في ظل تصاعد حدة اللهجة من الجانب الجزائري وتطاوله المستمر على المملكة المغربية، وتمريره لادعاءات كاذبة لا أساس لها من الصحة، هدفها الأول والأخير تصدير الأزمات الداخلية التي باتت تؤرق عسكر الجزائر، كان من المتوقع إقدام هذه الأخيرة على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، خصوصًا وأن الرئيس الجزائري كان قد أعلن قبل أقل من أسبوع نيته لإعادة النظر في علاقة بلاده مع المملكة.

ومن مكر الصدف أن يكون التاريخ الذي أعلنت الجزائر فيه قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة، هو التاريخ نفسه الذي يوثق للاعتداء الإرهابي الذي حل بفندق «أطلس أسني»، وهو الحدث الذي غير مجرى الأمور وفجَّر العلاقات بين البلدين لتغلق الحدود وتفرض التأشيرة حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من دعوة جلالة الملك محمد السادس إلى فتح الحدود بين المملكة المغربية والجارة الشرقية الجزائرية، لإخماد التوترات وبناء علاقة ثنائية، وذلك خلال الخطاب الأخير الذي ألقاه بمناسبة ذكرى تربعه على العرش، فإن الجارة الجزائر اختارت مرةً أخرى نهج سياسة الآذان الصماء بخصوص دعوة العاهل المغربي نظيره الجزائري للعمل سويًّا في أقرب وقت ممكن لتطوير العلاقات بين البلدين، إلى جانب اختيار التصعيد في وجه المغرب، وليست هذه المرة الأولى التي يمد فيها جلالة الملك يد المصالحة إلى النظام الجزائري، فقد سبق له أن وجه دعوةً للصلح و تجاوز الخلافات أكثر من مرة، و في كل مرة تجد الجزائر مبررات غير مقبولة و متجاوزة لتخطي هذه الدعوات.

وفور إعلان الجزائر للقطيعة الدبلوماسية خلف القرار صدمة للشعبين الجارين اللذين تجمعهما وحدة الدين والتاريخ والعادات، وهو ما استدعى تدخل جهات مختلفة بغرض التعبير عن الأسف العميق والدعوة إلى ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد، وترجيح صوت العقل والتشبث بمبادئ وأسس الحوار الدبلوماسي.

وتأكيدًا من المغرب على تشبثه بمبدأ حسن الجوار، ومع تصاعد الحرائق التي اجتاحت منطقة تيزي وزو بالجزائر، تقدم جلالة الملك محمد السادس بواجب العزاء وأعلن استعداده لتقديم مساعدات إنسانية للتغلب على الحرائق، غير أن الجارة الشرقية أكدت وبشكلٍ واضحٍ رفضها لهذه المساعدات، لتتجاوز ذلك إلى أبعد مدى وتتهم المملكة المغربية بأنها ترعى جماعات إرهابية «الماك» و«الرشاد» زعمت أن لها يدًا في اندلاع حرائق الجزائر، علاوةً على اتهام المغرب بالتآمر مع إسرائيل ضد الجزائر وتصدير المخدرات لهذه الأخيرة.

وهو ما قابلته الخارجية المغربية بالتأسف والنفي، ووصفت قرار القطيعة الدبلوماسية بأنه غير مبرر تمامًا، وفي الوقت نفسه متوقع بالنظر لما أسمته منطق التصعيد المسجل خلال الفترة الأخيرة، مسجلةً رفضها القاطع لكل الذرائع الواهية والسخيفة وراء قطع الجزائر علاقاتها مع المملكة، مشددةً على أن المغرب سيظل شريكًا مخلصًا وصادقًا للشعب الجزائري، وسيواصل العمل بحكمة ومسؤولية من أجل تنمية علاقات مغاربية سليمة.

عقدة حرب الرمال

بسبب قضية الصحراء المغربية وفي إثر سعي الجارة الشرقية الدائم والمستمر لتقسيم المغرب وتقزيم وجوده، منذ خروج الاستعمار الإسباني من المنطقة في سبعينيات القرن الماضي، انطلاقًا من دعم ميليشيات انفصالية وتسليحها والاعتراف بها وتسخير ثروات الشعب الجزائري لدعم عقيدة الانفصال بالمغرب، اندلعت حرب الرمال بين الجارين المغرب والجزائر في أكتوبر 1963، من جراء هجوم الجيش الجزائري على «حاسي بيضا» و«تينجوب» والذي تمثل في تدمير تكنة عسكرية مغربية بمدفعية وإضرام النار في أشجار النخيل، ما استدعى تدخل الجيش المغربي الذي حقق انتصارات ساحقة على أرض ساحة الوغى، ظلت عقدة تاريخية لم تستطع العلاقات بين البلدين تجاوزها بعد، إذ ظلت عبارة «حكرونا» ملتصقة في أذهان كل جزائري إلى حدود الساعة، بعد أن نطقها الرئيس الجزائري الراحل، أحمد بنبلة، وهو ما شكل عقدة متجذرة ومستمرة في نفوس الطغمة الحاكمة التي حاولت الترويج لانتصارات وهمية في حرب الرمال، و اتهام المغرب بأنه هو من افتعل هذه المناوشات، إذ فرض عليها الدخول في حرب وصفوها بغير العادلة خاصةً وأن الجزائر كانت حديثة الاستقلال آنداك وبالتالي لا تمتلك هيكلة وتنظيمًا عسكري قوي.

هستيريا الجزائر من المسيرة الخضراء

بمجرد إعلان الملك الراحل الحسن الثاني عن انطلاق المسيرة الخضراء سنة 1975 بمشاركة 350 ألف متطوع لاسترجاع الأقاليم الجنوبية، عاش النظام الجزائري حالةً من الهستيريا التي طالت على وجه الخصوص الرئيس الجزائري هواري بومدين، وفق ما صرح به الصحافي الفرنسي جان دانيال الذي كان حاضرًا إلى جانب بومدين لحظة إعلان المغفور له الحسن الثاني تنظيم حدث المسيرة الخضراء، وهو ما دفع بالنظام الجزائري المتهور مباشرةً بعد إعلان الخبر إلى طرد 45 ألف أسرة مغربية يوم عيد الأضحى في رد بئيس من الجزائر على الانتصارات التي حققتها المسيرة الخضراء، مما خلف جرحًا نفسيًّا بليغًا لدى الكثير من الضحايا الذين تم ترحيلهم قسرًا ودون سابق إنذار تاركين خلفهم كل ما يملكون في أرض كان من المفترض منها أن تكون وطنًا ثانيًا لهم.

ليؤكد النظام العسكري الجزائري عداءه مرةً أخرى للمصالح العليا للمملكة، ورغبته المستميتة في عدم استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية.

مخاوف من سباق التسلح

يشهد المغرب عددًا من التحديات على الصعيد الخارجي، التي تحتم عليه تحقيق التفوق العسكري على مستوى المنطقة المغاربية، إذ تسعى الرباط إلى معادلة موازين القوى مع الجارة الشرقية خاصةً في ظل عدم الاستقرار السياسي الذي تعرفه الجزائر حاليًا، من خلال صياغة خطط دفاعية إستراتيجية وتطوير الماكينة العسكرية للقوات الملكية المغربية، فضلًا عن توقيع اتفاقيات عسكرية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وتفيد تقارير دولية أن سباق التسلح بين الجارتين لا يزال مستمرًا، إذ يعد البلدان من أكثر مستوردي الأسلحة في القارة الأفريقية، ويرى خبراء أن سباق التسلح بين المغرب والجزائر لا تزال ملامحه غير بادية، في ظل استمرار الصراعات وتبادل الاتهامات، إذ إنه من المتوقع أن يؤدي سباق التسلح إلى تصاعد حدة التوتر بين الجارين على المدى البعيد، و هو ما يثير مخاوف نشوب نزاعات مسلحة في الأفق في حال أقدمت الجزائر على اقتراف فعل متهور يمس بسيادة المملكة.

كسر الجزائر لحصار سبتة ومليلية

أثار التصريح الذي قدمه رئيس الحكومة المغربية السابق سعد الدين العثماني بخصوص نية المغرب فتح ملف استرجاع سبتة ومليليه فور الانتهاء من قضية الصحراء المغربية، موجة استياء واحتجاجات من قبل الحكومة والأحزاب الإسبانية التي طالبت بتقديم توضيح على خلفية تصريحات العثماني، ليأتي تأكيد سفيرة المغرب بإسبانيا كريمة بنيعيش، الذي شددت فيه على أن موقف المغرب فيما يخص المدينتين ثابت، وأن المغرب لا يعترف بالسيادة الإسبانية على المدينتين ويعدهما محتلتين، و في الوقت التي ساندت وبشكل علني كل الدول العربية الموقف المغربي لم تحرك الجزائر ساكنًا في القضية وتعمدت خروجها عن الإجماع العربي في قضية سبتة ومليلية، رغم تشدقها الدائم بمساعدة الدول الخاضعة للاستعمار في التحرر وهو ما يؤكد ازدواجية المعايير في مبادئ الجارة الشرقية، كما تناقلت وسائل إعلامية محلية ودولية تصدي المغرب لمخطط إطلاق خط بحري جديد يربط بين ميناء الغزوات الجزائري ومليلية المحتلة، لكسر الحصار التجاري المغربي على مليلية بهدف التشويش على المملكة وبعثرت أوراقها الخارجية، فضلًا عن سعي الجزائر لفتح قنصلية في مليلية المحتلة، بغرض زعزعة الوجود المغربي من خلال التغيير الديموغرافي للسكان الأصليين، الأمر الذي تصدت له الداخلية المغربية وبعض الجمعيات المغربية ورجال الأعمال الذين هددوا بشل الحركة الاقتصادية، ما استدعى تراجع حاكم المدينة عن هذا الفعل.

بروباجاندا تجميد اتفاقية أنبوب الغاز

مباشرةً بعد إعلان الجزائر القطيعة الدبلوماسية مع المغرب، خرج وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب ليعلن بشكلٍ رسمي استغناء بلده عن أنبوب الغاز مع المغرب، وتعويضه بأنبوب «ميدغاز» الذي سيصل الجزائر بإسبانيا عبر البحر الأبيض المتوسط، كما عمد الإعلام الجزائري إلى تصوير هذه الخطوة على أن لها أضرار جسيمية على الاقتصاد المغربي وأنها بمثابة عقوبة اقتصادية على المغرب، في تهويل واضح وصريح لعواقب وتبعات القرار.

وفي السياق ذاته عد الخبراء المغاربة والإعلامي المغربي أن تحويل مسار إمداد الغاز الجزائري نحو أوروبا لا يلحق أي أضرار بالمملكة بقدر ما من شأنه أن يضر بالجزائر نفسها، إذ إن هناك تبعات قانونية على الجزائر في هذه الحالة، خاصةً وأن هذه الأخيرة تربطها بنود واتفاقيات ترعاها هيئات قانونية دولية، قد تكلف الجزائر تعويضات ضخمة، غير أن نقل الغاز الجزائري عبر الأراضي المغربية يبقى الأقل تكلفة.

تدخلات عسكرية بائسة لتأجيج «الحرب المنتظرة»

في خطوة استفزازية علنية أقدمت الجزائر على تجريد مزارعين مغاربة من أراضي موروثة أبًّا عن جد بمنطقة فكيك، في استغلال تام للحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي جعلت من هذه الأراضي جزائرية، أما من حيث الواقع والسياق التاريخي فهذه الأراضي تعود ملكيتها لفلاحين مغاربة ينحدرون من منطقة فكيك، غير أن التوقيت الذي اختارته الجزائر لفتح ملفات هذه الأراضي يؤكد محاولة الجارة الشرقية تأجيج الصراع بأي شكل من الأشكال.

وفي السياق ذاته كررت الجزائر سيناريو الاستفزاز، إذ حركت عناصر من جيشها باتجاه المنطقة الشرقية المغربية وصولًا إلى الخط الحدودي الفاصل بين البلدين، ويأتي هذا التطور في سياق مشحون بتلويح الجزائر مرارًا وتكرارًا بالحرب، غير أن منطقة «زلمو» قضيتها مغايرة لمنطقة فكيك فهي مغربية وفق اتفاقية الحدود الموقعة سنة 1972.

غلق الحدود الجوية

بعد تصاعد حدة التوتر بين الجزائر والمغرب الذي أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية، أعلنت الجارة الشرقية إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية المدنية والعسكرية بما فيها الطائرات التي تحمل رقم تسجيل مغربي، بينما لم يعلق الجانب المغربي على هذا القرار، في حين عد الخبراء المغاربة أن قرار غلق المجال الجوي له طابع سياسي، هدفه تشتيت انتباه الشعب الجزائري عن قضاياه وظروفه الاجتماعية وامتصاص غضبه من الطغمة الحاكمة، ما من شأنه أن يؤثر في 15 رحلة أسبوعية باتجاه تونس ومصر وتركيا وفقًا لما صرحت به الخطوط الملكية المغربية، التي عملت على إعادة برمجة هذه الرحلات من خلال العبور عبر المياه الإقليمية الدولية للبحر الأبيض المتوسط، وهو ما قد يزيد من تكاليف الرحلات الجوية ومدة السفر.

وإذا ما قمنا بتجميع كل المحطات السابقة التي شكلت عقدة أزلية في نفوس النظام الجزائري، بما فيها حرب الرمال التي لا تزال هزيمتها مترسخة في عقول الطغمة الحاكمة في الجزائر التي تتجرع مرارة الهزيمة من ذاكرة التاريخ، و من العبارة «حكرونا المراركة»، وصولًا إلى دهاء المشمول بعفوه الراحل الحسن الثاني الذي كان العقل المدبر للمسيرة الخضراء والتي استرجع من خلالها المغرب أقاليمه الجنوبية، كل هذه الأحداث كانت كفيلةً بأن تجعل النظام الجزائري يتبنى سياسة العداء وتتكون عنده عقدة اسمها «المغرب»، فضلًا عن حقدهم الدفين على التاريخ الطويل والحافل للمملكة المغربية وعن العادات والتقاليد التي تزخر بها، ناهيك عن الاستثمارات المغربية في القارة الأفريقية والقوة الدبلوماسية والسمعة الطيبة التي تحظى بها المملكة في كل المحافل الدولية، والانجازات التي تحققها المملكة في شتى المجالات دون استثناء، ودبلوماسية القنصليات التي ترعاها الخارجية المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، كلها إنجازات تجعل العسكر الجزائري يراكم عداءً مزمنًا تجاه التفوق المغربي، خصوصًا في ظل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والوضع الهش الذي تعرفه الجارة الشرقية، ومع اللاشرعية التي تواجه جنرالات الجزائر يبقى التوجس قائمًا من أن تقدم الجزائر على خطوة شبه انتحارية تتمثل في إعلان الحرب على المغرب بهدف كسب الشرعية، وتصدير أزماتها الداخلية نحو الخارج من خلال توحيد الصف الداخلي وتوجيه أنظاره نحو العدو الكلاسيكي، خصوصًا في ظل ظرفية تتسم باقتراف ذكرى انتفاضة 5 أكتوبر (تشرين الأول).

ويمكن القول إنه من الصعب التمادي في مزيد من الأمل والتفاؤل نحو غذٍ مشرق فيما يخص العلاقات المغربية الجزائرية، والجزم بأن صوت الحكمة وتغليب العقل والمصلحة العامة للشعبين ستنتصر، خاصةً في ظل تصاعد حدث التوتر بين الجارتين، لذلك من غير المستبعد أن يكون من خلف هذه التوترات هجمات عسكرية أو حرب تلوح في الأفق على هيئة حرب الرمال، لن تكون في صالح الشعبين ولا المنطقة بصفةٍ عامةٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد