لَقد شَكّلت الأمتار الأَخيرة مِن سنة 2020 وبداية سنة 2021 تَحوّلا استراتيجيا ضَخما عَرَفَته قضية الصحراء المغربية سَبقته وتيرة فتح القنصليات التي انطلقت أواخر سنة 2019 والتي وصلت زُهاء العشرين قنصلية لحد السّاعة والعدد في زيادة مستمرّة، ولِما لِذلك من اعتراف بِسيادة المغرب الترابية على صحرائه، تَلاها قرارات مجلس الأمن الدولي خلال الخمس سنوات الأخيرة التي تؤكد على الحل السّياسي الواقعي والدائم مشيرة بذلك إلى حل الحكم الذاتي الذي تبنّاه المغرب في أبريل 2007، مرورا إلى تحرير معبر الكركرات بطريقة سلمية ورَزينة جعلت المُنتظم الدّولي عبر أزيد من 80 دولة تُؤيد ما قام به المغرب، زِد على ذلك بداية إعمار مركز الكركرات عبر تشييد مسجد به كمؤشر تاريخي ببداية الإِعمار، لِنصل إلى 10 ديسمبر (دجنبر) التاريخي تاريخ الاعتراف الأمريكي بالسّيادة الترابية للمغرب على صحرائه من خلال مَرسوم رئاسي له أثره القانوني والسياسي الفَوري، والذي نُشر بالسجل الفيدرالي الذي هو بمثابة الجريدة الرسمية بالمغرب.

إِنَّ قرار الولايات المتحدة الأمريكية هو ثمرة للمجهودات المَبذولة من طرف الدبلوماسية الرسمية من جهة أولى ومن جهة ثانية هُو رُؤية الولايات المتحدة الأمريكية للحلّ الوَاقِعي لنزاع الصحراء المُفتعل، وذلك يتّضِح من خلال كَوْن كلّ الإدارات الأمريكية منذ فترة رئاسة بيل كلينتون إلى الآن دعّمت مُقترح الحكم الذاتي المغربي كحلّ ناجع لحلحلة النّزاع المُفتَعل، فَكَما ذكَرْنا سلفا فَقرار الولايات المتحدة الأمريكية اعترافه بالسيادة الترابية للمغرب على صحرائه قد دخل المنظومة التشريعية لأقوى دولة في العالم، هذا دون نسيان إبلاغ مجلس الأمن الدولي عبر رسالة السّفيرة الممثلة الدائمة للولايات المتحدة الأمريكية لدى مجلس الأمن فيه نسخة من القرار الرئاسي، لِتَشهد السنة الجديدة ضربات دبلوماسية جديدة أفقدت وعي وتوازن جبهة البوليساريو ، فإذا كنا نتحدث عن قرب افتتاح الولايات المتحدة الأمريكية لقنصليتها بمدينة الداخلة نجد «الأقصاف» حسب تعبير بلاغات الكِيان الوهمي، بلاغات تتقاطر بأحلام اليقظة وبأقصاف لا نجدها سوى في بلاغاتهم التي لا تنقطع مع اعتماد حلف الناتو لخريطة المملكة المغربية كاملة.

إن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية يمكن اعتباره نتيجة حَتْمية وطبيعية للعلاقات الثنائية بين البلدين، فسنة 2021 تؤرخ لـ 200 سنة على افتتاح أول بعثة دبلوماسية للولايات المتحدة بالعالم وقد كانت بالمغرب في طنجة، حيث يتواجد «أقدم مقر دبلوماسي أمريكي في العالم»، فالمملكة المغربية هي أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1777.

إن ما تحقق سيكون له أبعاد جيو-استراتيجية إقليميا وقاريا ودوليا، المغرب قوة جيو-سياسية وقَنْطرة المُحيطين المتوسطي والأطلسي، ونافذة إلى أوروبا ومعبر حيوي إلى أفريقيا، ما يجعل أقوى دولة في العالم تربط شراكات استثمارية بملايير الدولارات، هذا دون نسيان كَوْن أكبر تمرين عسكري لدولة «العم سام» يتواجد بالأراضي المغربية «مناورات أسد الصحراء»، عبر توافد عند نهاية شهر مارس من كل سنة أزيد من 2500 جندي أمريكي لإجراء مناورات مع الجيش المغربي، شراكة عسكرية واسعة، كما لا ننسى كذلك الاتفاق الأمني بين البلدين عبر اتفاقية تاريخية تمتد لعشر سنوات، مؤشرات ضمن أخرى تؤكد بالملموس الدور الإقليمي الاستراتيجي الذي تَلْعبه المملكة المغربية، وهذا ما أَكّد عليه مُؤخرا مساعد كاتب الدولة الأمريكي المكلف بشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا دفيد شينكير فالمغرب حَسَبه «شريك رئيسي للاستقرار الإقليمي»، ليأتي يوم الأحد 10 يناير من السنة الجديدة شاهدا على حدث تاريخي من خلال زيارة وفد أمريكي رفيع المُستوى يَترأّسه مُساعد وزير الخارجية الأمريكي مع سَفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب ديفيد فشير لمقر القنصلية المُحتملة الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية بمدينة الداخلة المغربية، قُنصلية سَيكون لها دور استثماري هام يكَرس العلاقات الثّنائية الاقتصادية بين البلدين والتي توّجت مؤخرا بتوقيع اتفاقيتين تاريخيتين بلغت حوالي خمسة ملايير دولار في مجال الاستثمار والاقتصاد خلال الأربع سنوات المُقبلَة، إضافة إلى فتح مكتب «ازدهار أفريقيا» باعتباره أول مكتب يتم افتتاحه خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

إن العلاقات الثُّنائية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية ضاربة في جذور التاريخ، فعلى سبيل المثال يُعتبر المغرب الدولة الأفريقية الوحيدة التي وقّعت اتفاقية التّبادل التّجاري الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية بدأت سنة 2006، فالصادرات المغربية نحو الولايات المتحدة تضاعفت كما أنَّ قيمة التّجارة الثّنائية قد بلغت خمسة أضعافها خلال هذه الفترة، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية حسب دفيد شينكير «دأبت على الاستثمار في مستقبل الأقاليم الجنوبية منذ إدارة باراك أوباما، وبشكل أساسي بفضل تمويل مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق- أوسطية التابعة لوزارة الخارجية، التي تركز على خلق فرص الشغل وتقوية كفاءات المجتمع المدني»، وبالتالي في خِضَمّ أوْج العلاقات الثنائية المُتطَورة نَجد كذلك العلاقات المُقاولاتية عبر تَواجُد أزيد مِن 150 مُقاولة أمريكية تعمل حاليا ببلادنا تُساهم في خَلْقِ مناصب الشّغل والاستِثمار.

خِتامًا إنّ المملكة المغربية وقُوّتُها الجيو-استراتيجية وسياسية قاريا وعربيا جعلت أقوى دولة في العالم تَعْتبر المغرب شريكا جوهريا وقُطبا كبيرا داخل القارة الأفريقية وبَوّابة أساسية للاستثمار ومكافحة الإرهاب والهجر غير المنظمة، مما جعل قوى أخرى تُسارع الزّمن لِتوطيد أواصِر العلاقات مع المملكة المغربية أهمها المملكة المتحدة البريطانية خاصة مع خُروجها من البريكسيت والتي أعطت إشارات إيجابية تؤكد بأن العلاقات الثنائية المغربية البريطانية ستكون أكثر قوة مُستقبلا خاصة مع هذه التغيرات الجيو-سياسية التي تَعرِفها المِنطقة مما سَيتيح فرصًا أكثر انفتاحًا، وهذا ما أكد عليه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، كما أن الجَارة إسبانيا لاَ حل لها حاليا ولا مُستقبلاً سِوى السّير مع الرّكب، وهذا ما سَتُؤكد عليه القمة المغربية- الإسبانية شهر فبراير المُقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد