يبدو أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي باتت وشيكة، بعد الطلب الذي قدمه الملك محمد السادس إلى القمة الإفريقية الأخيرة التي استضافتها العاصمة الرواندية كيغالي في يوليو (تموز) من العام الماضي.

ما يؤكد صحة توقعاتنا، أن العاهل المغربي وصل بنفسه في أديس أبابا، حيث من المنتظر أن تنعقد قمة الاتحاد الإفريقي هذه المرة في دولة المقر «إثيوبيا» خلال 48 ساعة. ذلك لربما تكون مشاركة الملك بنفسه فرصة وسانحة جيّدة من أجل الدفاع عن ملف العودة إلى البيت الإفريقي، كما ذكر رئيس الحكومة المكلف عبد الإله بن كيران.

غياب المغرب عن الاتحاد الإفريقي لما يزيد عن ثلاثة عقود، كان بسبب قرار منظمة الوحدة الإفريقية (آنذاك)، الاعتراف بعضوية الدولة التي أعلنتها جبهة البوليساريو وهي «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية». ولأكثر من ثلاثة عقود كان المغرب يرفض أن تقوم منظمة «الوحدة الإفريقية» التي تغير اسمها لاحقًا إلى الاتحاد الإفريقي، بلعب أي دور في نزاع الصحراء الغربية التي يعتبرها المغرب امتدادًا لأراضيه.

عزّز العاهل المغربي طلبه الذي سُلم إلى قمة كيغالي بجولات إفريقية واسعة النطاق هدفت إلى حشد التأييد والدعم إلى العودة الوشيكة إلى الحضن الإفريقي، ركّز فيها على الدول التي يرى موقفها مترددًا أو غير ملبٍ للطموح المغاربي.

من أهم المحطات التي شملتها جولة الملك محمد السادس، جمهورية إثيوبيا، الدولة المحورية التي يتخذ الكيان الإفريقي عاصمتها أديس أبابا مقرًا له، وتنبع أهمية زيارة العاهل من النتائج التي خلصت إليها، ومن بينها التوقيع على 13 اتفاقية ومذكرة تعاون مع الجانب الإثيوبي شملت الجوانب الثقافية والاقتصادية. يمكن القول إن أبرزها اتفاقية بين البلدين لإنشاء محطة لإنتاج الأسمدة باستثمارات تبلغ أربعة مليارات دولار، يتوقع لها أن تنتج نحو ثلاثة ملايين طن من الأسمدة بحلول عام 2022، إلى جانب اتفاقيات تتعلق بالاستثمارات الزراعية. والأهم من تلك الاتفاقيات بالنسبة إلى المملكة المغربية هو الإعلان الإثيوبي الواضح بدعم عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي كما صرّح رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين، الذي أكّد أن ملف المغرب سيكون حاضرًا أمام الدورة المقبلة التي تنعقد نهاية الشهر.

من أديس أبابا، توجه العاهل المغربي محمد السادس إلى محطات إفريقية أخرى شملت مدغشقر وكينيا ونيجيريا، حيث كان من اللافت اصطحابه وفدًا كبيرًا يتكون من 63 شخصية، بينهم وزراء ومستشارون للملك وعدد من كبار المسؤولين وشخصيات شعبية ورسمية، ما يعكس الرغبة في التأثير وخلق هالة من الحشد السياسي.

إلى الآن تسير الأمور في صالح المغرب بشكل ظاهر للعيان، إذ حصل الطلب الذي بعث به محمد السادس إلى القمة الأخيرة في رواندا، على تأييد فوري من 28 دولة عضوًا في الاتحاد الذي يتكون من 54 دولة، هذا بخلاف الدول التي أعلنت لاحقًا عن تأييدها لعودة الرباط.

لكن المشكلة الأساسية التي من أجلها انسحب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية لا تزال موجودة، وهي عضوية «الجمهورية الصحراوية»، حيث يراها المغرب كيانًا وهميًا لا وجود له على أرض الواقع، وطرح السودان والغابون والسنغال في هذا الملف مقترحًا بتجميد «البوليساريو» بشكل مؤقت لتمهيد الطريق أمام المغرب. في الوقت الذي غابت فيه الجزائر وتونس عن مقترح تجميد عضوية الجمهورية الصحراوية. غير أن مراقبين يرون أن الأولى موقفها واضح وهي داعمة بشكل جدي لجبهة البوليساريو في مساعيها لاكتساب اعتراف بالاستقلال من المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة.

بجانب تونس وموريتانيا اللتين تنتهجان سياسة الحياد في ملف الصحراء الغربية، على ما يبدو، فإن هناك الموقف المصري الذي لم يدعم المغرب بشكل صريح، ويتحدث مواطنون مغربيون عن أن القاهرة كثّفت اتصالاتها الحثيثة من أجل عرقلة الترتيبات الأخيرة لعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في قمته المنتظرة نهاية الأسبوع المقبل، إذ كشفت مصادر دبلوماسية لصحفيين أن مصر متوجسة من تنامي نفوذ الرباط والرياض.

وتتخوف القاهرة (حسب المصادر) أن تكون مشاريع المغرب والسعودية في حوض النيل سببًا لعزلها في المنطقة، إذ أطلقت الرياض مشاريع زراعية في إثيوبيا بالتوازي مع إنشاء المجمع المغربي لإنتاج الأسمدة الزراعية باستثمار قيمته مليار يورو على خمس سنوات، والذي من شأنه تحقيق الاكتفاء الذاتي لإثيوبيا بحلول 2025.

قد يتساءل البعض عن سر اهتمام المغرب بالعودة إلى الاتحاد الإفريقي في هذا التوقيت وبعد تلك الغيبة الطويلة. الإجابة هي: إن المغرب طور علاقاته الاقتصادية مع العديد من البلدان في القارة منذ مغادرته للاتحاد، ويتوقع أن تمنحه العودة إلى البيت الإفريقي مزيدًا من التعزيز لهذه الروابط، وربما الوصول إلى تسوية نهائية لقضية الصحراء. بجانب ذلك نرى أن المغرب لاحظ الفاعلية والديناميكية التي يمتاز بها الاتحاد الإفريقي ومنظماته النشطة في قضايا القارة السمراء، خصوصًا مجلس السلم والأمن، السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا»، الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد». ذلك في مقابل الضعف والهوان الذي تعيشه جامعة الدول العربية التي أصبحت هي ومؤسساتها لوحة صورية بلا أدنى تأثير سوى عبارات المجاملة المكررة عن التضامن العربي ووحدة المصير، فضلًا عن بيانات التضامن والشجب والاستنكار عند وقوع الكوارث والمصائب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد