فعلتها الدبلوماسية المغربية في الأمم المتحدة إذن.. تظن أنها تهدي المغاربة والوحدة الترابية المغربية هدية بمناسبة الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء – وهي تقدم على دعوة منظمة الأمم المتحدة ومختلف هيئاتها لإدراج حماية والنهوض بحقوق شعب القبايل في الجزائر ضمن جدول أعمالها وكذلك حقه في تقرير المصير والحكم الذاتي.

لا تعرف أن كل ما فعلته هو غرس خنجر في خاصرة الأمة العربية والإسلامية بجانب الخنجر الذي غرسه النظام الجزائري منذ ثمانينيات القرن الماضي.

لا أعرف الكثير عن مطالب منطقة وشعب القبايل. كل ما أعرفه أن المنطقة أمازيغية، وأن هناك من يدعو من أبناء المنطقة لمطلب الحكم الذاتي. لا أعرف كم تشكل هذه النسبة الداعية للحكم الذاتي، هل هي أغلبية أم أقلية؟ كما لا أعرف كيف يواجه النظام الجزائري هذا المطلب وكيف يعامل الداعين له. لكني أعرف جيدًا كيف تواجه الأنظمة العربية – كل الأنظمة وبلا استثناء – مظاهرة صغيرة حتى لو خرجت من أجل مطلب اجتماعي بسيط. كما أعرف أن النظام المغربي الذي انتقد تعامل النظام الجزائري والأجهزة الأمنية مع المسيرات السلمية التي نظمت في منطقة القبايل من قبل جمعيات إحياء للذكرى الـ34 للربيع الأمازيغي وقمعها بطريقة دموية، ما كان ليتعامل بطريقة مختلفة. وأعرف أن النظام المغربي لا تهمه حقوق شعب القبايل في تقرير مصيره والاعتراف بهويته اللغوية والثقافية.

نفس الشيء بالنسبة للنظام الجزائري الذي يجعل من قضية الصحراء فرصة يصور من خلالها نفسه أمام العالم بصورة المدافع عن قضايا حقوق الإنسان والمناضل في سبيل تحرير الشعوب. والكل يعرف دور النظام الجزائري في “إشعال فتيل هذه القضية، وجعلها غصة في حلق المغرب” حسب تعبير الكاتب والصحفي الجزائري أنور مالك في أحد مقالاته.

اختلفت آراء المعلقين المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي على خبر خطوة المغرب هاته. منهم من قال أن مهما يكن لا لتقسيم الأمة العربية والإسلامية. ومنهم من قال أن هذا أول هدف تسجله الدبلوماسية المغربية في شباك الجزائر. لكن ما أعرفه هو أن الفقر والتهميش والأمية والرشوة والفساد هي التي سجلت أهدافًا كثيرة في شباك البلدين الأخوين ومازالت تسجل. ولا أعرف متى يستفيقان.

سيجد الكثيرون العذر للمغرب باعتبار أنه لم يقم سوى برد الصفعة التي وجهتها الجزائر إليه عندما استقبلت دعاة الانفصال على أرضها. وما فتئت تقدم الدعم الدبلوماسي والمادي لجبهة البوليساريو التي تنادي بانفصال الصحراء عن المغرب. وسيحتفل به البعض وينوه بدهاء الدبلوماسية المغربية، كما ينوه بعض الجزائريين بدهاء نظامهم وهو يتسبب في أزمة سياسية مع المغرب، لتتطور إلى أزمة إنسانية لا يعاني منها أصحاب القرار في البلدين وإنما أسر مغربية-جزائرية قطّعت أرحامها، وشاخت أحلامها وهي ترابط على حدود أغلقت بفعل قرار طائش، بنظري هو أقرب إلى “كيد الحموات” منه إلى قرار سياسي واعٍ يراعي مصالح شعبين شقيقين.

نعم النظام الجزائري ارتكب جرمًا وهو يسعى إلى بتر جزء من المغرب. والنظام المغربي ثأر لنفسه ثأرًا جاهليًّا وهو يرد بمنطق العين بالعين والسن بالسن بدل أن يواصل سعيه لانتزاع حقه والانتصار لقضية عادلة بطرق أخلاقية. فحيل السياسة الخبيثة هذه لا تصلح مع الإخوة مهما فعلوا. ولنا في الآية الكريمة عبرة لمن يفقه: “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين” الآية 28 من سورة المائدة.

ولَتشتيت الأمة الإسلامية جريمة لا تقل عن القتل لو يعلم هؤلاء. فما يسعى له النظامان المغربي  والجزائري لو تحقق جريمة في حق البلدين سترثها أجيال قادمة. لا تزول بزوال النظامين الحاكمين.

نؤمن في المغرب – على الأقل دائرة معارفي – إيمانًا قطعيًّا أن قضية الصحراء لن تراوح ما وصلت إليه: لن تنفصل الصحراء عن المغرب. ولن تُحل المشكلة بشكل نهائي بعودتها للمغرب من خلال اعتراف الأمم المتحدة بمغربيتها، رغم أن الصحراء خاضعة حاليًا للسيادة المغربية. نؤمن بذلك إيماننا بأن لا أحد من القوى الكبرى يريد الاستقرار للبلدان العربية وأن هذه الدول ستسعى ما استطاعت لإطالة عمر الصراع خصوصًا وأنه صراع أخ مع أخ. ونعرف أن الحل لا يوجد بأروقة الأمم المتحدة. ولن يكون هناك حل إلا إذا جلس الإخوة “الأعداء” وتجاوزوا عقدهم ومصالح النخب الحاكمة الضيقة وفكروا بشكل أكثر وعيًا واضعين نصب أعينهم مصالح الشعبين. وإلا فليكملوا هذه المسرحية العبثية وليذهبوا بجنونهم إلى مداه ويجربوا خردة السلاح الروسي والأمريكي قبل أن يصيبه الصدأ في مخازنهم.

إن بحق ما وصل إليه النظامان الجزائري والمغربي هو قمة في الإسفاف السياسي لا يمكن أن يستوعبه إنسان متزن. إذ سيسجل التاريخ أن في أكثر الفترات مشقة في تاريخ الأمة العربية بدل أن يسعى المغرب والجزائر لتضميد جراحها ولم شملها كانا يفتحان جروحًا أخرى في جسدها ويمزقان أواصرها.

الصحراء مغربية في نظري ليس من منطلق وطني ضيق متعصب بل من منطلق وحدوي عربي. لن أقبل أبدًا فكرة إنشاء دولة جديدة جنوب المغرب، كما لن أقبل أبدًا باستقلال القبائل عن الجزائر ولن أقبل بتقسيم سوريا أو العراق أو تحويل ليبيا إلى فيدراليات متنازعة، ولن أقبل بفك الارتباط بين شمال اليمن وجنوبه كما لم أقبل يومًا باستقلال جنوب السودان. هذا مع تسليمي بضرورة احترام حقوق القوميات غير العربية في التواجد واحترام ثقافتها ولغتها. إذ لو أن كل قبيلة طالبت بتقرير مصيرها وحقها في الاستقلال لوجدنا كل دولة عربية تُفرّخ ثلاث أو أربع دويلات وداخل كل دويلة فصيل يطالب بتقرير المصير. فكيف لنا نحن الذين أفنينا أجيالًا في انتظار جمع 22 بلدًا عربيًّا على كلمة واحدة والخروج برأي واحد أن نجمع أربعين أو خمسين دويلة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد