جديد للمملكة أعاد بصيصًا من الأمل للمغاربة في انفراج سياسي يمنح السلطة لحكومة ينتخبها الشعب وتكون مسؤولة أمامه. كل هذه الشروط والظروف الإقليمية (وصل تيارات إسلامية للحكم) ووطنية (حركة 20 فبراير) أتاحت لحزب العدالة والتنمية فرصة الوصول إلى رئاسة الحكومة والمشاركة في السلطة ليتخلى عن جلباب المعارضة، ويشمر عن سواعده لتحقيق ما وعد به من محاربة للفساد، وتنمية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، ليفاجأوا بأن الأمور داخل هياكل ومراكز مؤسسات الدولة جد معقدة وأنهم دخلوا في معركة من أجل تحديد من له السلطة الفعلية ومن المتحكم في مراكز اتخاد القرارات وتسيير دوائر الحكم ولم تكن لهم الجرأة في تسمية الطرف الآخر من هذه المعركة واكتفوا بتلميحات من قبيل «التماسيح» و«العفاريت» و«الدولة العميقة». ليجدوا أنفسهم بين مطرقة وعود انتخابية قطعوها على المغاربة، باتت أضغاث أحلام، وبين سندان المتحكمين في صناعة القرارات غير مستعدين بعد للتخلي عن أدوارهم الريادية في الحكم.

وصلت مرة أخرى وساطة الأحزاب السياسية بين شعب لا زال يطمح في تغيير الأوضاع والقصر الذي لازال يعتقد بأن تحسن أوضاع المغاربة على كل المستويات لن يكون في صالح تثبيت حكمه، وصلت إلى نفق مسدود بعد انتخابات 2016 التي شهدت ما سمي بالبلوكاج السياسي عندما عجز الحزب الفائز في شخص أمينه العام عبد الإله بن كيران عن تشكيل الحكومة؛ ما أدى إلى إعفائه، وتعيين الرجل الثاني في حزبه سعد الدين العثماني كإعلان عن نهاية شبيهة بما آلت إليه مرحلة التناوب أسفرت عن حكومة هشة كل حزب فيها مسؤول فقط عن حقيبته الوزارية.

أما بخصوص الوضع الحقوقي فلا يخفى على أي متتبع الردة الحقوقية التي تلي الخطابات التي تتغنى بالدمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان. فالقمع وإن اتخذ أشكال جديدة، إلا أن جوهره لا يزال كما كان سنوات الجمر والرصاص. نوع جديد من القمع يمكن أن نسميه «بالقمع الناعم». قمع اجتماعي واقتصادي، وإن لم تصطدك شبكة هذين الشكلين السابقين من القمع، وكنت ممن لا تغريه امتيازات السلطة، ولا ترضى غير فضح الفساد والمفسدين، فقد تتعرض لشكل قديم جديد من أشكال القمع. كأن تكون متهما في قضية جنسية إلى أن تثبت براءتك، أو قد يَنسج لك مخبر ذو مخيلة رديئة تهمة مليئة بالبلادة، وإن أُنصفت في محاكمة عادلة قضيت ما تيسر من سنون عمرك خلف أسوار معابد الجلادين والطغاة (السجون) لعلك تتعظ، وبالتأكيد ستتعظ لأنك دفعت الثمن من رييع عمرك وسلبت حريتك، وإن تغيرت مواقفك وفي أحسن الأحوال جعلتها حبيسة صدرك فلا يحق لأحد أن يلومك، أو يسجل عليك تغيرًا في مبدأ كنت تؤمن به.

بدأ الملك الشاب (محمد السادس) مرحلة حكمه بإعفاء أحد أهم خدام والده، ورمزًا من رموز فترة سوداء من تاريخ البلاد وهو وزير الداخلية إدريس البصري في نوفمبر (تشرين الثاني) من سنة 1999 كإشارة إلى نهاية حقبة مظلمة وليحمل مشعل الإنصاف والمصالحة بداية بمنح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وجمعيات حقوقية أخرى صلاحيات التعويض المادي والمعنوي لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وصولًا إلى تأسيس هيئة الانصاف والمصالحة (2004) التي كانت بشرت بنهاية سنوات الجمر عبر توصياتها التي طالبت بعدم تكرار أحداث سنوات الرصاص. لكن الأحداث الأخيرة التي شهدها الشارع المغربي (حراك الريف، جرادة، زاكورة، واحتجاجات الأساتذة والأطباء…) وطرق تدبير هذه الملفات أبانت على أن الدولة ليست مستعدة بعد للتخلي عن الممارسات الأمنية القديمة في التعامل مع الاحتقان الاجتماعي.

وفي خضم كل ذلك كان لزامًا على الملك محمد السادس إعطاء الانطلاقة لعهد جديد في إطار تحول ديمقراطي للبلاد والتأسيس لمشروع تنموي شامل يقلع بالمغرب إلى مصاف الدول المتقدمة، أو على الأقل مرتبة الدول الصاعدة. لذا كان لا بد عن إعطاء أهمية قصوى للقطاعين الاجتماعي والاقتصادي. فتم الإعلان عن مجموعة من الأوراش والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بداية بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية مرورًا بالبدء في تقوية البنى التحتية والأساسية من موانئ، ومناطق صناعية، والمشاريع السياحية، والطرق السيارة والقروية، بالإضافة إلى ورش الطاقات المتجددة، وصولًا إلى جعل قضية التعليم القضية الوطنية الثانية بعد الوحدة الترابية، والتأكيد على أن إصلاح التعليم ركيزة أساسية في النموذج التنموي الشامل المنشود، وكذا الاهتمام بتحسين الخدمات الصحية وتوفير مناصب الشغل، ومحاربة الفقر والهشاشة والفساد المالي والإداري الذي ينخر جسد الدولة عموديًا وأفقيًا. إلا أن ما تحقق من مشاريع وأوراش خلال 21 سنة لم ينعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفئة الساحقة من الشعب التي لازالت تعيش أوضاعًا هشة وحرمانًا من أبسط شروط الحياة الكريمة، بله زاد من اتساع هالة «الفوارق الاجتماعية» و«التفاوتات المجالية».

إن كل ما أسيل من حبر، من كل الأطياف والاتجاهات حول 21 سنة من تولي محمد السادس الحكم، وكل ما خط من تحاليل وأراء، مختلفة باختلاف توجهات أصحابها، حول هذه الفترة وما حققه المغرب في عقدين من الزمن تحت قيادة محمد السادس، دليل واضح وصريح على أن السلطة الفعلية في مغرب اليوم بيد القصر، وأن النصيب الأكبر من مسؤولية ما حققته البلاد، إيجابيًا كان أم سلبيًا، يتحملها القصر. والتوجه العام لكل ما قيل يمكن حصره في اعتراف الجميع بأنها فترة خيبت أمال وتطلعات مختلف فئات الشعب المغربي. ولا يمكن أن نجد تقييمًا لهذه المرحلة أحسن من الإقرار الصريح للملك نفسه بفشل النموذج التنموي حين قال في خطاب العرش لسنة 2019 احتفاءً بمرور 20 سنة على توليه العرش:

«أبان النموذج التنموي المغربي خلال السنوات الأخيرة على عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية ومن التفاوتات المجالية وهو ما دفعنا إلى مراجعته وتهيئه».

بالإضافة إلى تأكيد الملك على أن ما يزخر به المغرب من طاقات ومؤهلات تسمح لنا من تحقيق أكثر من ما أنجزه اليوم، خصوصًا أن كل متابع للشأن الوطني يسهل عليه ملاحظة أن ثروة المغرب ازدادت بشكل ملحوظ منذ بداية هذه الألفية وازداد معها كذلك فقر المغاربة.

إن تعاقب الإصلاحات والبرامج التنموية والإعلان عن فشلها في كل مرة أدى إلى انسداد أفق الحلم بمغرب مزدهر يرقى إلى مستوى الخطابات والتطلعات، وهذا ما دفع جزءًا غير هين من المغاربة إلى الاعتقاد بأن الخطابات الرسمية أضحت تحمل عكس ما يحاك في الخفاء والكواليس، باعتبار أن ما تحمله الخطابات من آمال لتغير وتحسين الأوضاع في كل مرة، وما يتحقق على أرض الواقع، يتناقضان، أو بالأحرى يتباعدان بعد السماء عن الأرض.

وبالامكان أن نخلص إلى أن عقلية القصر لم تتغير كثيرًا خلال العقدين الأخيرين، ولا زال يؤمن كل الإيمان بأن الديمقراطية، ومحاربة الفساد، والفقر، والجهل، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة بشكل عام لن يكون أبدًا في صالحه وتحكمه في السلطة؛ لأن ذلك سيكون رهنًا أيضًا بالمطالبة بتغيرات جذرية على مستوى دواليب الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد