لا ينكر أحد مدى العلاقات المتميزة التي تجمع المغرب مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية، خصوصًا العلاقات الديبلوماسية والسياسية التي تجمع ملوكها وأمراءها منذ زمن بعيد. لكن هذه العلاقات لم تنعكس بشكل كبير على شعوبها وعلى اقتصاداتها وتنميتها، رغم أن شعوب المنطقة سواء في الخليج أو المغرب لم تكن تمانع أبدًا في تعزيز هذه العلاقات وتثبيتها ورفع مستواها إلى درجة التحالف الإستراتيجي، الذي يضم كل المجالات العسكرية الدينية الاقتصادية الاجتماعية والتنموية… لما لهذه الشعوب من نقاط شراكة فعالة، منها الدين واللغة والتاريخ والتكامل الاقتصادي وتشابه أنماط الحكم، بل كانت هذه الشعوب تواقة لتحالف عربي كبير في ظل الجامعة العربية التي ظلت كل مقرراتها حبرًا على ورق.

وبالنظر للمتغيرات الخطيرة التي جرت في السنوات الخمس الماضية بعد الربيع العربي، والتي نعتها ملك المغرب  بالخريف العربي في القمة الخليجية المغربية التي جرت مؤخرًا بالرياض، والذي على أثره  تعرضت دول عربية عريقة للتقسيم والاختفاء مثل ليبيا وسوريا واليمن، فقد أصبح من المؤكد واللازم على هذه الدول التي أحست بخطورة الموقف، وبان لها في الأفق ما يطبخ في كواليس السياسة الدولية، أن تتداعى إلى بعضها البعض وأن تؤسس تحالفًا يعزز مكانتها ويحمي مصالحها.

ولكن أي تحالف تريد؟ وهل حقيقة فهم حكام المغرب والخليج ماذا يريدون؟

الربيع العربي لم يصبح بعد خريفًا، رغم كل المآسي التي عانت منها الشعوب العربية التي انتفضت من أجل بناء مجتمعات حرة تربط الحكم بالمحاسبة، وتبغي رفعة الوطن والمواطن سواء أكان حاكمًا أم محكومًا، وهذه هي سنة الحياة خصوصًا مع زمن العولمة، ويحق للشعوب أن تضحي من أجل ذلك، فما زال الربيع العربي وسيظل صرخة مدوية من أجل التحرر والكرامة.

الأنظمة الجمهورية العربية ذات الخلفية العسكرية والشمولية فشلت في استيعاب هذه الحقيقة فقاومت مطالب الشعوب، واستحقرتها وشنت حملات عسكرية إرهابية على الحراك السلمي ظنًّا منها أنها ما زالت في زمن السبعينيات والثمانينيات،  زمن العنتريات الفارغة والأيديولوجيات منتهية الصلاحية، وقررت إطلاق الرصاص على الكل متمسكة بفسادها وسرقتها وغبائها، مما فتح الباب أمام الفوضى والمتربصين الذين تلقفوا الفرصة لتحديد مخططاتهم، فمات القذافي وأبناؤه ميتة الكلاب ومزقت ليبيا، وهرب بن علي هروب الفئران، ووقعت تونس في الهاوية، وأصبح بشار الأسد يدعى بذيل الكلب بعد أن كان يصدعنا في القمة العربية بخطاباته التافهة وباع سوريا لإيران وروسيا، وما زال صالح يصارع كرئيس عصابة مشوه الوجه من أجل تركيع اليمن وبيعه، وما زال العسكريون والمخابراتيون في مصر يناوئون إرادة الشعب حتى أوصلوا مصر إلى الحضيض اقتصاديًّا وسياسيًّا.

وهذا كله من أجل إجهاض تحركات شعبية طالبت بالإصلاح والعدالة ومحاسبة السارقين.

فهل أدرك ملوك الخليج والمغرب أخيرًا عمق المأزق؟

وهل فعلًا يسعون لتحالف حقيقي وراسخ؟

من البديهي أن كل محاولات التحالف العربية السابقة باءت بالفشل الذريع، وذلك لأنها كانت منفصمة عن واقع الشعوب العربية وتطلعاتها، بل لأنها كانت في الأصل تحالفات هلامية فارغة، تأتي تحت ضغط الشارع والأحداث، فيراد بها تسكين الوضع والانحناء للعاصفة حتى تمر فتعود حليمة لعادتها القديمة. لكن الجديد هذه المرة هو أن غضب الشارع العربي طارت معه رؤوس يانعة، وأعيد فيه اقتسام الكعكة ونشبت أظفار المتربصين في جسد الوطن العربي المريض من أجل تمزيقه وتفتيته. ولن نلوم الشعوب أبدًا، فقد صبرت صبر أيوب على هذه الأنظمة المهترئة وأعطتها الفرصة تلو الأخرى للإصلاح وفي كل مرة تخذلها وتحط من قدرها.

ومن يظن أن الربيع العربي قد انتهى فهو واهم، فكل مقومات عودته ما زالت موجودة بل وازدادت، والخطير في الأمر أنه لا يحتاج سوى أسبوعين أو أكثر بقليل لتطير الرؤوس اليانعة، وعلى  المقاومين له أن يختاروا بين السيناريو السوري، أو السيناريو الليبي، أو السيناريو المصري… ما داموا يعلمون علم اليقين أنه مؤامرة. أو أن ينحازوا إلى الشعوب فيرضخوا لمطالبها بالحرية والعدالة وإقامة الحكم الرشيد والقضاء على الفساد، وهذه هي المعادلة منذ البداية، فيصبحون بذلك أبطالًا بين شعوبهم ويغيظون أعداءهم والمتآمرين عليهم، ويكتب التاريخ أسماءهم بمداد من ذهب.

التحالف الجديد بين المغرب ودول الخليج، يجب أن يكون تحالفًا حقيقيًا ينعكس سياسيًا واقتصاديًا على الشعوب، ويصل بها إلى الاندماج الواقعي من حرية التنقل والعمل والاستثمار، وأن يعطي لسكان هذه الدول فسحة من الأمل من أجل التطور والرقي والمشاركة في التنمية والحكامة الراشدة، وأن تظهر نتائجه على الأرض على غرار الاتحاد الأوروبي والتجمعات الإقليمية الأخرى، ويعطي مثالًا ناصعًا للدول العربية المترددة لتنضم إليه راغبة أو صاغرة مستقبلًا، ويبتعد عن سياسات العجرفة والتعالي فالكل في مركب واحد والمياه باتت تنفذ إليه من الثقوب، وفي غالب الأحيان إذا غرق المركب لا نلوم الركاب بل نلوم فريق القيادة على سوء تصرفه وقيادته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد