لم تختلف كثيرًا المعايير التقنية والاختيارات الفقهية التي ألزمت بها البنوك التشاركية من خلال منشور والي بنك المغرب عن معايير المرابحة المتعارف عليها في المشرق وجنوب شرق آسيا، وكذا عن المعايير الشرعية للأيوفي.

منشور والي بنك المغرب رقم 1 و17 الصادر في يناير 2017، والمصدق عليه بقرار لوزير المالية رقم 339.17 الصادر في مارس الماضي والذي نشر في العدد 6548 من الجريدة الرسمية يتعلق (بالمواصفات التقنية لمنتجات المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة والسلم) و(كذا كيفيات تقديمها للعملاء)، وهو النموذج العملي الذي يلزم البنوك التشاركية الاشتغال به وفقهه في قادم الأيام.

ولأن المرابحة العقارية هي التي كانت المبتدأ في عمل البنوك التشاركية، فالمقال بسط لمواد المنشور مع تعليقات طفيفة على على مجمل مواده.

عرف منشور بنك المغرب المرابحة تعريفًا يشبه باقي التعريفات المتعارف عليها كونها بيعًا للأمانة، فهي تملك لعين تملكًا حكميًا أو حيازة، وكذلك في ما يخص انتقال الملكية للعميل (المادة 4) بعد أمر للزبون، ووعد ملزم (المادة 11) بالاقتناء من الأخير.

يتضح الحسم في مسألة الوعد الملزم من بين مسائل أخرى، وهو اختيار فقهي معروف سيسهل المأمورية على البنك التشاركي، ويخفض من مخاطر المرابحة إلى حدودها الدنيا، بينما المالكية يقبلون الوعد الملزم فقط في التبرعات كالهبة ويردونها في المعاوضات كالمرابحة، الرأي الشرعي بالمطابقة الصادر عن اللجنة الشرعية للمالية التشاركية عن المجلس العلمي الأعلى (رأي رقم 1 بتاريخ 10 ربيع الأول 1438، 10 دجنبر 2016) اختار الاجتهاد وتجاوز (التشدد) المالكي لتيسير الأمر على النموذج التشاركي الجديد.

يبيع البنك التشاركي العين بزيادة هامش الربح (المادة 3) مع تمليك الزبون لكل المعلومات، الأداء يمكن أن يكون نقدًا، ويمكن أن يكون على دفعات حسب الاتفاق (المادة 7، الفقرة الأولى) مع وجوب تسديد الأقساط كلية قبل إمكان البنك (إعادة شراء العين من العميل) (المادة 10) ودرءًا للعينة في الفقرة الموالية من المادة 10، وهو سد لباب العينة المحرمة، (أخية الربا) كما ورد وصفها من الخليفة عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه. يحسب للمجلس العلمي الأعلى في هذا السياق القطع المبكر مع التورق وهو شقيق العينة وطريق ملكي إلى الربا والتحايل باسم الشرع أحيانًا.

يمكن للزبون أداء الأقساط المتبقية أداءً مبكرًا مع إمكانية تنازل البنك عن جزء منها، لكن دون اشتراط تنازل البنك في العقد عنه (المادة 7، الفقرة الثانية)، وذلك مع وجوب التنصيص صراحة على عدم إلزامية تنازل المؤسسة عن جزء من الأقساط، ذلك أن الفقهاء يعدون شرط التنازل مخالفًا للشريعة، ويبقى الحق للبنك في الاختيار بين التنازل عن جزء من الدين أو طلب استيفاء الدين كله.

إذا كان هناك إجماع فقهي حول كثير من المسائل كتحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة للحديث الواضح في الموضوع، فإنه سيتنبط من خلال الدوريات اختيارًا فقهيًا ظل موضوع خلاف، في المادة 5، يستشف من خلال النص إمكانية بيع الذهب والفضة بالنقود مرابحة: (…إذا بيعا بالذهب والفضة) المادة 5.

هو اختيار من داخل المدرسة المالكية معروف، ولابن تيمية رحمه الله سبق فيه بتعريف المختلف للنقود المعاصرة القائمة على الثقة والقيمة الاقتصادية والسياسية عكس التي سكت من الذهب أو الفضة وهو ما أطلق عليه لفظ (الفلوس).

ظلت المدرسة المشرقية تحرم هذا النوع من البيع إلى وقت قريب، وتمت مراجعة في معايير الأيوفي التي أصدرت في نوفمبر 2016 معيار الذهب الجديد والذي فرقت فيه بين المجوهرات والسبائك، لتأخذ بذلك بالاجتهاد التيمي والمالكي.

اتفق منشور بنك المغرب مع معايير الأيوفي الجديدة القاضية بوضع هامش الجدية في حساب خاص وعدم تصرف البنك فيه (المادة 12)، ليس بعربون، ولكن مبلغ لتعويض البنك في حالة تراجع الزبون عن وعده بالاقتناء، كما يمكن للزبون استرداده في حالة عدم وفاء البنك بوعده بالشراء، في حالة نكول الزبون لا يمكن للبنك طلب مبلغ إضافي (المادة 13) لتعويض الضرر الحاصل.

بقيت الإشارة الى إشكال شرعي يمكن أن يطرح في ما يخص التعثر عن السداد الذي يمكن أن يعترض العميل، فالمادة 9 تنص صراحة على أن العميل يلزمه أداء تعويض عن (الأضرار الفعلية) التي لحقت بالبنك (بسبب توقفه عن الأداء)، فمن سيحدد (الأضرار الفعلية)؟ وبأية دقة؟ طبعًا لا توجد مؤسسة مؤهلة قانونيًا وتقنيًا سوى بنك المغرب! فهل سينشر الأخير وثيقة للتوضيح؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد