لقد أنتج الاقتراع الثلاثي (الجماعية، الجهوية، التشريعية) للثامن من شهر سبتمبر (أيلول) الحالي ببلدنا المغرب أرقامًا دالة ومؤشرات واضحة ورسائل قوية للمجتمع الدولي عامة، وللمحيط الإقليمي والقاري خاصة، خلاصتها أن المملكة المغربية نجحت من جهة أولى في تأمين المسار الديمقراطي والتداول حول السلطة بشكل نزيه، ومن جهة ثانية في إنجاح هذا الاستحقاق المهم بالرغم من إكراهات وظروف جائحة كورونا.

لقد قَدّمت استحقاقات المغرب رسالتين واضحتين وجب على المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي ودول الجوار التقاطهما؛ أولى تلك الرسائل هي إقبال المُواطنات والمواطنين المُكَثف على صناديق الاقتراع، والذي بَلغ 50.35، مؤشر رقمي دال يُعبر عن حرص المواطنين أولًا على اختيار النخب القادرة على التسيير والتدبير، وثانيًا على رغبتهم في التغيير مع ملامح النموذج التنموي الجديد وهذا ما يتضح جليًا عبر التجربة المغربية الفريدة من نوعها قاريًا وعربيًا، نعم فريدة من نوعها داخل مُحيطها الإقليمي لأنها أكدت تداولًا حول السطلة بشكل ديموقراطي سَلس وهادئ وبدون إشكالات، فالتيار ذو الأيديولوجية الإسلامية الذي ترأس الحكومة لولايتين متتالتين عاقبه المُواطنون بِشكل صارم جدًا لِيتنحى عن السلطة بشكل ديمواقرطي، لذلك قلنا عن التجربة المغربية فريدة، عكس ما وقع في بعض البلدان العربية من صراع وتجاذب؛ ما خلّف انعدامًا للاستقرار وغيابا للانتقال الديموقرطي السّلس.

الرسالة الثانية التي وجهتها استحقاقات المغرب الانتخابية هي ترسيخ واقع مغربية الصحراء وتكريس ذلك من خلال الأرقام والإحصائيات الدالة جدًا التي لاحظها العالم بأكمله عبر ملاحظيه الدوليين بأقاليمنا الصحراوية، إذ تصدرت جهات وأقاليم الصحراء نسب التصويت وطنيًا، مؤشر دال وضربة مُوجعة لكيان البوليساريو الذي كان ينتظر العكس، لكن واقع الحال أثبت من جديد تشبت المواطنين الصحراويين ببلدهم المغرب، وأكد كذلك بأن هؤلاء المُواطنين قد صوتوا فعلًا على النخب التي يريدونها لِتمثيلهم بالمجالس المنتخبة لمواصلة درب التنمية الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، خاصة مع ثمار النموذج التنموي الذي وضع ملامحه الخطاب الملكي للذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، والذي فاقَ 85 مليار درهم لإنجاز ما يفوق 700 مشروع تنموي على غرار الطريق السريع الذي سَيربط تزنيت بالداخلة على طول 1.055 كلم (10 مليار درهم)، والبرنامج الصناعي فوسبوكراع بالعيون (17.8 مليار درهم)، وكذا ميناء الداخلة الأطلسي (10 مليار درهم) إلى غيرها من المشاريع التنموية التي تؤكد بالملموس الرّقي الذي شهدته أقاليم الصحراء المغربية، والذي اعترف به المنتظم الدولي، كان آخرها ما قاله وفد البعثة الاقتصادية البولندية الذي اندهش من حجم التنمية خلال زيارته لِمدينة العيون يُقابل النموذج التنموي بالأقاليم الصحراوية: بُؤس اقتصادي وانتشار للأوبئة هناك بِمخيمات تندوف بالجزائر.

إنّ نِسب التصويت المرتفعة جدًا بأقاليم الصحراء من وجهة نظري لها أربع دلالات أساسية: الدلالة الأولى لهذه المشاركة المدنية القِياسية لمُواطنات ومُواطني الأقاليم الصحراوية، حيث نتحدث عن 66.94٪ بجهة العيون الساقية الحمراء، و58.30٪ في جهة الداخلة وادي الذهب، و63.76٪ بجهة كلميم واد نون، بل أكثر من ذلك؛ فَعلى مستوى أقاليم الجهات الجنوبية كانت معدلات المشاركة كثيفة جدًا إذ كانت النسبة 79.64٪ في إقليم أوسرد، 54.40 في إقليم وادي الذهب، 85.20٪ في إقليم طرفاية، 67.37٪ في إقليم السمارة، 68.65٪ في إقليم العيون، و64.10٪ في إقليم بوجدور، هذه الأرقام هي تكريس لواقع مغربية الصحراء وتأكيد مجتمعي على سيادة المغرب على أراضيه الصحراوية، الدلالة الثانية لهذه المؤشرات هي تأكيد المُواطنين الصحراويين المغاربة على تَشبتهم بتنزيل ورش الجهوية المتقدمة الذي انطلق سنة 2015، والذي يعتبر الحكم الذاتي أقصى تجلياته، فالمغرب ما فتئ يؤكد على أن الحكم الذاتي الذي قدمه سنة 2007 هو أقصى ما يُمكنه أن يُقدمه إيمانا منه بحلحلة هذا النزاع المُفتعل بمقاربة تشاركية مع الأمم المتحدة.

الدلالة الثالثة التي يُمكن أن نَسْتقيها من الأرقام الإحصائية لِنسب التصويت بالأقاليم الصحراوية هي أنّ النّخب التي جرى التصويت عليها من طرف ساكنة الصحراء، وبنسب تصويت عالية جدًا، وأمام مرآى ومَسمع الملاحظين الدوليين هي التي تُمَثل ديموقراطيًا الصحراويين، وهي التي لها الحق في التحدث باسمهم، وبالتالي فمن يدّعي هناك بمخيمات تندوف بأنه يمثل الصحراويين فمنطقيًا وواقعيًا جبهة البوليساريو لا تُمثل سوى نفسها، هذا الكيان الذي احتجز مواطنين أبرياء في ظروف قاسية جدًا، وفي خيام بدائية بأوضاع اقتصادية كارثية، وفي ضرب صارخ للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومنها حقوق اللاجئين.

أما في ما يَخُص الدّلالة الرابعة لهذه الإحصائيات فيتجلى أساسًا في مشروعيتها الدولية وإجماع المنتظم الدولي على احترامها للآليات الديموقراطية، بحيث حظِي الاقتراع بالمغرب بتتبع وملاحظة من قبل 5020 مُلاحظًا وطنيًا ودوليًا، وهم 4891 ملاحظًا وطنيًا، من بينهم 568 ملاحظًا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فضلًا عن 129 ملاحظًا دوليًا في أفريقيا، وأوروبا، وآسيا، والعالم العربي، والمُنظمات الدّولية والإقليمية والبرلمانات الوطنية والدولية، والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، من أبرزهم ملاحظوا الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الذين أشادوا بالنزاهة والشفافية والمهنية التي طبعت الانتخابات المغربية التي أشادت بها كذلك دول عديدة من مختلف قارات العالم عبر سفاراتها وقنصلياتها بالعاصمة الرباط.

خِتامًا لقد نجح المغرب في هذا الرهان، وهذا ما عبرت عنه رسالة سفير المغرب لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة التي جرى تعميمها كوثيقة رسمية كان عنوانها العريض «انتخابات الثامن من سبتمبر.. تداول سَلس وتأكيد جديد على مغربية الصحراء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد