إن محور أي عملية تنموية لابد أن يطول البعد الاجتماعي، فحينما يتحقق النمو الاقتصادي من الضروري أن يتجسد ذلك في تحسن ملموس للأوضاع المعيشية، واتساع حجم الطبقة المتوسطة التي تشكل الطرف الأساس في استقرار المجتمع وتماسكه، كما ينبغي أن تتمظهر في انحصار العلل الاجتماعية من فقر وبطالة وغيرها.

وإذا جرى عكس ذلك فإن وصمها بالتنمية هو بلا شك ادعاء مجرد لا يصمد أمام الوقائع، وفي حالة المغرب كبلد عالمثالثي فقد ظل نموذجه التنموي بعيدًا عن الاستجابة لحاجيات مواطنيه وعاجزًا عن تحقيق تطلعاتهم البسيطة، بل ساهمت بعض سياساته بشكل غير مباشر في توسيع الهوة بين الطبقات الاجتماعية وفي تعميق علل بنائه الاجتماعي والاقتصادي.

وتترجم البيانات الإحصائية هذا الوضع بشكل جلي، فحسب تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية حل المغرب في المرتية 123 بل وتتقدم عليه بلدان أنهكتها الحروب والصراعات السياسية مثل ليبيا والعراق، وهو ما يعكس حجم الضعف التنموي الاجتماعي خاصة أن المعايير المعتمدة في هذه الإحصاءات تعتمد على مؤشرات متعددة تتمثل في التعليم ومعدل الحياة للمواطنين والصحة ومستوى الفقر ثم الدخل الفردي.

 وفي المقالات السابقة بينا أن الاختيارات الاقتصادية للمغرب لم تحقق الأهداف المرجوة منها سواء رفع معدل النمو الاقتصادي أو تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني خارجيًا، وحتى عدم القدرة على الاستجابة التامة للتحديات الديمغرافية السريعة، فكانت المحصلة هي تنامي المشاكل الاجتماعية المرتبطة أساسًا بعدم تحسين ظروف العيش لملايين المغاربة.

وهكذا فإن تنامي المديونية الخارجية انعكاس حتمي لفشل المشاريع الإصلاحية والتنموية التي واجهت عملية ترجمتها عددًا من المعيقات الخارجية والداخلية، ومن جهة أخرى لم تشكل الديون الخارجية إلا علاجًا مؤقتًا أشبه بالمسكنات حيث لم تقطع مع مسببات الخلل بل أسفرت عن إدمان اقتصادي لها يتم الاستنجاد بها بشكل دوري للحفاظ على التوازن المالي الهش دون الانتباه إلى حجمها أو قيمة فوائدها المركبة وكذلك شروطها المجحفة المتمثلة في فقدان السيادة والاستقلالية في اتخاذ القرارات وخطورتها في تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية.

مخاطر تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية

تلعب الدولة دورًا مهمًا في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال عدة آليات ومؤسسات تمكن من لعب أدوارها لفائدة مواطنيها وتمكينهم من الحصول على حقوقهم الأساسية بناء على تعاقد اجتماعي واضح بين الطرفين يتحدد في ضمان العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة على المواطنين.

ويتخذ ذلك مظاهر متعددة تشمل تقديم الخدمات الاجتماعية الضرورية كالسكن والشغل والتعليم أو في الإعانات المالية أو دعم المواد الاستهلاكية الأساسية وهنا لعل من الضروري الإشارة إلى كون الدولة تمول هذه الخدمات الاجتماعية من خلال حزمة الضرائب المفروضة على مواطنيها سواء المباشرة أو غيرها.

وبالتالي فإلغاء مجانيتها هو ممارسة لتعسف واضح وظلم وتعدٍ على الحقوق الأساسية لكون الدولة ملزمة بتقديمها من منطلق دورها في رعاية مواطنيها، وأي استهداف لها فهو يعد خرقًا لمقتضيات العقد الاجتماعي وحرمانًا للمواطن من حقه في الثروة، فضلًا على كونها تشكل حقوقًا دستورية جاءت تنزيلًا للتعهدات التي جرى الالتزام بها من خلال المعاهدات والمواثيق الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من المواثيق.

وإذا كانت قوانين المالية كلها تؤكد على مدى الالتزام بدعم القطاعات الاجتماعية الهشة، فإن الواقع عكس ذلك فالتدابير المنصوص عليها تنحو في اتجاه واحد هو التقشف الذي لا يخدم مصالح الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل التي باتت تنوء تحت حمل ثقيل من الأعباء والالتزامات تفوق قدرتها الشرائية، فالزيادات المعلن عنها في قيمة الضرائب المباشرة وغير المباشرة، هي في الواقع  وسيلة لتعويض تراجع مداخيل الضريبية جراء الإعفاءات الممنوحة للمقاولات الكبرى تشجيعًا لها على الاستثمار والتي لا تستفيد فقط من ذلك بل يضاف لها حوافز أخرى متعددة على حساب المال العام.

 ولعل المفارقة المؤلمة أنه بالرغم من هذه الإجراءات التحفيزية المقدمة من الدولة لمقاولات القطاع الخاص فهي لم تقدم أي قيمة مضافة حيث لا تستثمر ولا ننتج والأنكى من ذلك أن وتيرة تشغيلها لليد العاملة هي جد ضعيفة ولا ترقى للمستوى المطلوب.

وفي الوقت الذي تلين فيه الدولة أمام القطاع الخاص سنجد في المقابل تشددًا في استهداف الطبقات الكادحة بتفكيك منظومة الرعاية المخصصة لهم وأهم قطاع اجتماعي تتسارع عملية تصفيته هو قطاع التعليم العام.

 فعلى الرغم من أن التشريعات الرسمية تعتبره أولوية وطنية إلا أن الواقع مخالف لذلك، حيث ما زال هذا القطاع يعاني من عدة اختلالات بنيوية وأخطرها تدني جودة خدماته بالإضافة إلى إكراهات أخرى تتمثل في الاكتظاظ المهول وخصاص الموارد البشرية وارتفاع معدل الانقطاع عن الدراسة، فقد أفاد تقرير للمجلس الأعلى للتعليم التابع للدولة في تقرير له خلال بداية الشهر الجاري بأن 650 ألف طفل مغربي لم يحصلوا على التعليم خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

 ومعدلات بهذا الحجم التي لا نجدها إلا في بلدان تقاسي آفة الحروب والنزاعات المسلحة هي تعبير واضح عن فشل المشاريع الإصلاحية لهذا القطاع الحيوي، ولذا فليس من الغريب أن يحتل المغرب الرتبة 104 في جودة التعليم حسب تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2017.

وبات واضحًا وجود نية رسمية في التخلص من هذا القطاع بذريعة استنزافه للمليارات من المال العام دون أن ينعكس ذلك في عملية إصلاحه، حيث تفاقمت مشاكله وتعمقت أكثر أزماته ولعل المسؤولين فاتهم التوضيح أين صرفت ميزانيات الإصلاح المزعوم وهل وجدت بالفعل طريقها الصحيح لتمويل المشاريع الإصلاحية التي تحتاجها.

 وهكذا فالحل الوحيد حسب السلطات الوصية هو بتفويته إلى الاستثمار الخاص القائم على الربح، حيث تتعهد الحكومة بإلغاء مجانية التعليم العالي والثانوي عن الفئات الميسورة فقط مع استثناء الفئات محدودة الدخل، وهنا ينبغي أن نستفسر عن المعايير المعتمدة في تحديد هذه الفئات الاجتماعية والتمييز بينها.

ويزداد الأمر غرابة حينما نعلم أن الفئات الميسورة قد تخلت عن قطاع التعليم العام منذ أمد بعيد فهي لا تحتاج إلى خدماته بالنظر إلى تدني جودته التي لا ترقى إلى طموحاتهم، وكذلك بفعل ارتفاع دخلها الذي يمكنها من الاستفادة من خدمات أرقى وأجود المدارس الخاصة، وهو ما يعني أن الأمر برمته مرتبط بإرغام ودعوة محدودي الدخل لتمويل تعليمهم.

وإذا كان التعليم هو أداة الدولة الوطنية منذ ظهورها لتقليص الفوارق الطبقية والاجتماعية ففي هذه الحالة سيصير بلا شك أداة لترسيخها دون أن ننسى أن انهيارها سيعجل بإفلاس المجتمع أخلاقيًا وتربويًا ومعرفيًا وهو ما بات المجتمع المغربي يدفع ثمنه جراء تنامي ظواهر غريبة تتنافى مع منظومة قيمنا الأخلاقية والدينية مثل الانحلال الأخلاقي واستفحال الجرائم.

وفي الآن ذاته سنجد قطاعات اجتماعية أخرى تعاني نفس المشاكل، فعلى سبيل المثال جودة خدمات المنظومة الصحية غير مرضية لشرائح اجتماعية واسعة، بل وتشكل كابوسًا للمواطن المغربي الذي يتمنى أن لا يصاب بأي علة حتى لا يكابد أوجاع الجسد وفي الآن ذاته عناء البيروقراطية داخل المراكز الصحية وضعف خدماتها التي لا يمكن أن توفر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وعليه لن يساهم تقليص التمويل المخصص لها إلا في تعجيل انهيارها وحرمان الكادحين من حقهم في العلاج.

إن توجه الدولة نحو تبني التوصيات النيوليبرالية كاستجابة لتوصيات المؤسسات المالية وعلى رأسها صندوق النقد، من خلال لعب دور الميسر والمنشط للاستثمار الخاص وتسهيل آليات قوى السوق حتى في قطاعات اجتماعية حيوية بخصخصتها والانسحاب من واجب الرعاية الاجتماعية للمواطنين بهدف زيادة الموارد المالية، لن يقود إلا نحو إعادة إنتاج أزمات اجتماعية خطيرة كتعميق حالة البؤس والتهميش وإفقار شرائح اجتماعية واسعة، وهو ما سيهدد الاستقرار والتماسك الاجتماعي لا محالة.

حراك اجتماعي متسارع

في مثل هذه الظروف التي أسهمت في إحداث هزات عميقة في البناء الاجتماعي والاقتصادي، من الطبيعي أن يتزايد الاحتقان الاجتماعي الناتج عن فقدان الثقة وانسداد الأفق في إمكانية التغيير وضمان العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات.

كما أن هذه الأوضاع هي الأرضية التي ساهمت في اندلاع الحراك الشعبي الذي تعرفه الأقاليم المهمشة في المغرب من الريف شمالًا إلى جرادة وزاكورة شرقًا، التي حولت الشارع إلى فضاء للتعبير عن المواقف والمطالب المشروعة في العيش الكريم والتنفيس عن الضغط المكتوم داخل الطبقات الكادحة، وجعلته بديلًا عن منظمات المجتمع المدني كالنقابات والأحزاب التي باتت عاجزة عن تأطير المواطنين وتبني مطالبهم المشروعة.

وجل هذه الحركات الاحتجاجية هي ذات طابع اجتماعي صرف، إذ تشكل تجسيدًا لسخط شعبي تجاه السياسات الرسمية التي فاقمت من حدة المشاكل الاجتماعية، مثل اتساع دائرة الفقر والبطالة وغيرها كما أنها تجسيد لأعطاب نموذج تنموي ركز الثروة الوطنية في يد عدد قليل من الأفراد المتنفذين على حساب الأغلبية الساحقة من الكادحين.

ويبقى السؤال الأساس ماذا حققنا بعد 62 سنة من الاستقلال من تنمية اقتصادية واجتماعية، سنجد إجابات واضحة عنه في تقرير البنك الدولي الذي جاء فيه أن المغرب متأخر بنصف قرن عن أوروبا وفي الآن ذاته بعيد حتى عن الدول الصاعدة وهذه نتيجة طبيعية للاختيارات الاقتصادية المُراهن عليها.

تحدثنا البيانات الرسمية عن أوضاع اجتماعية قاتمة ستزداد سوءًا مع التدابير التقشفية التي ما فتئت تتمسك بها الحكومات المتعاقبة على تسيير الشأن العام، فالطبقة الوسطى وهي صمام الأمان والاستقرار تآكلت بفعل ارتفاع الأسعار والاقتطاعات المهولة من الأجور جراء إصلاح نظام التقاعد، كما أن 15% من السكان تحت عتبة الفقر، ومعدل بطالة ما زال مرتفعًا يوازيه ضغط ديمغرافي يتمثل في وصول الآلاف من الشباب سنويًا إلى سوق الشغل.

وفي ظل هذه الإكراهات يحق علينا من منطلق الغيرة الوطنية أن نتساءل عن جدوى الاستمرار في سياسات صندوق النقد الدولي والتي أثبتت التجارب العالمية مدى خطورتها على التماسك والاستقرار الاجتماعي ودورها في تعميق المظالم الاجتماعية في بلدان عديدة، خاصة أن هناك بدائل أخرى متاحة من تجارب دول أقل من ثروة يمكن الاستفادة منها.

وختامًا علينا الاختيار بين اتجاهين لا ثالث لهما إما الاستمرار في تنفيذ توصيات صندوق بما يرتبط بذلك من اختلال في توزيع الثروات وإفقار السواد الأعظم من الشعب، أو الانحياز إلى الكادحين وتحقيق العدالة الاجتماعية وفتح النقاش العمومي لإعادة النظر في النموذج التنموي وإيجاد البديل الذي يمكن من ضمان السلم والاستقرار الاجتماعي المنشود للسواد الأعظم من الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد