لا يعلو صوت خبر في قنواتنا الرسمية على صوت خبر الإنجاز التاريخي بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، بحيث اعترفت هذه الأخيرة بسيادة المغرب على منطقة الصحراء المتنازع عليها. وأشادت هذه القنوات، لحد المبالغة، بالعلاقة القوية والمتجذرة في التاريخ التي تجمع بين البلدين بحيث كان المغرب أول بلد في العالم يعترف باستقلالية الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في العشرين من ديسمبر سنة 1777.

ليس هناك ذكر لعبارات التطبيع أبدًا على هذه القنوات مما جعل بعض المغاربة يؤمنون بكل سذاجة أن الولايات المتحدة وأصدقاء المغرب لاحظوا أن الصحراء فعلا مغربية، لذا وجب الاعتراف بسيادة المغرب عليها بدون مقابل. لكن إذا حللنا الخطاب الإعلامي الرسمي، سنجد أن هناك خطابًا آخر مخفيًا في ثنايا عبارات تنتمي لمجال القوة الناعمة والتي لا يستطيع تفكيك معانيها إلا المتمكن من علوم اللسانيات وعلوم الخطاب أو مدير إنتاج بهذه القنوات. ويشير هذا الخطاب غير المعلن عنه أن هذا الاعتراف جاء نتيجة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل. يا لها من صدمة! وبهذا يصبح المغرب رابع بلد عربي يطبع مع الكيان الصهيوني ويعترف بسيادته على المناطق التي يحتلها بدون أية شرعية.

وفي هذا السياق، وجب شرح كلمة التطبيع والتي يبدو أن أمة اقرأ لا تدرك أو تخلط بينها وبين المفاهيم السياسية الفضفاضة الأخرى. تطبيع (Normalization) من فعل طبَّع وتطبيع الشيء أي جعله طبيعيا. بمعنى آخر يهدف التطبيع أن يجعل من وجود هذا الكيان، الذي يرتكب جرائم حرب عدة بل وتطهير عرقي للفلسطينيين منذ نشأته، وجودا عاديا وكأن شيئا لم يحدث. وبعبارة أخرى، فإن العلاقات السرية مع هذا الكيان لم تعد مقبولة بل حان وقت الجهر بها والتطبيل لها تحت مظلة السلام أو التعايش الديني والتلاقح الثقافي وغيرها من العبارات الطنانة التي تغطي عن ممارساته اللاإنسانية.

على خلاف نُظرائه الآخرين من المطبعين، فالمغرب لم يطبع طمعًا في الحصانة السياسية والعسكرية للأمريكان، على الأقل ليس ظاهريا. بل طبَّع مقابل اعتراف هذا الأخير والذي يعتبر الممول الأول وعراب هذا الكيان العنصري بسيادة المغرب على صحرائه. على عكس ما يسوق له الإعلام الرسمي، فالمرسوم الرسمي الذي وقعه ترامب بصفته رئيسًا للولايات المتحدة لا يعترف بمغربية الصحراء بل فقط بسيادة المغرب على هذه البقعة الجغرافية. في السياسة، هذين المفهومين يحملان معاني مختلفة. بمعنى آخر، لم يأت هذا المرسوم بشيء جديد لأن المغرب كان أصلا ينادي ويمارس فعل السيادة على صحرائه. لكن لكونه واجه مشاكل وقلاقل مؤخرا مع جبهة البوليساريو في المعبر الحدودي الكركرات الواقع بينه وموريتانيا، فإن هذا القرار هو قرار ديبلوماسي-استراتيجي محض لشد الخناق على هذه الجبهة الانفصالية المدعومة سياسيا من طرف الجزائر لتعزيز سيادته على كامل جغرافيته لا أكثر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا استغرقت الولايات الأمريكية كل هذا الوقت للاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء والمغرب أول بلد يعترف باستقلالها؟ وهل هناك صداقة في السياسة كما يدعي إعلامنا الساذج؟

لهذا وجب التأكيد أن اللعبة السياسية في جوهرها هي بعيدة كل البعد عن الغيرية والصداقة ولا تهتم لحقوق الإنسان ولا لِمآسيه. إن ما يحكمها هو السلطة والمصالح. وفي السياسة لا تعطى الأشياء بالمجان. وعندما تكون هناك أنظمة شمولية تُسير العالم كما يحدث الآن، تصير أبسط الخدمات والقروض والاستثمارات الأجنبية بشروط مجحفة وتعجيزية. وهنا ذاق المغرب مرارة التطبيع وما عكسه من تبخيس لمكانته المحترمة لدى الدول ثمنًا للاعتراف بسيادته على مجال ترابي كان له قبل الاستعمار الإسباني له. وإذا نسيتم فإن رئيس حكومة المغرب، علق يوما على من طبعوا قبله بأنه لا يقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني لأنه [التطبيع] يشجعه على انتهاك حقوق الفلسطينين. لكنه قال كلامه هذا كرئيس حزب لا كرئيس حكومة ليزيد من شعبية حزبه لا أكثر. وبعد هذا التطبيع التاريخي، نستنتج أن حقوق الفلسطينيين هاته ما هي إلا وسيلة يترامى عليها الساسة العرب لتحقيق مبتغياتهم ومصالحهم السياسية. للأسف، ليست الدول العربية وحدها من خذلت القضية وتاجرت بها. بل إن السلطة الفلسطينية نفسها خذلت شعبها لفسادها وعمالتها لصالح سلطة الاحتلال. كما أنها ضيعت حلفاءها لأنها غير ثابتة في قراراتها ولا تتقن اللعبة السياسية كسائريها.

هذا الخذلان جعل من شعوب العالم المتنورة عامة والشعب الفلسطيني المناضل خاصة الرهان الحقيقي من أجل نصرة القضية الفلسطينية على هذا الاحتلال العنصري. ففي آخر المطاف، القضية الفلسطينية هي قضية الشعوب وليست قضية الساسة. وكما يقول غسان كنفاني «إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين.. لا أن نغير القضية».

كَون ملك المغرب رئيسا لِلجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، توقع القليل من المحللين السياسيين تطبيع العلاقات بين البلدين بشكل فعلي. وبما أن المغرب لم يحمل العديد من الأوراق الرابحة فيده، قرر التطبيع ثمنا لاعتراف أكبر بلد متهم بخروقات لحقوق الإنسان في العالم بسيادته على منطقة الصحراء. لكن هذا التطبيع جاء بعد تفكير طويل من المغرب. كما هو معروف، فالتطبيع مع إسرائيل أَتي ضمن خطة صهر ترامب جارد كوشنر لإحداث السلام في منطقة الشرق الأوسط. طبعا هذا ليس حبا في السلام إنما لزيادة حُظُوظ ترامب في الفوز في الانتخابات الأمريكية. بكل بساطة، كان بإمكان المغرب انتظار انتهاء ولاية ترامب ليتجنب هذا الموقف المحرج. لكن ما دفعه لاستغلال آخر أيام ترامب كرئيس للولايات المتحدة والقيام بالتطبيع من أجل هذا الاعتراف الرمزي هو كون أن الرئيس المنتخب جو بايدن وَعد بدعم معارضات العالم في حملته الإنتخابية وهناك من حلل على أن دعمه هذا سيشمل جبهة البوليساريو الإنفصالية بعدما قامت بتحركاتها الأخيرة فور انتخابه رئيسا للولايات المتحدة.

واضعا ثقته في تحركاته الاستراتيجية السابقة وفي علاقة البلدين القوية وكذا قوة اللوبي اليهودي المغربي ومواجها خوفه من دعم بايدن لهذه الجبهة، اِرتأى للمغرب استغلال آخر أيام ترامب في السلطة لمحاصرة هذه الجبهة الانفصالية. أما بخصوص خطة كوشنر للسلام، فلا صلة لها وإحلال السلم بالمنطقة لأن الدول التي شملها التطبيع ليست في حرب مع اسرائيل أَصلا. والمغرب على الخصوص كان مقربا من إسرائيل ديبلوماسيا لأن عددا كبيرا من يهوده يقطنون هناك بعدما تم ترحيلهم في عهد الملك السابق. علاوة على هذا، فالأنظمة العربية الديكتاتورية والذلقراطية تتعامل عسكريا وسياسيا مع إسرائيل منذ زمن وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي بحيث لجأت هذه الأخيرة إلى أحدث التكنولوجيات الرقمية الإسرائيلية والتي تستعمل في مجال الأمن الرقمي، التجسس بين قوسين، للإطاحة بكل معارض لها. وشخصيا، لا أرى في التطبيع أو في اقتراح حل الدولتين حلا ناجعا للصراع الفلسطيني مع إسرائيل ما دام أن الأسئلة الرئيسية في هذا الصراع لم تطرح. وهنا أتحدث عن حق العودة وحق تقرير المصير وكذا إنهاء الاحتلال وتعويض الفلسطينيين والاعتراف بالمجازر التي ارتكبها الكيان في حقهم.

خلاصة الأمر، شرعية هذا المرسوم الذي وقعه ترامب من أجل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء مشكوك فيها. وإذا كانت نوايا الولايات المتحدة في عهد بايدن تصب في اتجاه البوليساريو فلا شيء يمنعها من التنكر له فأمريكا ليست بالبلد الذي يُشهد له بوفائه بوعوده كما أن بايدن وعد سلفًا بالتراجع عن عدة اِتفاقيات قامت بها إدارة ترامب. وللإشارة فالولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر إمبراطورية انتهاكًا لحقوق الإنسان منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وأي علاقات معها هو تطبيع بحد ذاته لممارساتها. لقد خالفت العديد من المواثيق الدولية واِحتلت العديد من البلدان وتدخلت في الشؤون الداخلية لأخرى من دون محاسبة من طرف الأمم المتحدة ولا البلدان الأخرى. لهذا فإن التطبيع الذي قامت به المملكة المغربية والدول العربية الأخرى مع الكيان الصهيوني يعبر عن قناعات الساسة لا عن قناعات الشعوب العربية المغلوبة على أمرها. وهو نابع أيضًا من ضعفهم أمام صناع القرار الحقيقيين في العالم لذا فأنظمتنا السياسية هي أنظمة ذل-قراطية عن جدارة واستحقاق.

وفي الأَخير، وجب القول أنه إذا كتبت عليهم الشهادة لأنهم فلسطينيين، فقد كتبت علينا المذلة جميعًا لأننا عَرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد