ظل الاقتصاد المغربي منذ الاستقلال متسمًا بتذبذبه الشديد وبضعف معدل النمو، وهو ما جعله بعيدًا عن تحقيق الأهداف المرجوة وأهمها تحسين الأوضاع المعيشية لشرائح اجتماعية واسعة، وهذا يعزى كما بيننا في المقال السابق إلى جملة من العوامل منها الارتكاز الشديد على القطاع الفلاحي الذي يظل رهينًا للتقلبات المناخية، وضعف أداء القطاع الخاص بفعل التعقيدات الإدارية والعقارية والقضائية،وعدم وجود حوافز وضمانات كافية لتيسير تطويره وتأهيله للمنافسة في الأسواق الدولية.

وبالتالي لم يستطع الاقتصاد الوطني تحقيق النمو المرجو ولا تجاوز المعيقات التي واجهها خاصة أن الانفتاح الاقتصادي على الخارج لم يجر تهييء له بما يلزم لمواكبة المنافسة، فترتب عن ذلك أضرار فادحة في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي ولعل أبرز مثال على ذلك الإقبار الذي طال العديد من وحدات صناعة النسيج الوطني بعد إبرام اتفاقيات التبادل التجاري مع الصين.

 كما تفاقمت هذه الاختلالات العميقة في ظل ضغط الأعباء الاجتماعية المتزايدة، والتي تجسدت في تنامي المديونية الخارجية بما يعني ذلك من ارتهان للقرار السياسي والاقتصادي بيد المؤسسات المالية، الأمر الذي جعل رهان الارتقاء إلى المستوى المطلوب  لمنافسة اقتصاديات البلدان الصاعدة شيئًا بعيد المنال وفرض في الآن ذاته هاجسًا مؤرقًا على الحكومات لإيجاد البدائل المناسية لتجاوز هذه الإخفاقات.

حصيلة اقتصاد العهد الجديد

بعد مضي 18 سنة على وصول الملك محمد السادس للعرش خلفًا لوالده الراحل الحسن الثاني، بدأت تتضح معالم الاختيارات الاقتصادية للمغرب بتوجه للدخول إلى نادي الدول الصاعدة  والتي اتسمت بالارتكاز  على مجموعة من الدعائم أهمها تطوير مردودية أداء القطاعات الاقتصادية وتهييئها للمنافسة الخارجية، ولإعطاء دينامية جديدة للاقتصاد جرى استحداث رؤى جديدة من خلال المخططات القطاعية تتوخى تطوير مجالات إنتاجية أساسية مثل الفلاحة والصيد البحري والسياحة بغية دفعها لتحقيق قيمة مضافة في الناتج الداخلي الخام وخلق فرص عمل للفئات النشيطة التي تتزايد سنة بعد أخرى.

وشكل التوسع نحو الخارج إحدى الآليات المعول عليها لإنعاش الاقتصاد المغربي، وهو ما يفسر السعي نحو ترسيخ الانفتاح على العمق الأفريقي بعقد شراكات اقتصادية مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وإيجاد أسواق جديدة للاستثمارات خاصة في قطاع الخدمات أي القطاع البنكي والاتصالات مع العمل في الآن ذاته على تحرير المبادلات التجارية من خلال إبرام اتفاقيات التبادل الحر مع الأسواق الأفريقية الناشئة خاصة بلدان غرب أفريقيا التي تحولت إلى مجال نفوذ مغربي صرف.

ولأن أي حديث عن منحى التطور الاقتصادي يفرض استقراء الأوضاع واستعراض الإنجازات والإخفاقات المحققة قبل إصدار الأحكام فلا بد من الإشارة إلى ذلك، فبحسب السجلات والتقارير الرسمية استطاع المغرب مضاعفة ناتجه الداخلي مع وصوله إلى ما يناهز 104 حسب بيانات البنك الدولي كما تقلصت نسبة التضخم في 2% واستقر معدل النمو في 4% بالاضافة إلى انخفاض البطالة في حدود 10%.

وعلى الرغم من النتائج الإيجابية المحققة فلا تزال التنمية الاقتصادية بعيدة عن الوصول للغايات المرجوة، خاصة مع الإكراهات والتحديات البنيوية المفروضة والمرتبطة بالعولمة والتبعية الاقتصادية والنمو الديمغرافي الذي لا يواكب النمو الاقتصادي، وهكذا فحلم الانضمام إلى نادي الدول صاعدة لا يزال مطمحًا بعيد المنال.

وهذا الأمر يعزى إلى وجود عدة معيقات بعضها يمكن وسمها بالأعطاب الموروثة، فالمنطق الاقتصادي للتحول إلى قوة صاعدة يفرض تسجيل معدل نمو سنوي لا يقل عن 6% سنويًا أسوة بما حققته النمور الآسيوية، وهو ما لم يتم تحقيقه إلى حدود الآن خاصة أن الركيزة الأساس في الاقتصاد المغربي وهي الفلاحة رهينة بالتقلبات المناخية، كما أن عائدات تصدير الفوسفات تراجعت بفعل انخفاض أسعاره في السوق الدولية، ويضاف إليه تراجع مداخيل القطاع السياحي وتحويلات المهاجرين بحكم تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية التي ما تزال تخيم على عدة بلدان أروبية، مما أسهم في ضعف النمو الاقتصادي.

ومن جهة أخرى ما زال المغرب يرزح تحت وطأة خدمة الديون التي وصلت إلى مستويات قياسية خطيرة بتجاوزها 33 مليار دولار، وهنا ينبغي التوضيح أن الإشكال لا يكمن فحسب في حجم الديون بل في كيفية استثمارها، خاصة أنها لا تمول  المشاريع الوطنية التي ستدر عوائد مالية يمكن من خلال سداد المستحقات المالية، بل تخصص فقط للاستهلاك أي تغطية عجز الموازنة أو ما يعرف بخط السيولة والاحتياط وهو ما يعني أنها بلا عوائد.

وبالتالي تفاقم الديون الخارجية هو مؤشر خطير على فقدان الاستقلالية والسيادة في اختيار التوجهات الاجتماعية والاقتصادية، تتجلى في تدخل المؤسسات المالية العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي عبر توصياتها  لإعادة هيكلة الاقتصاد في شكل فرض برامج تقشفية في قوانين المالية المقررة.

اقتصاد على خطى النيوليبرالية

إن تنامي الديون الخارجية وبلوغها معدلًا قياسيًا مع وصولها إلى 33 مليار دولار هي نتيجة حتمية لاختيارات الاقتصادية المتسرعة المفروضة من الخارج، قادت إلى انعكاسات خطيرة كفقدان السيادة الاقتصادية والاجتماعية بالانصياع لشروط صندوق النقد الدولي وتدابيره المالية التي تحتم على البلدان المدينة لها بالتقليل من نفقات القطاعات غير المنتجة، حتى تظل قادرة على الوفاء بالتزاماتها في سداد الديون المستحقة عليها ودون مراعاة أضرارها على الاستقرار والسلم الاجتماعي.

فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية الاسلامي إلى السلطة، أبانت العديد من قوانين المالية المصادق عليها  توجه صريحًا نحو النيوليبرالية، وهي مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تعمل المؤسسات المالية الدولية على نشرها في العالم نظير تقديم القروض مثل تطبيق اقتصاد السوق الحر أي تحفيز الاستثمار في القطاع الخاص والتقليل من الضرائب على أنشطته مع تحرير سعر الصرف عبر تعويم العملة الوطنية والتخفيض من قيمتها تعزيزًا للانفتاح على السوق العالمي والخصخصة المفرطة بتفويت مؤسسات القطاع العام إلى المستثمرين المحليين والأجانب، وتفكيك دولة الرعاية الاجتماعية بذريعة دعم الموازنة العامة.

جاء تبرير الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الاسلامية لتبني مثل هذه الاختيارات الاقتصادية أن ذلك راجع إلى طبيعة الظرفية الدولية إذ تبنت العديد من البلدان العربية مثل مصر والأردن مثل هذه الإجراءات الاقتصادية، بهدف الحفاظ على التوازن الاقتصادي الهش يحتم تقديم تنازلات قاسية على الجميع تحمل تباعتها.

وهذه الإجراءات  كما جاء في التبريرات التي ساقتها الحكومة باعتبارها ضرورة ملحة تفرض على جميع الفاعلين من قطاع عام وخاص والمواطنين الانخراط فيها وتحمل تباعتها هي في الواقع  تبدو مبررات واهية لا أساس لها من الصحة، لكون نفس قوانين المالية المصادق عليها نصت على منح القطاع الخاص وأساسًا المقاولات الكبرى حزمة من التحفيزات المالية على حساب الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل.

ولعل أهم الهدايا التي تم تقديمها لرجال الأعمال الكبار تمثل في تخفيضات الضريبية على الأرباح، وهو ما سيشكل خسارة للخزينة العامة ويضاف إليها أن القانون الجبائي مليء بثغرات تمكن من التملص الضريبي، وفي المحصلة ستبقى نسبة قليلة من المقاولات هي التي تؤدي الضرائب.

وفي نفس السياق فلا تقتصر حزمة الحوافز على الجانب المالي بل تتعدى ذلك لتشمل حتى الجانب التشريعي المتعلق بقوانين الشغل، حيث أضحت أكثر تشددًا فيما يتعلق بمنع الحق في الإضراب عن العمل وتجميد الزيادة في الأجور مع تسهيل مساطر تسريح الإجراء وتعميم التشغيل بالتعاقد المؤقت بذريعة الحث على الانضباط والاجتهاد في العمل حتى في قطاعات عمومية حيوية كالتعليم.

وفي الاتجاه الموازي تتضح معالم توجه صريح بتقليص كتلة الأجور العامة بعدم تعويض الخصاص الحاصل في الموارد البشرية بسبب المحالين على التقاعد في القطاع العام، إلا في الحدود الدنيا في القطاعات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة دون أن يشمل ذلك القطاعات الأمنية التي حافظت على نفس وتيرة التشغيل عبر المناصب المالية المتاحة لها.

كما أن عملية تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية تسير على قدم وساق، فالخدمات الاجتماعية  تجري عملية تصفيتها بذريعة استنزافها للموازنة العامة، ولعل خير مثال على ذلك مخطط إلغاء مجانية التعليم العالي والثانوي بدفع الفئات الميسورة لتمويله مع استثناء الفئات الفقيرة من ذلك، ويضاف إليها  رفع لأسعار العديد من المواد الاساسية في وقت يُروج فيه عن خطط مستقبلية لإلغاء دعم صندوق المقاصة – آلية لتخفيض أسعار المواد الاساسية كدعم للقدرة الشرائية للمواطنين – بفعل وجود فئات ميسورة تستفيد منه، مع العلم أن هناك صناديق أخرى تستفيد منها هذه الفئات ولعل أهمها الإعفاء الضريبي على المستثمرين في القطاع الفلاحي على الرغم من الأرباح الهائلة المحققة من خلاله مما يشكل هدرا للمال العام.

وفي الوقت الذي تستفيد منه المقاولات الكبرى من امتيازات النظام الضريبي سنجد في المقابل تشددًا في رفع الضرائب على الطبقات الاجتماعية الهشة، خاصة رسوم القيمة المضافة على استهلاك المواد الأساسية وعلى رخص الاستفادة من بعض الخدمات العامة كالحصول على جواز السفر ورخص البناء وغيرها مما يعني بطريقة غير مباشرة ضربًا للقدرة الشرائية.

وفي المقال القادم سنناقش جدوى هذه التدابير النيوليبرالية المتخذة  باعتبارها سبيلًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة، وعن انعكاسات ذلك على البناء الاقتصادي وعلى ظروف عيش الملايين من المغاربة مع الإشارة إلى تبعات ذلك على السلم الاجتماعي.

المصادر:

– يونس بلفلاح، المغرب الحصيلة الاقتصادية للملك بعد خمسة عشر عامًا، مركز الجزيرة للدراسات

– المغرب في أفق 2040، ورقة بحثية عن البنك الدولي

– ملخص تركيبي للتقرير العام 50 سنة من التنمية البشرية أفاق سنة 2025

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد