تكاثرت مؤخرًا صحافة بالمغرب تحترف السب والقذف والتشهير، وانتقلت من الشائعة إلى تسريب معطيات شخصية وسرية؛ مما أجج قلق العاملين في القطاع وتوجسهم من هاته العمليات الممنهجة أحيانًا.

نمو هاته الظاهرة طرح إشكاليات أخلاقية ومهنية على الجسم الصحافي المثقل بالمشاكل أصلًا، ومن بين أبرز الإشكالات أخلاقيات المهنة، والاستقلالية المفترضة في الإعلام.

ويحاول هذا المقال تقديم أمثلة في هذا الصدد وتبيان طريقة عمل هاته المواقع، إضافة لطرح سؤال علاقة الصحافة والدوائر الأمنية أو الاستخباراتية من خلال وقائع سابقة برز من خلالها هذا المعطى، وسرد بعض مقتضيات قانون الصحافة والنشر والتي لم يتم إعمالها في عدة قضايا تخص التشهير.

وأثناء كتابة هاته الأسطر برزت فضيحة مدوية تتعلق باستخدام موقع «شوف تيفي» لمصورين قصد ملاحقة الصحافي عمر الراضي واستفزازه، إضافة لحملة التشهير ضده منذ أسابيع، وهو الذي سبق أن استدعته النيابة العامة في شبهة «التخابر مع جهات أجنبية»، وهي تهم لم يقل فيها القضاء كلمته بعد، لكن مواقع التشهير كانت سباقة لوصفه «بالجاسوس»؛ ما يتنافى وأخلاقيات المهنة.

أجناس صحافية جديدة!

تستعمل المواقع المتهمة بتشهير أدوات مختلفة في مقالتها تتراوح بين الأخبار الشائعة والاتهام المباشر لأشخاص أو هيئات معينة، وقد يبلغ الأمر حد القذف المباشر وتسريب معطيات شخصية أو سرية في إطار ما يعرف «بالقتل الرمزي» أو «المعنوي»، أو في إطار تصفية حسابات شخصية. وتستخدم هاته المنصات أيضا ما يعرف «بذباب الإلكتروني» وهي تقنية تعتمد على حسابات وهمية لا تحمل صور شخصية ولا منشورات، ويتم استخدامها في التعليق لأجل زيادة المعلقين والمؤيدين «للمقال».

وتسعى هاته المواقع لخلق صورة سلبية في أذهان المتلقي، مع تركيز على المواضيع التي تشكل حساسية لدى المتلقي مثل القضايا الجنسية أو مصطلحات مثل «الانفصال»، «زعزعة استقرار الدولة»، في حالات كثيرة يمكن ذكر ما صاحب حراك الريف من أخبار مغلوطة وشائعات كمثال في هذا الصدد.

فيديو ناصر الزفزافي «الفضيحة» التي كان وراءها موقع إخباري

إبان اعتقال ناصر زفزافي المعتقل على خلفية حراك الريف، تم تسريب مقطع فيديو يظهره في وضعية «مهينة»، على موقع برلمان من داخل سجن عكاشة بدار البيضاء؛ مما أثار استنكارًا واسع وأعاد نقاش «المصادر الأمنية» التي يسرب غالبًا تحت اسمها مثل هاته المقاطع.

وقد كان الموقع قد برر الفيديو بكونه لأجل تأكيد عدم تعرض ناصر «الزفزافي» للتعذيب.

هذا وباشرت النيابة العامة تحقيقًا سنتين لم تظهر نتائجه بعد حتى بعد مرور عامين.

قضية «هاجر الريسوني» التشهير يصدم الجسم الإعلامي والحقوقي.

لعل قضية هاجر الريسوني، الصحافية بجريدة أخبار اليوم، والتي أدينت بتهمة الإجهاض قبل أن يطلق صراحها بعفو ملكي، تعد أبرز قضية أماطت اللثام عن التشهير، ودق من خلالها الفاعل الإعلامي والحقوقي الخطر.

حيث تم تسريب محاضر الاستماع ووثائق شخصية إضافة لصور القبض على الصحافية، إضافة لهجوم وتحامل كبيرين. مما شكل صدمة للرأي العام حينها، وسيمهد لفتح نقاش حول الظاهرة.

ومن جملة هذا النقاش ندوة احتضنها «المركز الإعلامي المتوسط «تحت شعار «التشهير في الصحافة.. قتل معنوي ينتظر ردع القانون»، وكان رئيس «نادي قضاة المغرب» قد كشف خلاله عن أرقام من بينها 152 قضية سجلت سنة 2018 تتعلق بقضايا المس بالحياة الخاصة لأفراد، مقابل 165 شخصًا تمت متابعته.

كما كان المجلس الوطني للصحافة قد أدان فعل التشهير في حق هاجر، لكن رد فعله بقي حبيس التنديد، ولم يصل لحد الملاحقة القانونية.

الإعلام والسلطة في المغرب أية علاقة؟

لطالما كانت منصات معينة متهمة بتنفيذ أجندات استخباراتية، لكن أبرز قضية هنا تبقى بلا شك تسريبات «كريس كولمان» أو ما يعرف «بويكيليكس» المغرب.

حيث قام حساب «تويتر» مجهول سنة 2014 بتسريب معطيات ورسائل إلكترونية لأشخاص نافذين كان «لإمبراطور» الإعلام أحمد الشرعي الذي يمتلك صحفًا ورقية ومجلات وإذاعة نصيب منها، وحسب الحساب فإن أحمد الشرعي قام بتبادل رسائل ما بين2007 و2012 مع المديرية العامة للدراسات والمستندات «لادجيد» التي يرأسها إلى حدود اليوم «أحمد المنصوري» والذي كان رئيسا لوكالة المغرب العربي لأنباء في فترة سابقة (1999 – 2003).

وكانت الرسائل التي جرى تداولها بين أحمد شرعي ومدير ديوان «المنصوري» آنذاك «مراد الغول» تضم مقللات يجري الإعداد لها، وكذاك معلومات عن صحافيين ومكاتب في الولايات المتحدة مثل «FOREING Policy» يجري التوسط لديها لأجل الكتابة لصالح المغرب.

من جهته كان أحمد شرعي قد نفى صحة هاته الرسائل في تصريح لموقع «desk» معتبرًا أن بريده تم اختراقه، وتم فبركة الرسائل.

وكان نفس الموقع أي «desk» قد نشر تحقيقًا بخصوص موقع «برلمان» الضالع في نشر فيديو «الزفزافي»، وقد تتبع الموقع الصحافي مسار صاحب موقع برلمان «خرباشي» منذ كان محاسبًا في الوكالة المغربية لأنباء التي تسلق درجاتها حتى أصبح مسؤول في مكتبها في «ذكار» السينغالية سنة 1992. ثم بعد خدمة في عدة مكاتب في أقطار أفريقيا سيرأس مكتب نواكشوط سنة 2000 إلى أن يخلف المنصوري على رأس الوكالة، قبل أن يتم إقالته بقرار ملكي سنة 2009.

غير أن ما يجعل السيد «خرابشي» وموقعه يتهمون بالقرب من دوائر أمنية هو تعيينه سنة 2010 كحاكم مكلف بتواصل داخل وزارة الداخلية وإنشائه لوكالة إخبارية بالأقاليم الصحراوية تحت مسمى «sahara media agency»، والتي ستنشئ مكاتب أيضًا بموريتانيا وببلدان أفريقية، وستتهم باحتكار المعلومات وتوزيعها داخل الإقليم.

وإن كان قرب بعض الصحف من الدولة أمرًا متداولًا في عدة دول، ويدخل في نطاق التعددية، فإن السب والقذف والتشهير ونشر معطيات كاذبة هو ما يتوجس منه المشتغلين في القطاع.

قضية على المرابط والوكالة المغربية لأنباء

تعود القضية لسنة 2008، حيث نشرت جريدة EL MUNDO الإسبانية بنشر مقال من توقيع الصحافي علي المرابط الذي صدر في حقه قرار غير مسبوق بالمنع من الكتابة لمدة 10 سنوات داخل المغرب، سيتهم فيه علي المرابط الوكالة المغربية لأنباء بالقيام بعمل استخباراتي يوازي العمل الصحافي موجهًا التهمة آنذاك لمراسلي الوكالة بمدريد «مسعود منصوري» و«إيدا حسن». وستتقدم الوكالة سنة 2008، ومكتبها في مدريد، بدعوة ضد «علي المرابط» لكن المحكمة العليا الإسبانية ستنصف هذا الأخير، معتبرة ما قدمه من معلومات تبقى صحيحة مطالبة الوكالة بتبرير.

صورة من قرارة المحكمة من صفحة على المرابط على «فيسبوك».

القانون المغربي الغائب الحاضر في النازلة

ينص قانون الصحافة والنشر 88. 13 في الفرع الرابع «في حماية الشرف والحياة الخاصة لأفراد»، أنه يعاقب بغرامة قدرها 100 ألف إلى 10 آلاف عن القذف الموجه إلى الأفراد بإحدى الوسائل المبنية في المادة 72.

وينص الفصل أنه يعاقب بـ50 ألفًا إلى 10 آلاف على السب الموجه بنفس الطريقة لأفراد. وينص الفصل 89 على حماية الحياة الخاصة والحق في الصورة، ويعاقب بنفس القوانين المنصوص عليها في الفصل 85.

وبالرغم من هاته القوانين فإن عددًا من القضايا بقي دون متابعة ما يطرح أكثر من علامات استفهام.

أكيد أن صحافة التشهير باتت تنخر جسد المهنة. وإن كان الصحافيون والصحف المستقلة تشكو منذ زمن من بطش السلطة، فإنها اليوم تبكي غدر «زملاء» من داخل المهنة، التي لا تزال تتلمس طريق حرية تبعد وتقرب، ويزيدها غدر ذوي القربى ابتعادًا، وهم من ينتظر وقوفهم في صف واحد من أجل إعلام مستقل يحتاجه الوطن اليوم قبل الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد