إن المتتبع لأوضاع المغرب السياسية والاقتصادية التي تميزه عن باقي الأقطار العربية سيقف مشدوهًا لا محالة أمام التناقضات الصارخة والهوة التي تتفاقم بين مكانته الخارجية وصورته الداخلية، وبين حجم الإنجازات المحققة وانعكاساتها على الأوضاع المعيشية لملايين المغاربة.

فبلد المهرجانات والمؤتمرات العالمية الباذخة، والأوراش الاقتصادية العملاقة مثل ميناء طنجة المتوسط ونور ورزازات، هو نفسه ذلك البلد الذي يرواح مكانه ضمن مؤشرات التنمية البشرية باحتلاله الرتبة 123 من أصل 180 بلدًا على الرغم من المجهودات المبذولة.

هذه الاختلالات الاجتماعية الواضحة هي تجسيد لهشاشة النموذج التنموي الاقتصادي، الذي لم يمكن من تقليص الفوارق الطبقية وتحسين الأوضاع المعيشية لملايين المغاربة، مما يحتم استعراض محطات التجارب الإصلاحية للاقتصاد المغربي وانعكاساتها اجتماعيًا.

اختلالات النموذج التنموي المغربي

غداة الاستقلال اختار المغرب التوجه الليبرالي أساسًا لتنظيم اقتصاده الناشئ، خلافًا لمعظم البلدان المستقلة التي مالت نحو التوجه إلى الاشتراكية باعتبارها النموذج الأكثر عدالة في توزيع الثروات، ويبقى هذا الاختيار الرسمي مدفوعًا بعوامل متضافرة ففي كتاب التحدي صرح الملك الراحل الحسن الثاني أن الدوافع التي قادت إلى هذا الاختيار جاءت بسبب قناعته الشخصية بأن الدولة تاجر فاشل لا يمكن لها إدارة الاقتصاد.

ومن جهة أخرى يبقى عامل الحاسم في ذلك هو الانحياز إلى المعسكر الغربي للحصول على الدعم المالي وجلب الاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد، في وقت عانى المغرب فيه من استنزاف رساميله وثرواته بفعل تهريب المعمرين الأجانب لها إلى الخارج بالإضافة إلى ضعف الرساميل المحلية والادخار الوطني.

تميز النموذج الليبرالي المغربي بخصوصية متفردة، حيث ظلت الدولة تلعب دور الموجه لدفة الاقتصاد من خلال سياسة التخطيط المقتبسة عن البلدان الاشتراكية، مع العمل في الآن ذاته بآليات السوق لتحريك قوى الإنتاج وتحقيق الاستقلال الاقتصادي وضمان الاكتفاء الذاتي بالاعتماد على الذات.

ولتحقيق هذه الأهداف ركزت المخططات الاقتصادية على تسريع النمو الاقتصادي من خلال نهج سياسة فلاحة تصديرية وتنمية القطاع السياحي مع تصدير المواد الأولية خاصة الفوسفاط الذي يشكل أهم معادن المغرب وثروته الوطنية الأولى.

وترتب عن ذلك تحقيق لمكاسب مهمة، شملت عدة مجالات اقتصادية واجتماعية متمثلة في تحقيق نسبة نمو اقتصادي لا بأس بها، وتطور البنية التحتية الأساسية مع زيادة طول شبكات الطرق الوطنية وإنشاء مجموعة من السدود لتوفير الموارد المائية اللازمة للري والحصول على الماء الشروب، كما تزايد الإنتاج الصناعي الذي استفاد من القاعدة الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الشيء الذي ساهم في تقليل الاعتماد على الخارج خاصة في الصناعات الغذائية، وتراكمت مداخيل مالية مهمة بسبب ارتفاع أسعار الفوسفاط عالميًا.

وعلى الرغم من ذلك تميزت الاختيارات الاقتصادية للمغرب بخلل بنيوي، برز في ارتكاب أخطاء استراتيجية منها عدم تنويع مصادر الدخل الوطني، مما عرضه لاحتمالية التأثر بالتقلبات الاقتصادية العالمية، وسرعان ما تفاقمت خلال فترة السبعينيات التي شهدت بداية الركود الاقتصادي مع انهيار أسعار الفوسفاط في وقت كان بإمكانه التحكم في الإنتاج بحكم توفره على احتياطات هائلة والتي تقدر بثلثي الاحتياطي العالمي بالتقليل من العرض الموجود في السوق الدولي، وبالتالي ضمان مصالحه.

وفي الآن ذاته رافق ذلك تضخم النفقات العمومية بحكم النمو الديمغرافي السريع يضاف إليها تزايد أعباء النفقات العسكرية مع احتدام الصراعات السياسية والعسكرية في منطقة الصحراء المغربية، وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع فاتورة استيراد المواد الأولية الأساسية خاصة النفط بعد حرب 1973، الأمر الذي انعكس على الميزانية العامة بتسجيلها عجزًا مهولًا.

ومع تنامي العجز المالي الذي وصل إلى 14% من الناتج الداخلي الخام، بدأ التفكير جديًا في اللجوء إلى سياسة الاقتراض باعتبارها وسيلة لا مفر منها لتمويل المشتريات الخارجية وتقليص العجز المالي المتكرر، في ظرف اتسم بارتفاع نسبة الفوائد على القروض وبالتشدد في شروط منحها المعروفة عادة بسياسات التقويم الهيكلي.

سياسات التقويم الهيكلي وآثارها الاجتماعية

شهدت فترة أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات توجهًا للبنك وصندوق النقد الدوليين نحو تبني السياسة الرأسمالية الأمريكية باستغلال الأزمات الاقتصادية في الدول النامية لتمرير توصياتها القائمة على تبني إصلاحات تتماهى مع الليبرالية الحديثة وفق الصيغة الأمريكية المتشددة، في ظرفية دولية اتسمت بتراجع نمو الاقتصاد العالمي حيث تضررت الكثير من دول العالم الثالث جراء ذلك بحكم طبيعة أنشطتها الإنتاجية القائمة على الريع أي تصدير المواد الأولية والتبعية الاقتصادية للخارج.

وقد جاء خيار الاستدانة مطلبًا ضروريًا لتجاوز العجز الحاصل في الموازنة العامة وإعادة توازن بين النفقات والعوائد لإنقاذ الاقتصاد إلى حد أن الملك الراحل الحسن الثاني شخَّص الأوضاع الاقتصادية المتأزمة خلال بداية عقد الثمانينيات بكون المغرب مقبلًا على سكتة قلبية.

وكان من الشروط التي فُرضت نظير الموافقة على منح قروض من المؤسسات المالية الدولية، القبول بإعادة هيكلة الاقتصاد المغربي وتكريس انفتاحه على السوق الدولي، وإلزامه بالتخلي عن الحمائية عبر منع فرض الرسوم الجمركية على الواردات، والتركيز على بناء اقتصاد تنافسي وترقية الصادرات وتفعيل دور القطاع الخاص المحلي مع تشجيع الاستثمارات الأجنبية.

ولعل أشد الشروط قساوة تمثلت في الناحية الاجتماعية، حيث دعت إلى التشدد في تطبيق سياسة تقشفية من خلال تقليص نفقات برامج الدعم الاجتماعي خاصة التعليم والصحة والشغل والسكن، كما جرى رفع أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، وخصخصة القطاع العام بتفويت مقاولات عمومية إلى مستثمرين محليين وأجانب بداعي عدم كفاءة إدارة الدولة لها، وكل ذلك بهدف ضمان وجود السيولة الكافية لسداد الديون.

وكان لهذه الإجراءات المفروضة وقع قاسٍ على فئات اجتماعية عريضة خاصة محدودي الدخل منهم، الذين باتوا مضطرين لتحمل كلفة الإصلاح المالي، فالأجور جرى تجميدها وأسعار المواد الاستهلاكية تم رفعها مسببة تدهور القدرة الشرائية، وكان تأثير ذلك أشد وقعًا على قطاعي التعليم والصحة إذ تدنت جودة خدماتهم بفعل نقص التمويل على الرغم من أنها في الأصل غير كافية.

وهكذا شكلت هذه الإجراءات القاسية وقودًا لاضطرابات اجتماعية، مست الكثير من المناطق المغربية بلغت عنفوانها في مدينة الدار البيضاء سنة 1983، والتي اضطرت فيها قوات الأمن لاستخدام القوة المفرطة لقمع الاحتجاجات الشعبية وعلى أثرها جرى استدعاء وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري للبرلمان وتقديم شهادته حول الواقعة.

وللتخفيف من حدة انعكاسات برنامج التقويم الهيكلي جاء إطلاق برنامج الأولويات الاجتماعية سنة 1993 مستهدفًا تطبيق سياسة تنموية في المجال الاجتماعي وفك العزلة عن الأقاليم الأكثر تهميشًا، ولقد ترتب عن ذلك نتائج إيجابية تمثلت في تطوير قطاع التعليم الأساسي بمحاربة الهدر المدرسي وزيادة عدد المتمدرسين وأيضًا في قطاع الصحة، كما مكنت من معالجة معضلة الفقر بخلق فرص للعمل خاصة في العالم القروي، كما مكنت من تحسين المستوى المعيشي بزيادة الدخل الفردي وتطور القدرة الشرائية وتقليص معدلات الفقر التي انخفضت إلى ما دون 10%.

وفي المحصلة يمكن القول إجمالًا إن السياسات التنموية في المغرب على الرغم من نجاحاتها النسبية اتسمت بتخبطها وارتكازها على دعائم غير مستقرة، مما جعل النمو الاقتصادي رهينًا بعوامل خارجية غير متحكم فيها، وهو ما انعكس على الأوضاع الاجتماعية التي لا تزال دون المستوى المنشود، خاصة تفاقم الفوارق الطبقية والمجالية. وفي المقال القادم نواصل الحديث عن الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال تواجه التنمية بالمغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– زكي رمزي ، الليبرالية المستبدة،الطبعة الاولى، 1993
– ميهوبي فخر الدين ،اشكالية بناء الدولة في المغرب العربي، الطبعة الاولى، 2014
عرض التعليقات
تحميل المزيد